ترجمة وتقديم: سنان أنطون

رحل في الخامس عشر من هذا الشهر و. س. ميروين (١٩٢٧ ــــ ٢٠١٩) الذي يعد من أهم شعراء الولايات المتحدة. ولد ميروين في نيويورك عام ١٩٢٧. بدأ الكتابة في سن مبكّرة جداً. كان لحرب ڤييتنام وحركة الاحتجاج ضدها تأثير كبير على خطابه الشعري. تعمّقت نظرته النقديّة لعالم تُتقن مؤسساته العنف المنظّم الذي يمحق البشر، وتمتد شراهته التدميريّة إلى كل الكائنات الحيّة. نشر ميروين 27 ديواناً آخرها «زمن الحديقة» عام ٢٠١٦ الذي يلخّص عنوانه هاجسين أساسيّين في شعر ميروين، خصوصاً في العقود الأخيرة، وهما الزمن والطبيعة، وعلاقة الإنسان الجدليّة بهما. يقطر شعره ألماً وحيرة إزاء الدمار الذي يحيقه الإنسان ببيته الأكبر: الأرض. كتب في واحدة من قصائده الشهيرة: «في آخر يوم في العالم أريد أن أزرع شجرة». قرن ميروين شعره وأفكاره بالممارسة، فانتقل إلى وادي فياهي في ماوي (ولاية هاواي) عام ١٩٧٧ إلى بقعة كانت ملوّثة وقد أصبحت مكبّاً. بدأ برفقة زوجته بإصلاحها وزراعة أشجار النخيل فيها كل يوم لسنوات. وانضم إليه أصدقاء واصلوا العمل بإشرافه وتم تأسيس محمية ميروين التي أصبحت مزاراً للمهتمين بالبيئة ودراسة الأشجار النادرة. هناك الآن أكثر من ٤٠٠ شجرة من فصائل مختلفة نادرة، ومن مختلف أنحاء العالم، معظمها من النخيل.


الشعر بالنسبة إلى ميروين: «طريقة في النظر إلى العالم للمرة الأولى». هناك دائماً محاولة للعودة إلى البدايات، بل ما قبلها. العودة عبر اللغة إلى ما قبلها، وتتبّع نهر الزمن إلى منابعه في الذاكرة والطفولة والتقاطع مع الأزل. كان الشاعر العراقي الراحل سركون بولص قد ترجم مختارات من قصائد ميروين أصدرتها «منشورات الجمل» عام ٢٠١٣. كان ميروين أيضاً مترجماً بارعاً وله ترجمات مهمة من الإسبانية والفرنسية والإيطالية واللاتينية.
فاز ميروين بــ «جائزة بوليتزر» الشهيرة مرتين وبـ «جائزة والاس ستيڤنز» وبجوائز أخرى عديدة. وتم اختياره الشاعر الرسمي السابع عشر للولايات المتحدة عام ٢٠١٠. في أحد تعريفاته للشعر يقترب ميروين إلى تعريف العرب له (قول ما لا يقال): فيقول «والشعر هو في الحقيقة قول ما لا يمكن أن يقال. ولهذا يلجأ إليه البشر في لحظات مثل هذه. لا يعرفون كيف يقولون هذا، لكن شيئاً ما في داخلهم يشعر أن القصيدة قد تقوله. لن تقوله، لكنها ستقترب من قوله أكثر من أي شيء آخر».


مكان

في آخر يوم في العالم
أريد أن أزرع شجرة

لماذا؟
لا من أجل الثمر
فالشجرة التي تحمل الثمر
ليست تلك التي زُرِعَت

أريد الشجرة التي تقف
في الأرض لأول مرة
وقد بدأت الشمس بالنزول

يمسّ الماء جذورها
في الأرض المليئة بالموتى
وتعبر الغيوم
واحدة بعد الأخرى
فوق أوراقها

مؤونة

طوال الصبح
يكرّر الحقلُ، بآلات يابسة
صوت المطر
من الذاكرة
وفي الجدار
يزيد الموتى عسلهم اللامرئي
إنّه آب
أسراب الطيور تتشكّل
سآخذ الفراغ الذي في يدي معي
فما لا تملكه
تجده في كلّ مكان

الحزن

وأنا أفكر بك
أنحني فوق الماء الساكت
يظهر هذا الرأس
تدور الأرض
السماء لا تتحرّك
تتحرّر رموشي
الواحد تلو الآخر
وتتساقط
فتلتقي بنفسها
للمرة الأولى
والأخيرة

غروب بعد المطر

تعبر غيمة قديمة وهي تندب ابنتها
لا تسمعُ أي شيء يقوله أحد
كلّ دقيقة هي واحد من الأبواب
التي لم تنفتح
حيثما ذهبتُ
هناك جدول بارد صغير
يمس القلب
يجيء الليل
باردة هي الظلمة
النجوم لا تؤمن
ببعضها البعض

نيسان

حين نكون قد رحلنا
سيتوقّف الحجر عن الغناء
نيسان، نيسان
يغرق في رمل الأسماء
ستأتي أيام
لا نجوم مخبّأة فيها
أنتم الذين بإمكانكم أن تنتظروا
وأن تكونوا هناك

أنتم الذين لا تفقدون أي شيء
لا تعرفون أي شيء

بين العيون

لقد جاء الصبيان العميان من أجلنا
استدعيناهم لكي ننقذ أنفسنا

هذه هي الشروط
لن يُغْفَر أي شيء
لن نتذكّر أي شيء

أخبرونا أنه لم يكن لدينا أيّ نظام

نظرة أخيرة

حتى الكلمات تذهب إلى مكان في مدينة
تأمل أن تعثر هناك على أصدقاء
ينتظروها
بعض أولئك الأصدقاء يحبّون الأشجار
بشكل بسيط
مثلما نفعل نحن

بعض الأصدقاء لن يشعروا أبداً
ولا بشجرة واحدة
سيعيشون في عالم بلا أوراق
يكون فيه المطر بلوى

كانت كل اللغات، حتى الآن، تنساب
من ورقة إلى أخرى
ورحلت كالوجوه

رحلت مثل الأروقة الحجرية في بيوت صغيرة
وعطر الغابة
في ماء الصيف

بعد الأبجديات

أحاول أن أفهم لغة الحشرات
فهي ألسنة المستقبل
مفرداتها تصف البنايات كطعام
يمكنها أن تعلّمنا عن المياه الداكنة وعروق الأشجار
يمكنها أن تخبر عما لا تعرفه
وما هو معروف، عن بعد
وما لا يعرفه أحد
لديها مصطلحات لعزف الموسيقى بالسيقان
يمكنها أن تغنّي بأجنحتها
المتكلمون هم المعنى
والنحو بلا آفاق
إنها كاملة الفصاحة
ليست أبداً مهمة
إنّها كل شيء

*روائي وشاعر عراقي