لا شك في أن موضوع الوَحْدَة مهم، وفي الوقت نفسه حساس لأنه يتناول بالبحث مسألة عواطف شخصية. يقول لارس سفندسن، مؤلف كتاب «فلسفة الوَحْدَة» (Reaktion Books ـــ ترجمه عن النروجية كري بيرس ـ 2017) إنّ الوحدة قد تكون مشكلة عويصة لمن يصابون بها، وستؤثر في نوعية حياتهم وفي صحتهم الذهنية والجسدية. لكن الوَحْدَة مشكلة أيضاً لأنها ترتبط بمسألة الخجل. في الوقت نفسه، قد تشكل الوَحْدَة أفضل الأوقات التي نقضيها. فالاختلاء/ الانعزال يخبرنا الكثير عن أنفسنا وعن مكاننا في هذا العالم.

انطلاقاً من هذه النقاط، يقول الكاتب والفيلسوف النروجي والأستاذ المحاضر في «جامعة برغن»، الذي أصدر العديد من المؤلفات التي تُرجمت إلى 24 لغة، إنّ هذا المؤلف نتاج محاولته اكتشاف ماهية الوَحْدَة، وفي من تؤثر، وأسباب ظهور الإحساس بالوَحْدَة واختفائه، وكيفية تمكننا، أفراداً ومجتمعات من الحديث عن الوَحْدَة.
لكن ما سبب إطلاق الكاتب صفة الفلسفة على مؤلفه؟ وما الفرق بين مؤلف غير فلسفي وآخر فلسفي؟ قد يرى بعضهم أن الإجابة سهلة تكمن في حقيقة أن كاتب هذا المؤلف فيلسوف ويعتمد فيه على كتابات فلاسفة آخرين! لكنّ للمسألة أبعاداً أخرى، بحسب الكاتب.
الوَحْدَة موضوع تبصّر لأننا، جميعنا، نعرفها من تجاربنا الشخصية، لكن هذا لا يكفي لفهم أسبابها. عندما نود الحديث عن أمر ذي قيمة أكبر من مجرد نقل تجاربنا الشخصية بخصوص الوَحْدَة، علينا الاستعانة بنتائج البحوث العلمية في مجالات أخرى هي: علم الاجتماع والسيكولوجيا وعلم الأمراض العصبية، والتقصي الفلسفي للوَحْدَة، مع الأخذ في الاعتبار نتائج تقصيات العلوم الأخرى ذات الصلة، وهذا ما يفعله هذا المؤلف.


بناء على ما سبق، فقد قسم الكاتب مؤلفه إلى ثمانية أجزاء هي:
الفصل الأول: «جوهر الوَحْدَة» يقدم عرضاً للوَحْدَة بالاعتماد أكثر على العلوم الاجتماعية والسيكولوجيا منه على الفلسفة. وفي هذا الفصل، يميز المؤلف بين مجموعة من المفاهيم ومنها الفروق بين الوَحْدَة والانفراد أو الخلوة، ويعرض أشكالاً مختلفة للوَحْدَة.
الفصل الثاني: «الوحدة كونها انفعال/ عاطفة» يقدم عرضاً مختصراً للنقاشات الدائرة بخصوص طبيعة الانفعالات مع التركيز على كون الوحدة تندرج تحت هذا المفهوم. الفصل الثالث: «من هم الذين يعانون الوحدة؟» يلقي نظرة على الذين يعانون الوحدة وعلى مختلف العوامل التي تنمّي تجربة الوحدة. يقول الكاتب إن فقدان الثقة أو عدم الاطمئنان هو العامل الأساس في شرح الوحدة الفردية ومدى انتشارها في مختلف البلدان.
الفصل الرابع «الوحدة والثقة/ الاطمئنان»: انطلاقاً من الفصل الأسبق، هل يمكن عدّ الوحدة عكس الحب والصداقة؟
الفصل الخامس «الوحدة والصداقة والحب»: يسترسل الكاتب هنا في عرض التضاد المفترض بين الوحدة من جهة والحب والصداقة من جهة أخرى، ودور الأخيرَيْن في حياتنا. ويوضح في هذا الفصل أنّ الفردية المعاصرة تشكّل أحد مسببات الوحدة.
الفصل السادس «الفردية والوحدة»: يكمل الكاتب بحثه منطقياً بالالتفات إلى مسألة الفردية في حياتنا المعاصرة.
الفصل السابع ‹«الاختلاء/ الانعزال»: خصّص الكاتب هذا الفصل لعرض النقاشات كون الاختلاء/ الانعزال أحد الأشكال الإيجابية للوحدة. ويضيف أنّ المشكلة الأولى التي تواجهنا في هذه الأيام لا تكمن في الوحدة وإنما في ندرة الاختلاء/ الانعزال.
الفصل الثامن «الوحدة والمسؤولية» خصصه الكاتب للحديث في المسؤولية الشخصية للتعامل مع الوحدة التي يعانيها الفرد.
بعد هذا العرض العام، لا بد من عرض بعض النقاط الرئيسة التي ذكرها الكاتب:
- انفعالات المرء وعواطفه لها مهام. فالانفعالات والعواطف «السيئة» مثل الغضب والخوف والحزن تساعدنا على تجاوز مِحن.
- الوحدة تدفع المرء لـ «محاولة» كسب أصدقاء، والتحدث مع الغرباء، فمن دون الشعور بالوحدة سيعاني المرء وحدةً إضافية.
- الانفعالات والعواطف مهمة ومفيدة، لكن في حال تجاوزها الحدود وفقدان السيطرة عليها، ستتحول إلى لعنة. مثلاً، يمكن للحزن أن يتطور ليصبح غَمّاً أو اكتئاباً. في هذه الحالة، تصبح الوحدة انعزالاً، وهو ما يعرف بأنه الوحدة المزمنة. أمر لن يتغير لدى المرء الذي يعاني الوحدة حتى لو تغيرت ظروف حياته، ما يعني أن وحدته عريكة أو مزاج فردية.
- هذا يعني بالتالي خطأ الظن أنّ كل ما ينبغي للمرء فعله لتجاوز الشعور بالوحدة، هو تغيير الأجواء المحيطة به مثل الانتقال إلى عمل آخر أو إلى مدينة أخرى أو ممارسة نشاطات جديدة.
- مشكلة الذين يعانون الوحدة تكمن في توقع ارتباط غير قابل للتحقق. المقصود هنا أن الأشخاص الذين يعانون الوحدة المزمنة، هم اجتماعيون إلى درجة فائقة، ولذلك يظنون أنهم غير محبوبين وأنّ لا أحد سيقبل مصادقتهم، أو ربما يكمن السبب في أنهم يثقلون الصداقة والحب بتوقعات تعجيزية، إلى درجة أنهم أنفسهم غير قادرين على حب الآخرين أو مصادقتهم.
- يقول الكاتب إن مصدر التوقعات آنفة الذكر يكمن في روايات وأفلام وقصص الحب والصداقة المثالية. هذا يعني أنه ليس بإمكان المرء الذي يعاني الوحدة، العثور على حب يطابق توقعاته.
- ليس ثمة علاقة بين الأشخاص المحيطين جسدياً بالفرد الذي يعاني الوحدة ومشاعر الوحدة. المقصود أنّ الوحدة ليست مقتصرة فقط على الانفراد.
- الأفراد المنعزلون ليسوا أقل ذكاءً من بقية البشر، ولا أكثر ذكاءً منهم، ونشاطهم اليومي لا يختلف عن رديفه لدى الآخرين.
الأشخاص الذين يعانون الوحدة المزمنة، هم اجتماعيون إلى درجة فائقة


- أحد معاني الحياة هو الشعور بحاجة الآخرين لك، وهذا يعني بالضرورة وجود ثقة متبادلة في أي علاقة.
- عندما يظهر المرء ثقة بأحد ما، فإنه يكون هشاً أو سريع العطب (vulnerable)، وعندما يظهر المرء ثقة مطلقة بشخص مهم له، فإنه يكون هشاً بالمطلق، وعرضةً لرفضه في حال محاولته إقامة تواصل معه. بالتالي، فإن الريب بشخص ما، يقود إلى ريب مطلق، وهذا يعني أن الفرد المنعزل يشعر بأن محيطه الاجتماعي مصدر تهديد له، ما يجعله يمتنع عن التواصل الإنساني.
- الأفراد الذين يعانون الوحدة لا هم لهم سوى أنفسهم، وهو تحديداً سبب انعزالهم.
لكن هل كل ما سبق يعني أن سبب الشعور بالوحدة لدى الفرد ما هو إلا ذنبه؟! هناك رأي بأنّ ثمة سبباً آخر يكمن في أن الناس عَلَّموا الشخص الذي يعاني الوحدة التفكير على نحو خاطئ.

* A Philosophy of Loneliness. Reaktion Books 2017. 146 pp. lars svendsen. English translation by Kerri Pierce.