النزاع الذي اندلع أخيراً بين إدارة نتنياهو الصهيونية والإدارة البولندية اليمينية المتطرفة بخصوص مدى مشاركة البولنديين في اضطهاد الأشكناز إبان العهد النازي، يستدعي التعمق في موضوع هذه المعاداة والبطش بهم في شرقي أوروبا. وهنا تكمن أهمية كتاب «البطش باليهود في بولندا (1914-1920)» (منشورات جامعة كامبريدج ـــ 2018. 566 صفحة) للمؤرخ ويليام دابليو هاغن. فمن الجدير بالذكر هنا أنّ أشكنازاً كثراً هناك ــ وعلى العكس مما حصل في غربي أوروبا ـ لم يندمجوا في مجتمعاتهم وبقوا مجموعات «غريبة» تعيش وسط المجتمعات الأوروبية، واحتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم اليديشية (لغة).

لكن علينا أولاً معرفة أن جذور المسألة تستدعي العودة إلى الماضي القريب عندما كانت خريطة أوروبا مختلفة تماماً عما هي الآن. على سبيل المثال، بولونيا كانت مقسمة بين روسيا وألمانيا ودول البلطيق. المقصود هنا الدولة البولندية قبل نشوء الدول القومية شبه «النقية عرقياً» في شرقي أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. الأشكناز كانوا منتشرين في مختلف أنحاء المنطقة، ويعانون، جميعاً ـ باستثناء الأثرياء منهم ـ من الاضطهاد في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
المهم هنا القول إن كراهية الأشكناز متجذرة في عمق المجتمعات في شرقي أوروبا (نتنياهو نفسه استخدم الصفة أشكناز عندما قال إنه من بولندا (لاتفيا بالأحرى)، لكن شجرة عائلته تظهر جذوراً سفاردية أيضاً). فمشكلة معاداة اليهودية للمسيحية، بل حتى معاداة الأديان جميعها بعضها لبعض، معروفة.


لنعد قليلاً إلى ماضي القارة الأوروبية البعيد والقريب حيث انغمس سكانها في حروب لا نهائية. والفترة السلمية الأطول التي عاشتها كانت عندما انقسمت بعد الحرب العالمية الثانية إلى قسم شرقي تحكمه موسكو وغربي تحكمه واشنطن. وما إن انتهى انقسام العالم، حتى عادت الحروب الأهلية الأوروبية عندما دخلت في صراع لتقسيم يوغسلافيا ومن ثم تقسيم المقسَّم.
المشكلة في أوروبا هي الكراهية العميقة والمتعمقة في صدور شعوبها وثقافاتهم العِلمانية والدينية وبل المذهبية حتى، الواحد تجاه الآخر، وقد عايشتُ ذلك بنفسي إبان إقامتي في كل من بريطانيا وألمانيا وزياراتي العديدة لبعض دول شرقي أوروبا ولقاءاتي الكثيرة والمطوّلة مع أفراد من مختلف الجاليات القومية في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية. علماً بأن جوهر موضوع رسالة الماجستير التي قدمتُها كان المسألة القومية وفق الفكر الماركسي-اللينيني ومعنى حق تقرير المصير.
كراهية اليهود في شرقي أوروبا الكاثوليكية والبروتستانتية، أمر متجذر في المنطقة. وهذه من سيم المجتمعات المتخلفة معرفياً. ثمة محاولات عديدة قام بها باحثون أوروبيون لمعرفة أسباب، وليس تسويغ، معاداة «اليهود» وتجذرها هناك عبر قرون من الزمن في شرقي أوروبا (وغربيها أيضاً)، فوجهوا تركيزهم نحو الفلاحين البولنديين الذين كانوا يبيعون محاصيلهم للتجار اليهود مقابل مشروب الفودكا الكحولي. مؤرخو تلك المرحلة يلفتون النظر إلى قيام التجار الأشكناز بابتياع المحاصيل لادخارها للشتاء مقابل مشروب الفودكا. علماً بأن جذور انتشار تجرع هذا المشروب الكحولي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما توقف النبلاء عن الاستثمار في تصدير الحبوب. هذه وغيرها زادت من حدة التوتر بين مجتمعين إقطاعيين متخلفين.
باحثون آخرون أدلوا بدلوهم في النقاش بالإشارة إلى التحريض على الدولة البولندية الناشئة التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والمعاداة المزعومة لألمانيا لها من خلال الترويج لادعاءات عن مذابح بولونية بحق عشرات الآلاف من اليهود في تلك البلاد.
من الأمور الأخرى التي ساهمت في رفع منسوب العداوة للأشكناز، وهي من دعامات فهم رسالة هذا الكتاب، الادعاء القائل بأنّ الثورة البلشفية «مؤامرة يهودية» للسيطرة على روسيا والبدء بإبادة النخب غير «اليهودية» المنسوبة إلى فترة حكم ستالين. فمن المعروف أنّ أول قرار للبلاشفة فور انطلاق الثورة، كان الانسحاب من الحرب العالمية الأولى. وهنا يكمن الاتهام الإضافي وهو أن «يهود» بولونيا شاركوا البلشفيك في محاربة الجيش البولندي في الحرب البلشفية - البولندية التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى. كما أن حقيقة لجوء الأشكناز إلى البلشفيك وانخراطهم في الثورة وقيادتها، مثل البولندي تروتسكي، لم يساعد في درء شبهة «المؤامرة اليهودية» المزعومة.
ملاحقة البولنديين لليهود استمرت حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية


يوضح الكاتب مدى ولع مجموعة من البولنديين والأوكرانيين الموالين لقيصر روسيا في محاربة الأشكناز والقضاء عليهم أو لنقل «إبادتهم». قيصر روسيا، بدوره عمل على محاولة تجميع مئات الآلاف من أشكناز وسط أوروبا وشرقيها وترحيلهم إلى مناطق نائية.
من المعروف أن ما يسمّى «معاداة اليهود» مسألة فكرية، لكن الكاتب يوضح هنا أن أعمال العنف ضد الأشكناز التي ارتكبها الجناة من المدنيين والجنود، عبّرت عن قلق وتوق للتعافي من التهديدات والمعاناة التي كانت قائمة بحسب المؤلف. ومن الجدير بالذكر ظهور دعوات حديثة بين «اليهود» لمطالبة بولونيا بدفع تعويضات عن أملاكهم المصادرة وعن المحرقة، فأتاهم الرد عام 2016 على لسان رئيس حزب القانون والعدالة البولندي الذي قال: هذا يعني أن أحفاد البولنديين الفقراء سوف يضطرون إلى الدفع للأحفاد الأثرياء [اليهود].
ومن الجدير بالذكر أن ملاحقة البولنديين لليهود استمرت حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. المهم أن العنف الإثني تجاه الأشكناز في شرقي أوروبا كان ــ إلى حد ما ــ بسبب تميزهم اللغوي والثقافي وغير ذلك، ورفض قسم منهم (حركة «هاسكالا» التنويرية) كانوا يعدون أنفسهم إثنية أو قومية، شكّل أساس الصراعات السياسية في أوروبا، وهذا أحد أسس فهم ما سمي «المشكلة اليهودية» التي تناولها بالبحث المعمق العديد من مفكري أوروبا في ذلك الحين. وهدف هذا الكتاب ـ كما كتب صاحبه ـ تحليل معاني ما أسماه الأزمات والعنف الإثنوقومي وفق مفردات المشاركين وأفعالهم في المقام الأول.
موضوع المؤلف، المعقّد إلى حد ما، قد لا يهم القارئ العربي، لكننا اخترناه لأنه يعرض مشكلة أوروبية حاول الغرب، والشرق معه، حلها على حسابنا عندما تبنّى الصهيونية وقال للإشكناز: أنتم لستم مواطنين في بلادكم التي عشتم فيها قروناً طويلة، ولا حقوق لكم هنا، فاتركوا هذه البلاد وابحثوا عن غيرها ونحن سنساعدكم في ذلك. ولهذا السبب، رأينا عرض المحتوى العام للمؤلف وتجاوز المسألة الروتينية بتفصيل مواد كل فصل من فصوله. وربما من المفيد للقارئ المتخصص أيضاً البحث في أسباب أخرى لاضطهاد الأشكناز في أوروبا وهو دور الدين واتهام «اليهود» أنهم قتلوا يسوع المسيح، وهو ما أشار إليه بعض البحاثة الأوروبيين وتناولوا المادة بالبحث المفصل.

Anti-Jewish Violence in Poland, 1914–1920. Cambridge university press (2018). 566 pp. william w. hagen.