أثار حديث منسوب للرسول عن حضوره، وهو فتى، لاجتماع «حلف المطيبين» الاضطرابَ لدى القدماء، وما زال يثيره لدى المعاصرين: «شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أنّ لي حمر النعم وإني أنكثه» (صحيح ابن حبان).

إذ كيف يكون الرسول قد حضر حلف المطيبين الذي أقيم في عهد أجداده وقبل مولده بوقت طويل؟
من أجل هذا، عمدت بعض المصادر إلى حذف اسم الحلف للتغلب على هذا التناقض، كما نرى عند السهيلي الذي ينقل عن ابن إسحق: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت» (السهيلي، الروض الأنف). اسم الحلف هنا غير موجود كما نرى.
انطلاقاً من ذلك، فقد حكم كثيرون، قدماء ومعاصرين، أنّ من روى الحديث بذكر المطيبين توهم وخلط بين حلفين مختلفين: حلف الفضول والمطيبين. وقد حدث الخلط في رأي من يؤمن بذلك لأن القبائل التي عقدت الحلفين كانت هي ذاتها مع اختلاف بسيط جداً: «فسمّت قريش ذلك حلف الفضول. وكان أهله المذكورون مطيبين جميعاً لأنهم من المطيبين الذين كان الحلف الأول الذي ذكرناه فيهم وهو المراد به بقوله صلى الله عليه وسلم شهدت مع عمومتي حلف المطيبين هو حلف الفضول الذي تحالفه المطيبون الذي لم يشهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم» (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار).
يضيف د. جواد علي: «وقد وهم بعض أهل الأخبار فجعلوا حلف المطيبين هو حلف الفضول. ويظهر أنهم وقعوا في الخطأ من كون الذين دعوا إلى عقد حلف الفضول وشهدوه هم من «المطيبين»، فاشتبه الأمر عليهم، وظنوا إن الحلفين حلف واحد» (د. جواد علي، المفصل).
لهذا يورد ابن هشام صيغة للحديث توحي، بشكل غير مباشر، أن الرسول ذكر الفضول لا المطيبين: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعز ظالم مظلوماً» (سيرة ابن كثير). وكما نرى فاسم «الفضول» موجود في هذه الصيغة لكي يوحي، بشكل غير مباشر، أن الرسول تحدث عن حلف الفضول لا عن حلف المطيبين. أي أنه في الواقع يحرر ويصحح.

أصل اسم «الفضول»
إذن، فلدينا حلفان مختلفان: حلف المطيبين، وحلف الفضول. وقد حضر الرسول حلف الفضول لا حلف المطيبين. وقد وهم من افترض أن الرسول ذكر حلف المطيبين. وقد حصل ذلك لأن الحلفين تكوّنا من القبائل ذاتها تقريباً. الفارق الوحيد أن بني عبد شمس وبني عبد مناف لم يشاركا في حلف الفضول: «وقد تكوّن حلف الفضول من هاشم، والمطلب، وأسد، وزهرة، وتيم، وربما من بني الحارث بن فهر أيضاً. وهم الذين كوّنوا حلف المطيبين. ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى أن حلف الفضول، هو استمرار للحلف المذكور، إذ تألف من الأسر التي كانت ألفت ذلك الحلف ما خلا بني عبد شمس وبني نوفل. وكان قد وقع نزاع بين نوفل وعبد المطلب ابن هاشم، فعلّه كان السبب في عدم انضمام «نوفل» إلى هذا الحلف» (د. جواد علي، المفصل).
وهو ما يقوله ابن هشام عملياً: «قال ابن إسحاق... قدم محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف... فلما دخل عليه، قال له يا أبا سعيد ألم نكن نحن وأنتم، يعني بني عبد شمس بن عبد مناف وبني نوفل بن عبد مناف، في حلف الفضول؟ قال: أنت أعلم. قال عبد الملك: لتخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك. فقال: لا والله لقد خرجنا نحن وأنتم منه. قال: صدقت» (سيرة ابن هشام)
وهكذا فعبد شمس ونوفل، اللذان كانا في حلف المطيبين، لم يشاركا في حلف الفضول، الذي هو حلف مختلف بناء على هذا الكلام.
لكن ذكر الرسول للمطيبين يظل يمثل مشكلة لهذه الفرضية، التي تجد نفسها ملزمة بأن تقتنع بأن هذا الذكر حدث نتيجة خلط وخطأ من الرواة. لكن لدينا ما يدحض هذه الفرضية. فثمة كتاب مفقود لهشام الكلبي، ذكره ابن النديم في الفهرست، يربط بين حلف الفضول وقصة غزال الكعبة: «وتوفي هشام [الكلبي] في سنة ست ومائتين. وله من الكتب المصنفة ما أنا أذكره على ترتيبه من خط أبي الحسن بن الكوفي. كتبه في الأحلاف: كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة، كتاب حلف الفضول وقصة الغزال، كتاب حلف كلب وتميم، كتاب المعران، كتاب حلف أسلم في قريش» (ابن النديم، الفهرست).
إذن، فواحد من كتب هشام الكلبي كان يحمل عنوان: «حلف الفضول وقصة الغزال»، أي غزال الكعبة التي يفترض أن قصته هي قصة نشوء حلفي المطيبين ولعقة الدم. فكيف يربط الكلبي بين حلف الفضول وغزال الكعبة ما لم يكن حلف الفضول هو ذاته حلف المطيبين؟ نحن هنا لسنا أمام خبر قد يخطئ الراوي في روايته، بل أمام كتاب كامل عن حلف الفضول، يتم فيه، ومنذ العنوان، ربط حلف الفضول بقصة غزال الكعبة. وهو كتاب لهشام الكلبي، الذي لا يستطيع أحد أن يشك في معارفه عن أديان العرب قبل الإسلام، فهو المرجع الأول فيها.
بناء عليه، فحلف الفضول هو ذاته حلف المطيبين. أي أن الحلف كان باسمين: حلف المطييين وحلف الفضول. بذا فليس غريباً إذن أن يكون الرسول قد حضر حلف المطيبين. لقد حضر هذا الحلف. لكنه حضر في الواقع دورته الأخيرة، أو جلسته الأخيرة، التي حدثت أيام فتوة الرسول في نهايات الجاهلية. إذ كان يجري دورياً الاحتفاء بذكرى تشكل الحلفين. أو قل كان يجري إعادة تمثيل قصة نشوء الحلفين. وقصة نشوء الحلفين هي قصة سرقة غزال الكعبة الذهبي وتقطيعه، التي قسمت مكة كلها إلى حلفي المطيبين ولعقة الدم. أي أنه كان يجري تمثيل قصة الغزالين بمشاركة أهل مكة كلهم.
لقد نشأ الحلفان معاً انطلاقاً من الحادثة الميثولوجية البدئية: حادثة سرقة غزال الكعبة وتقطيعه. وهذا الحادثة على علاقة بقصة الذبيح عبد الله، والذبحاء الذين سبقوه. فالغزال، أو الظبي، هو كبش فداء الذبيح وبديله.
على كل حال، فقصة غزال الكعبة معروضة في المصادر العربية لمن أراد أن يعرف عنها. إذ أن ما يهمنا هنا إنما هو فهم قضية «حلف الفضول». لكن ما أود قوله هو أن الكون يشبه أن يكون أضحية ما مقسومة إلى دم ولحم. وانطلاقاً من ذلك، انقسم الحلفان المكيان إلى لحم ودم أيضاً. فلدينا «حلف لعقة الدم» الذين غمسوا أصابعهم في الدم ولعقوه، ثم «حلف المطيبين» الذين غمسوا أيديهم في جفنة الطيب وتطيبوا. وزعيم حلف المطيبين، عبد المطلب، يدعى «مطعم الطير». وقد ضحى بالإبل ووضع لحومها على رؤوس الجبال كي تأكله الطير. بذا فهو وحلفه مرتبطان باللحم لا بالدم. ويمثلهم صنم «مطعم الطير» الذي كان منصوباً على المروة. أما حلف لعقة الدم، فيمثلهم صنم «مجاوز الريح»، الذي يعني اسمه «ساقي الخمر»، والخمر هو الدم. كلاهما دم أحمر. بذا فلعقة الدم خمريون. يحل لهم الخمر والدم معاً. أما المطيبون فيحل لهم اللحم والطيب.

من المنطقي أن يكون الرسول قد ذكر اسم «المطيبين» لا «الفضول»


لكن لمَ سمي «حلف الفضول» بهذا الاسم؟ هناك فرضيات كثيرة، من بينها أنه يعني الزيادة، فهو زيادة على حلفي المطيبين ولعقة الدم. ذلك أن «الفضل» تعني: الزيادة. أو لأن فيه رد «للفضول على أهلها» حسب إحدى صيغ الحديث النبوي. بل إن هناك من قدم لنا نظرية تقول إن من أنشأ الحزب عدد من الناس كان كل واحد منهم يسمى «الفضل»، ولهذا دعي الحزب باسم الفضول.
والحقيقة أن الحلف أخذ هذا بعدما غادره كل من عبد شمس وعبد مناف. ذلك أنّ هذين الفخذين، وعلى الأخص عبد شمس، كانا قد ازدادا ثراء في نهاية الجاهلية في حين كان بنو عبد المطلب قد انحدروا اقتصادياً. ولم يكن يعجب عبد شمس أن تظل تحت قيادة عبد المطلب الذي لا يساويهم في الثراء، بل لا يقترب منهم حتى. لذا بادروا، هم وعبد مناف، إلى الخروج من «حلف المطيبين»، وانضموا إلى حلف «لعقة الدم». وهكذا انعقدت الدورة الأخيرة لحلف المطيبين في غيابهم.
أما حلف «لعقة الدم» ـ إضافة إلى عبد شمس وعبد مناف ــ فقد أطلقوا على هذا الحلف بصيغته الناقصة الجديدة اسم «حلف الفضول»، أي حلف «من فضل»، و«من تبقى»، من حلف المطيبين القدماء، بعدما انسحب منه عبد شمس وعبد نوفل. بالتالي، فالاسم من ابتداع أخصام حلف المطيبين.
إذن، فمن المنطقي أن يكون الرسول قد ذكر اسم «المطيبين» لا «الفضول». فهو الاسم الأصلي والشرعي في حين أن اسم «الفضول» يحمل معنى التهكم والاستضعاف والتشكيك بالشرعية.

* شاعر فلسطيني