يعيد كتاب «البحر المتوسط الأرمني: كلمات وعوالم في حركة» (بالغراف ماكميلان ــــ 2018) لكاثرين بابايان ومايكل بيفر، التفكير في الشعب الأرمني عنصراً فعالاً ضمن سياق تاريخ البحر المتوسط والتاريخ العالمي. على امتداد ألف عام من التفاعل بين الثقافات في أنحاء العالم المتوسطي، تتنقل مقالات هذا المؤلف بين التواريخ المرتبطة، والدراسات الحدودية، والأدب المقارن، ومناقشات الصدمة، والذاكرة، والشتات، والثقافة البصرية. المساهمون يفككون الطرق الوطنية الضيقة لفهم الأدب الأرمني؛ ويقترحون أطراً جديدة لرسم خريطة عالم البحر المتوسط في مرحلة ما بعد السلطنة العثمانية؛ ويبحرون في تحديات كتابة تاريخ وطني في عصر العولمة. بعد قرن من مأساة الأرمن، يعيد هذا المؤلف تصور الحدود «الأرمنية»، مشيراً إلى رؤية جديدة لمجال الدراسات الأرمنية الحيوية والمتشابكة بعمق، والغنية بالإمكانيات.



بمعنى واسع، يتمثل أحد أهداف هذا المجلد، دوماً وفق المشاركين في كتابته في قراءة للتفاعل بين الثقافات والتشويش والحوار والتبادل والمنافسة والكولاج في سياقات أخرى، لكل منها نقطة محورية أرمنية، لكن من دون سعي إلى حشر الأرمن في دراسات البحر المتوسط وغيرها. ولذلك فقد أُعطيت المقدمة «أرمينيا المتحركة» عنواناً لها.
ثم قام الكاتبان بتنظيم «البحر المتوسط الأرمني» ضمن الموضوعات الأساس الخمسة الآتية:
الجزء الأول «إعادة النظر في الحدود» يبحث في مسألة الحدود داخل فضاء البحر الأبيض المتوسط ​​قبل العصر الحديث وتشكيل خطاب ناشئ حول التشتت الأرمني في شرق الأناضول. يرى الكاتبان أن الغريب يمكن أن يساعد في إعادة تكوين ما يظن أنه «أصلي» و«أجنبي» ضمن ثقافة معينة، لأنه ساعد في تشكيل مفاهيم الانتماء داخل المجتمعات المسيحية والإسلامية واليهودية على السواء. بينما ينظر إلى البحر المتوسط ​​من خلال أعين الغريب، فإن أرمينيا تعرف نفسها بنفسها كونها حدوداً للإسلام.
الجزء الثاني «تواريخ رابطة» يقدم مقاربات مختلفة لمشكلة دمج التاريخ الأرمني ما قبل الحديث مع التقاليد التاريخية والأدبية الأخرى، وينتقد ما يُرى أنه اتجاه نحو العزلة أو الاستثنائية في تاريخها من وجهة نظر فرع معرفي مختلف. ويحوي هذا الجزء فصلاً يقدّم قراءة مقارنة للتجربة الأرمنية في القدس (إعادة رسم حدود مدينة القدس: إعادة قراءة المدينة ضمن إطار البحر المتوسط في العصور الوسطى). كما يدرس كيفية تفاوض الأرمن واليهود والمسلمين على المساحات و«المكانة» الجغرافية لمدينتهم اعتماداً على مجموعة متنوعة من النصوص التاريخية والأدبية.
قراءة مقارنة للتجربة الأرمنية في مدينة القدس


الجزء الثالث «كسر صيغ قومية وإمبريالية» يتناول المسألة زمنياً في فترة العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث، ما يسمح للقارئ بتأمل لحظة تكوينية أخرى من عالم البحر المتوسط هي نهاية الإمبراطورية العثمانية وصعود دول قومية متباينة. كما يقدم خريطة بديلة للفضاء المتوسطي ضمن نطاق مختلف تماماً ويقترح وضع ما بعد المرحلة العثمانية ــــ التي تشير إلى فترة زمنية معينة ومنطقة جغرافية ــــ أساساً لمنهجية جديدة لرسم التواريخ المتشابكة بين الشعوب التي تم تقسيمها أخيراً عبر الحدود الوطنية. هذا النهج إثنوغرافي يوضح ما قد يشبه تاريخ ما بعد السلطنة العثمانية المتشابك لأنه يضع إبادة الأرمن في عام 1915 في حوار مع ضحايا آخرين مثل كرد الأناضول ومسلمي البلقان.
الجزء الرابع «نسج الدياسبورا» يحاول إضافة مواد تاريخية جديدة إلى فهمنا للشتات الأرمني، سواء على شواطئ البحر المتوسط أو عبر قارة أميركا الشمالية. هذه الرحلة يتم افتتاحها من خلال توضيح كيف شكلت الصور ممارسات الشتات لتذكر الماضي في الوقت الحاضر من خلال تحليل أفلام أتوم إغويان وغيرها.
الجزء الخامس «التأسيس ضمن دولة» يبتعد من البحر الأبيض المتوسط ويسائل مكانة أرمينيا ليس في الدراسات الأرمنية فحسب، بل أيضاً في المناقشات العلمية الأوسع. كما يدرس أحد فصول هذا الجزء مكانة الدراما الأرمنية المعاصرة في الأدب العالمي.
وتأتي الخاتمة «البحر الأبيض المتوسط أرمني» لتقدم لمحة بانورامية، لكن انتقائية للغاية، للبحر الأبيض المتوسط والمناطق المتاخمة له من خلال عيون الأرمن.

An Armenian Mediterranean, Words and Worlds in Motion. Palgrave Macmillan 2018. 362 pp. Kathryn Babayan and Michael Pifer (eds.)