سأخفي وشمي. أخلع أيقونتي، كما أخلع أقراطي الطويلة قبل فعل الحب (كعادتي). حرّة.. كرقص!

سأخنق ضحكاتي الباليستية المجلجلة. أحاصر إشعاعي.. طاقتي المتسرّبة منّي كخطر نووي على كل ما يدخل ضمن مَداي. سأخلع حُلييَّ الأيديولوجية والرومنسية والحربيّة كلّها! سأكونُني فقط. حرّة.. حرّة كموت!
وفي لحظة صدق، سأطلّق قضاياي، لن أنتمي للشام، لليمن.. لن أحلم بالاستشهاد في القدس. سأقرّ مرة أولى وأخيرة بأنها ليست لي، بل لأبنائها فقط. وأننا، الكائنات الطفيليّة الصمغيّة اللاصقة بها، مزيّفون. مزيّفون حتى النخاع! ملح سادي في جرح! سأجبر نفسي على نسيان وجودية أوجاع الكون المهترئ، وحلم ثورة مدى أحواض الفرات ودجلة والنيل. لن أعانق عامل النظافة في مقهايَ السريّ (كعادتي)، معلنة له المحبة كمن يتلو فعل الندامة عن خطيئة أصليّة أخرجته من الفردوس، فعل ندامة عن الأكوان! حرّة... حد العريّ! لن أستر وأصلح وأكمل المشاريع الناقصة لمن أصطدم بهم في كل مكان. لن أجهد في استنباط حلول جذريّة لأي من أشكال الاستعمارات. ولن استقرئ أساليب مواجهة جديدة مع أنواع الاحتلالات. سأمتنع عن تغيير حياة من أعرفهم، أردع نفسي عن تنظيمها بدقة. سأقمعُني عن استخراج طاقاتهم واستنهاضها بقوة! وكأن إنقاذ الكوكب وتطوره مرهون بي؟! حرّة.. حتى التخلّي! أسلم تاج فروسيّتي لأول عابر، وأموت. سأموت يومين منتظرة في الثالث قيامتي.
وهناك سأَرقص! مُبتهجة.. بنشوة (كعادتي)، مأخوذة.. بكُلّي (كعادتي أيضاً). سيكون نوْروز المقدس (ونوْروز أيضاً يبدأ بـ«ن»). يوم الاعتدال الشمسيّ في كوكبنا. اليوم العالميّ للشعر. اليوم العالميّ للّون. أول الربيع المتوسطيّ، لكن الطقس سيكون خريفيّاً بلسعة بردٍ وغيومٍ قليلة. ستكتمل رقصة القمر المولويّة، (لتعود وتتكرر إلى ما لا نهاية). أعلم، أعلم: «اكتماله المخيف» كتبتَ لي. بل كل ما تقدّم مَهول.
لكنني سأرقص.. سأرقص في بارثينونها أثينا، كأنه لي.. لا لها قد بُني منذ 2466 عاماً.. وانتظَرَني، قبراً. سأرقص فيه، كما يرقص داخلي إيقاع نوْروز المقدس الماجن! أحرّك كُلّي! أثمل عن آلاف السنين! بفستانٍ خمريّ؟! كُحليّ أو بنفسجيّ قاتمٍ... لم أجزم بعد لونَ كفني. سأنتقي الأكثر فتوناً، حتماً! الأكثر إغراءً، كأَوْج. ليستغيث التاريخ: «مولاتي! لم أعد أستطيع المشاهدة!» ليعلن برهبة وجنون: «هيتَ لكِ!» فآخذ مكاني بين الآلهة.. كاملة التأنيث. أرقص! منتظرة انتصاف الليل، أصغي بدهشة حارقة (كعادتي أيضاً) لـ «سحورات» القمر المكتمل، مسيحاً شبقاً متجلٍّ لي وحدي. أغمض عينيّ. أعضّ شفتي. وأصلّي. أصلّي! لا لشيء، بل لغنائيّة الصلاة وصلتها العجائبيّة بقلبي ونزَقي وجموح رغباتي، وجنازتي. وأنتظر اللقاء عند أثينا. أتطيّبُ، أتكحّل. أتأكد من إيقاع أقراطي يلامس جيدي وكتفَيّ بغنج. أدمدم لحناً شرقياَّ جدّاً مثلي! قبل أن تأتي أنتَ (إن أتيت..).
أرقص. وقد أقرأ أبياتاً جاهليّة تسكُنُني عندما تنعس الشمس.. أو أنتظرُ أن تنشدني قصائدك.. بصوتك، رثائي (إن أتيت..). سأتزوّد بحبات التوت البرّي المجفَّف مع الفستق الحلبيّ واللوز (كعادتي)، والليمون المغمّس بالشوكولا (كعادتي أيضاً)، لا مزاج لي في الزبيب هذه الأيام.
لن يعرف إلهٌ أين أنا! (إلّاك إن أتيت..).
أرقصُ.. أرقص! ثم أصوِّرُني خلسةً. قد ينقصني نبيذٌ حُلو، لا بد موجودٌ في ديار الآلهة. بالمناسبة، لا أعرف أي نبيذ تحب!؟ أعرف أنني «متورطة» مع عيونٍ سود.
ما تريد من هُنايَ؟ أدسّ فيه رسائل تكتشفها عندما تعود إلى هُناكَ (إن أتيت).
في موتي الأوّل أضم كفني.. نرقص؟ (إن أتيت).
في الثاني ينقص القمر المكتمل (ليعودَ ويتكرر إلى ما لا نهاية). سنرقص؟! (إن أتيت)
أستعدُّ للقيامة صباحَ الثالث: آتني ب«حَنوط وطيب" قبلَ يُدحرج الحجر. هي هي رقصة القمر المولوية.
مدّ يدك. التقط: «قد نقترب (إن أتيت..) نونا النون (إن أتيت..). سنُشبه الحقيقة! أيّا تكن. (إن أتيت..)»
كالأُلوهة، بل كالله. لا نبدأ ولا ننتهي. «إذا الأرض مدوّرة» كقمر نوْروز.. كحجر قبر عتيق.
(في الرسالة هذه، 170 «نون» و«نون». إيّاك أن تعدّها! فأنا لا أكذب!!!)