بقدر ما يدعو شباب الثورة إلى القطيعة مع كل ممارسات النظام القديم، تتجذّر الثورة في ماضي الشعب لتشحن روحها ووحدتها وفرادتها. لهذا، أنظرُ إلى الثورة في شكلها الجديد، كفرصة تاريخية للتجدد من الداخل، شكلٌ من أشكال اليقظة الجماعية تجاه وضع تاريخي مُحتقن ومتكلّس ويجب كسره، كسر القوالب القديمة التي حنّطنا فيها نظام سياسي غبيّ ومتآكل. أمّا الوعي بالثورة، فهو الأساس الآن لتدبير المساهمة في صناعة التاريخ بما يضمن للجزائر انتماءً صحّياً للعصر. نعرف جميعاً أن الذهنيات لا تزال متخلّفة وأن النظام السياسي الذي عمّر أكثر من نصف قرن، نجح حتى الآن في زرع الكثير من التصوّرات الخاطئة والخطيرة حول الفرد والمجتمع والاختلاف، ولكننا نعرف أيضاً أنّ هذا الحراك فرصتنا التاريخية الوحيدة لإعادة ترميم المفاهيم والممارسات، والمواطنة والحقّ والاختلاف والقانون والمؤسسة... كلّها مفاهيم تمّ اختزالها في مجرّد شعارات سياسوية تدّعيها الأحزاب ولا تظهر في سلوك الفرد والجماعة، والآن حان وقت تفعيلها جدّياً.

ثمّة الكثير من المخاوف المشروعة طبعاً، مخاوف من الارتكاس نحو المقولات الشمولية، ومخاوف من مكائد قوى الحرس القديم في عودته من نافذة مجهولة، ومخاوف من الانجرار نحو سيكولوجية الانتقام خارج القانون. المخاوف يجب تشخيصها بدقّة حتى تصبح تحدّيات المستقبل القريب، ويجب التنبيه إليها بكلّ الوسائل. لا يعوّل الجزائريون اليوم سوى على الاتحاد واليقظة في دفع المخاطر التي تحيق بمصيرهم. لحسن الحظ، ورثنا مؤسسات الدولة في شكلها الأكثر نضوجا منذ الاستقلال، بقي على القوى الحيّة أن تميز في كل مرّة بين المؤسسة والسلوك المنحرف لبعض موظّفيها.

* فيلسوف وروائي ـــ من مؤلفاته: «العرب ومسألة الاختلاف» (بحث) و«هالوسين» (رواية).