قالوا عن أبي إنه عاد من الارخنتين سنة الـ37، والأرخنتين هي الأرجنتين، هناك يلفظون الجيم خاءً، عن الملك جورج يقولون خورخ وحتى خورخي.

عندما وصل إلى «جوزة بَدالُه» في المرج، عن طريق «المعراضة» بين بلدنا والرّامة، أطلق عليه الناس لقب المعلّم نصري، فهو مربوع، رقبته قصيرة وغليظة، والمعلم نصري هو نصري عبود من شفاعمرو، وكان من من أوائل المعلمين الذين علّموا في البلد. أما المعلم الأول فكان يوسف شداد من البقيعة، قبل مئة سنة من هذه الايام.
اصطف الناس لملاقاة أبي العائد من أميركا. غنّت عمتي عفيفة: «بلّوا القرنفل بلّوا/ وتمّ الفرح كُلّو». وعتّب عمي حسن كمّاً من أبيات عتابا، أنهاها بـ: «خوي حسين عالديرِه لفى».
شارك في اللقاء أهل البلد من الحارتين، الشرقية والغربية، والكل يسلّم معانقةً، والعرق يرشل من حسين الذي يلبس طاقية واسعة، والدنيا حمّ بعد طلعة المعراضة، حتى قال أحدهم: «سلّم لحدّ خالك صالح وتريّح». والشباب يحوربوا: «يا مرحبا بِللي لَفى/ سَبع المراحِب مرحبا»
هكذا كانوا يستقبلون كل عائد من هناك.
جاء وفد من حرفيش يسلّم مع رشراش لِحْسين الذي عاد قبل أبي بسنوات. على وقعة العشاء، تكتّف أبي تواضعاً وقال: «إتفضّلوا... مْنتأمّل، مَيحْصلْش.. مْجابَرة»!! فردّ رشراش لِحسين: «وَلَك سَنيور، بقولوا: منتأمّل يحصَل مجابرة»، وسنيور في الكَسْتيجا تعني السيد، وسنيوريتا سيدة.

مِن انتفاضة 1937 الفلسطينية، نقلاً عن أرشيف الموقع التوثيقي paljourneys.org

وظل لسان أبي ثقيلاً، يخلط العربي بالاسبنيولي بعد غيبة 26 سنة عن البلد. يقول عن فرس النهر «بَبُطمو»، وعن مسمار اللحم في الرِجل، «كاظو»، و«موتشو غْراسيا» بدل شكراً.
في سنة الـ37، كانت هناك الثورة في فلسطين. ذهب أبي مع مجموعة من الرجال لشراء السلاح من قرية «الراس لِحْمر»، اليوم كيرم بن زِمْرا. شارك هؤلاء الرجال في «موقعة فرّاضِيه»، وتصاوب علي ابن عمتي عفيفة. نقلوا الجرحى على ظهور الجمال إلى لبنان، من البلد ومن البقيعة، ويحدّث أبي: «هاش سعيد صويلح وبو يوسف صالح بكرية على شريط الحدود مثل السباع، وصرخ واحد: وين أهل بيت جن!! خافوا!! والدنيا عتمة مثل الكحل». فقال أبي: «أنصتْ ولَكْ!! أهل بلدنا بخافوش». في النهار جاء سعيد صويلح، وكان جهماً وسأل: «مين اللي ردّ عليّ في الليل، نوى أن يعارك»، فقال أبي: «أنا اللي ردّيت بسّ شو بعرّفني إنك هلقَدِّه كبير!!» وضحك الناس. كان الرجل صديقاً لعمي محمود، وظلوا يتندّرون عن مشوار لبنان على وعْينا.
أما البارودة التي اشتراها أبي من الراس لِحمر، فهي من عند حسن قاسم. خبأها في رُجمه تحت «رمانة النصيبة»، كان عقاب الثوار حبل المشنقة، والبارودة «إنجليزية جيشية» تعود لضابط إنجليزي قتله الثوار. ومن بين الثوار الذين يذكرهم أبي في «موقعة فراضيه»: الأصْبح، وأبو خضر، وأبو محمد القسّام. يومها قُتل «لِصبَح» وحملوه على بغلة بُخضِر.
والحال – سافر من بلدنا أكثر من عشرين شاباً إلى الأرجنتين، وأقاموا في «بونيسيرِس» بيونس أيرس، هرباً من التجنيد العسكري الإجباري في الجيش التركي وحرب اليمن وغير اليمن. وكان عمر أبي 14 سنة عندما غادر البلد إلى الأرجنتين عن طريق بيروت وجَنوة ومرسيليا. أولاد 14 سنة في تلك الأيام كانوا رجالاً، كثيرون تزوجوا في هذا العمر. بعدها كنا نسمع نجاح سلام تعتِّب: يا بِنت أربتعش حدّي أبُركي/ ثوبي تمزّق خيطيه بإبرِكي/ يا ريت قبري يكون جانب قبرِكي/ وينهدّ الحيط اللي فصل بيناتنا.
سيدي محمد كسر إيد بوي. يبدو أن ستي ميّاسة اليوسف كانت حاكمة في سيدي، أخوها مختار الحارة الغربية سيدي علي اليوسف، وأخوها الثاني سايْس الخِلوة، سيدي صالح اليوسف. حرّضت سيدي محمد وهي تقول: «معلوم، دشّر شُغل البيت وراح يعاون دار طليبته على الحليشِة، ظلّت تنُق حتى طَحش لو إيدُه في العصاية، لم تكن راضية عن هذه الطليبة، البغض في الأهل والحسد في الجيران.
تزوج أبي من ندى الشاهين سنة 38، وولدتُ في 14 أيار سنة 1939. قرأت ذلك في دفتر أسود كبير وسميك أحضره أبي معه من الأرجنتين. وقد سجّل فيه الكثير من الأشياء، لأنه تعلم عند الخطيب صالح القبلان. كانوا يتعلمون سورة ياسين والقرآن الكريم، والنّصْبِه والخُفضَة – عن الفتحة والكسرة. هنالك مكتوب: خِلق ولدنا محمد في 14 أيار سنة الـ1939، وفي نفس الصفحة: جابَت العنزِه العَطرَه توم سَخلات. بِعْنا من كرم الدّرجة عنب بثلاث ليرات. عن النّزال بين عمرو بن ود العامري وعلي بن أبي طالب وشعر ليلى أخت ابن ود. أسدان في ضيق الخَتِل تصاوَلا/ فاذْهَب علي فما حَظيت بمثلها. خلقت ابنتنا نايفة في 11 نيسان سنة 1941. كرم خلة «علي ظاهر» عمل 60 صُحّارة. واصل لَبُحمَد ليرا ونص أجار عمار.
وفي الدفتر الاسود قصقوصة جريدة من «البيرق» التي كان يصدرها الأمير أمين أرسلان في الأرجنتين.
كان في الأرجنتين جالية عربية كبيرة من فلسطين وسوريا ولبنان، ودكاكين عربية، على باب دكان مكتوب: «بَدّك مزاجَك ما يتعكّر/ كول من برغُل بوعَكَر/ للطبخ ما في مِتْلو/ وللكُبّه متل العنْبر». وتهليلة للأولاد نقلها أبي من لبناني من قرية ميمِس: «نام يا بطرس نام/ حطّيتك في المرجوحة/ خِفت عْليك من الشّوحَة/ هِزي لُه يا شَرْشوحة/ بلكي عَصوْتِك بِنام» لي في ذمة اللاوي ثلاثمية ريال قِرضة. واللاوي هو من أقاربنا اسمه سلمان، هاجر هو الآخر إلى الأرجنتين، وترك زوجته عمتي تميمة وابنتها سَديقة.
سكن أهلي عند دار عمتي تميمة، قبل أن يعمروا أوضتنا في حواكير دار المندوه، حيث اشتراها أبي. كانت أوضة دار عمتي تميمة بلا طين، على التتخيتِه، أي صرار صغير بين عمار الحجر، عشنا السنة الأولى في برد الشتاء، والأوضة بِتسَقّي — بترطّب — بلا طين.
اشتغل أبي في فتح الشارع بين الرامة والبقيعة عند الإنجليز، يزقّ الصّرار في قفافير الكَدْشوك — الكاوتشوك — وأمي ندى تشتغل بالأجار، في الحليشِة والعشابِة.
أبي يهزّ لي السرير وأنا فيه، يحسب أني غفوت ليتوقف عن الهز، فأقول: أَبّا، هِز.
— إه يا شايب العَديلِه!! إنت فايق.
بعدها حكى لي حكاية شايب العديله: عن رجل كسلان في المشي، حملته امرأته في عديله على رأسها إلى الحَقل، في الطريق حطت تِسْتريّح، نفد عليها زلمة فقالت: حمِّلني الله بعينك، قال لها بغدّرش، مِش غادِر. رد زوجها من العديلة وقال: حمِّلها ما أقل مْروتَك!!
— وَلَك إنتِ هون، أنا قليل مروّه وإنت يا شايب العديله!! وخبطه قتلِه مكلّفِه.
حملتني أمي على باطها، وكنتُ سميناً يومها، في الطريق التقت مع عجوز عيونها زرق وسنانها فُرق فقالت: لَكْمود لكْمود كِنُّه بوه!!
لم تذكر اسم الله فصابتني بالعين.
— سكَع الولد ما في عينُه بلِّه.
نفخوا لي على نتفة ميّ عند شيخين وحُرمة تقيّة حتى شفيت من صيبة العين. ومن يومها لليوم لم تُصبني ولا واحدة بالعين، لا عجوز ولا صبية، صارت أمي تعلّق لي «فندقليّة» على صباحي مع طاقية مخمل زرقاء مقرّنة ومربعة، صرت أسفى فيها تراب.
في الحرب العالمية، وتحت حكم الإنجليز، كان وجهاء البلد ومعهم غالبية الناس، ميلهم مع الإنجليز ضد الألمان. عمي حسن ضد الإنجليز، ميلُه مع الألمان.
— الإنجليز أساس البلا، مِلحهم على ذيلهم.
يمهدون لحكم اليهود، وحكم القرود ولا حكم اليهود، وكذلك ميل أبي، كبرت وصرت أسمع الناس يقولون: حسن نفاع كان نابغة، كأنه يعلم في الغيب!!
وهو يقول: — بدنا نصير ندفع حق الميّ اللي منشربها، والهوا اللي منتنفسه، وبتصير دارك اللي عمّرتها بالأجار من كُثر الضرايب..
— منين له هالعقل سبحان من خلقه، كله وقِعنا فيه.!!
كنت ابن سنتين وجئت راكضاً إلى أهلي وأقول: — أبّبْ أبّب في الصيرِه.
رأيت أرنباً في صيرة دار سيدي حسن العبدالله، صار أبي يأخذني لأتفرج على الأرانب.
كان أهلي يزرعون القمح في خلة علي الظاهر، وخلة العِنق والصعبنية، وكفة خلة عميرة، وأنا ابن سنة أخذتني أمي معها إلى الحليشة، ولقحتني على غمر قمح تحت جبّ البطم، جاءت تطلّ عليّ، فوجدت حيّة، ممدّدة قربي، من دون أن تؤذيني، سحَلت الحية على قلة من مهلها وعشّشت في السنسلة، لأن الولد، العلم عند الله، في نِفسه الخير، بحسب الحلم الذي حلمتْه أمي قبل أن أولد بجمعة زمان.

* ولد محمد نفاع في قرية بيت جن في الجليل الفلسطيني في 14 أيّار (مايو) 1939 وما زالاً مقيماً فيها. أنهى دراسته الابتدائية في قريته والثانوية في قرية الرامة المجاورة ثم التحق سنتين بالجامعة العبرية في القدس، قبل أن يترك الجامعة ويعمل أجيراً في الزراعة والبناء لمدة أربع سنوات، ومدرساً لمدة سنتين، تفرّغ بعدها للعمل السياسي الحزبي في الحزب الشيوعي ابتداءً من عام 1971 الذي انتسب إليه منذ 1956. تدرّج في المناصب الحزبية حتى شغل عضو كنيست لسنتين ونصف عام، كما انتخب نهاية التسعينيات أميناً عاماً للحزب، لدورتين متواليتين. أخلص للقصة القصيرة التي بدأ كتابتها منذ عام 1964 وترجمت قصصه إلى العبرية والإنكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والألمانية. وأثارت روايته الأولى «فاطمة» انتباهاً إلى عالمها المتكامل والغني. صدر له: «أصيلة» (قصص، دار عربسك، حيفا، 1975)؛ «وُديّة» (قصص، الأسوار، عكا 1976)؛ «ريح الشمال» (قصص، الأسوار، عكا 1978)؛ «كوشان» (قصص، الأسوار، عكا، 1980)؛ «أنفاس الجليل» (مجلد الأعمال القصصية المنشورة، بيت جن، 1998). صدرت أعماله الأخيرة عن «دار راية للنشر» في حيفا: التفاحة النهرية (قصص، 2011)، «فاطمة» (رواية، 2015)، «غبار الثّلج» (قصص، 2019). والنص أعلاه فصل أول من رباعية «جبال الريح: شذرات من سيرة ومذكّرات» التي يصدر الكتاب الأول منها بعنوان «طفولة في ظل الجرمق» عن «دار راية».