ما الذي يأتي برحّالة إنكليزي إلى سوريا وجبل لبنان في منتصف القرن التاسع عشر، ليصرف ثلاث سنوات من عمره، ثم يدوّن وقائع رحلته في كتاب، من دون أن يوقّع اسمه على الغلاف؟! اللافت في كتاب «السوريون المعاصرون» (1844) الذي اكتشفه خالد جبيلي أثناء زيارته مكتبة نيويورك العامة، بحثاً عن كتب دوّنها رحّالة زاروا منطقة الشرق، بقصد ترجمتها إلى العربية، أنه بتوقيع «طالب دراسات شرقية»! يتساءل المترجم السوري في تقديمه الكتاب الذي سيصدر قريباً عن «دار نينوى» (دمشق): «إذا كان الهدف من رحلته الاطلاع على أحوال الناس والأوضاع السياسية السائدة في جبل لبنان وسورية عامة، وتدوين ملاحظاته وانطباعاته عنها، فلماذا لم يذكر اسمه لكي يُعترف بفضله، أم كان هدفه تعلم اللغة العربية، أم غير ذلك من الأهداف غير المعلنة للرحّالة؟». ويضيف: «في جميع الأحوال، ستظل هناك أسئلة كثيرة وتكهنات أكثر. ولكن ما يهمنا هو ما دوّنه الكاتب من أحداث وانطباعات قد تلقي الأضواء على فترة لم تحظ بالكثير من عناية الباحثين. ولعل الكتاب يوفّر للباحثين والدارسين المهتمين مادة هامة عن تلك الفترة التاريخية». يحمل الكتاب عنواناً فرعياً موحياً «ملاحظات حول المجتمع المحلّي في بيروت ودمشق وحلب وجبل لبنان وجبال الدروز». وهو ما يكشف المهمة الأساسية من هذه الرحلة الاستطلاعية. عدا اعتناء الرّحالة المجهول الذي حطّ في الاسكندرية في طريقه إلى بيروت بالتقاليد المحليّة، يركّز اهتمامه على الطوائف والمذاهب والأسر الإقطاعية الحاكمة في المنطقة. كما لا يهمل تفاصيل أخرى بما فيها أصناف الطعام، وأحوال الطقس، وأعراف مشايخ الحارات، وطريقة تحضير الجنازات، وقوافل الحج، والحمّامات، من خلال وصف دقيق، وأسلوب بلاغي رفيع. ولكنه، في المقابل، لا يخلو من نبرة استعلائية وتهكمية، في هجاء هذه الطائفة أو تلك. هكذا تتكشّف خريطة طريق واضحة عن نمط تفكير المجتمع المحلّي في ظل الخلافة العثمانية للمنطقة، بالإضافة إلى اهتمامه بالاطلاع على السجلّات الرسمية في القنصليات البريطانية، والأهواء السياسية المحليّة. يسأله أحدهم في حلب إن كان رسّاماً هندسياً، فيجيبه ساخراً: «أنا مؤلف مسرحي، أبحث عن مواقف كوميدية لأدخلها في النص الذي أكتبه». في مفتتح رحلته من رصيف ميناء الاسكندرية للإبحار إلى سوريا، يقول: «لم يكن بانتظاري سوى جمهرة من الحمير التي كانت تتجشّأ، والتي كانت ركبها مكسورة، وعيونها دامعة. «ألن تمتطي حماري؟» قال أحد أصحاب الحمير، «إنه حمار جميل يا سيدي، فهو يسير كالسفينة البخارية اللعينة»». لكن ما هوية هذا المؤلف المجهول، مستشرق أم جاسوس، أم متخصص في تفكيك الطوائف في المنطقة، لتسهيل العبور الوشيك للاستعمار الأوروبي الذي كان يقف على الباب للإجهاز على تركة «الرجل المريض»؟ هنا ترجمة خالد جبيلي للفصلين الأول والرابع عشر من الكتاب:


الفصل الأول *

السفر إلى بيروت من الاسكندرية
بعد سنوات عديدة من الترحال في أرجاء القارة الأوروبية، اعترتني رغبة شديدة لرؤية عجائب الشرق. وفي خضم الدراسات الشرقية التحضيرية، أتيحت لي الفرصة لزيارة منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وتمكنت من مشاهدة الكثير من الأشياء الرائعة. وقد أحدث أول مشهد رأيته انطباعاً لا يمكنني أن أنساه ما حييت. فقد دخلت السفينة البخارية الفرنسية التي كنت على متنها ميناء الإسكندرية، الذي كانت ترسو فيه آنئذ الأساطيل المشتركة للسلطان ومحمد علي، التي بلغت خمسين سفينة حربية، منها تسع عشرة سفينة شراعية.
أخذت السفينة البخارية تتباطأ، وبدأت تسير بين صفين من السفن الحربية. وكنت ترى هنا وهناك سفينة ضخمة ذات ثلاث طبقات تجثم بكل ذلك الفخر والبهاء، وروعة الهندسة البحرية. وكنت ترى هناك الحارس واقفاً دون أن يأتي بحركة، جاثماً في مؤخرة السفينة، وحربة بندقيته تلمع تحت أشعة الشمس المائلة للغروب، ولون طربوشه الأحمر يبدو متجانساً مع لون قرص الشمس الغاربة، ووجهه المكفهر الذي يبدو مثل تمثال من الغرانيت الوردي. وما أن رست السفينة حتى غابت الشمس، وبدأت الطبول تقرع من سفينة إلى أخرى، ثم أُطلقت المدافع المسائية، وتصاعد خيط رفيع من الدخان محدثاً ستاراً رمادياً غطى الأفق الأحمر المتوهج، ورحت أستمع خلال ذلك، ولأول مرة في حياتي، إلى تلك الألحان الجادة والرائعة لأذان الصلاة المنبعث من المآذن على الشاطئ.

الجامع الأموي الكبير في دمشق في أواخر القرن التاسع عشر ــ تصوير فيليكس بونفيس

ورغم تنوع الموضوع وجاذبيته، فلن أتحدث عن مصر. فلم أمكث فيها سوى الفترة المحددة لي، ثم سرعان ما ودعّت النيل والأهرامات ومكتب وكالة واغورن. وفيما كنت أُعدّ نفسي لكي أتوجه إلى رصيف الميناء والإبحار إلى سورية، لم يكن بانتظاري سوى جمهرة من الحمير التي كانت تتجشّأ، والتي كانت ركبها مكسورة، وعيونها دامعة. «ألن تمتطي حماري؟» قال أحد أصحاب الحمير؛ «إنه حمار جميل يا سيدي، فهو يسير كالسفينة البخارية اللعينة». ومن المؤكد، فإنه ليس بمقدورك أن تقارن روبينز الكلاسيكي، وتاتيرسال العبقري، الذي انتصب برعايته معبد هيجيا إلهة الصحة الإغريقية، في مستنقعات منطقة لينكولنشاير، حيث تصبح الخيول الجامحة والتي لا تتوقف عن الركل لطيفة ولينة العريكة، مع مدرسة الإسكندرية الحديثة.
وخلال الرحلة، لم يكن لدي مورد سوى صحبة زميل مسافر، الذي كان يؤمن بأن القلب الودود والمعدة الدافئة ليسا سوى أمرين متطابقين. إذ كان يزيل المزاج السيئ باحتساء بيرة هوجسون الشقراء، ثم يغسل البيرة بالكثير من البراندي والماء.
وكان جبل ورأس الكرمل الشيء الرائع الوحيد في الرحلة، حيث قام صديقي الذي آلى على نفسه أن ينعش ذاكرتي الجغرافية بلطف، بتعيين موقع الأرض المقدّسة بكل جدية ووقار في أسلوبه. وقد وصلت إلى بيروت في 24 شباط (فبراير) 1841.
تعد بيروت متحفاً شرقياً، مدينة هجينة تضم مجموعة مختلفة من الأشياء. فقد رأيت فيها الكوميديا المرحة للحياة الأوروبية، وغصت بعضاً من الوقت في عاصمة شرقية واسعة، مظلمة الجوانب. ومع ذلك، فهي تعتبر الكنز الدفين للرسامين. إذ كاد المشهد الطبيعي الإيطالي أن يكون قد استهلك. ولا يصعب عليّ أن أتصور أن الفنان لينجيلباخ، الذي لم يكن رساماً يعتد به، قد اكتسب شهرته من العبقرية الفطرية للمواضيع التي كان يستقيها من المشرق.
بيروت مدينة هجينة رأيت فيها الكوميديا المرحة للحياة الأوروبية وعاصمة شرقية واسعة، مظلمة الجوانب


إذ تشمل لوحة المارينا التي رسمها جميع العناصر الرائعة. وهي اسم على غير مسمى لرصيف بحري، يتكون من أعمدة متداعية، ونصب لبيروت القديمة، وتلك القلعة المتداعية المحطمة التي شيدها فخر الدين المعني، التي كانت تتصل ذات يوم باليابسة بجسر. وعند غروب الشمس، يمكنك أن ترى البحار الذهبية التي رسمها الفنان كلود، ومنحدرات الجبل الهائلة التي كان غاسبار بوسين مولعاً برسمها. ثمّ يا للتنوع في الأشخاص وأنواع الثياب! فالحارس التركي بملابسه الوسخة، والألباني الذي يحمل مسدساً ويرتدي تنورة داخلية، وسائس البغال الجبلي، والرجل الإنكليزي الأنيق من أفراد طاقم المركب الحربي. أما بالنسبة للأشياء الداخلية، فما أجمل ما صوّره Ostade وTenirs عن الخمارة اليونانية التي تشبه الكهف بروادها المشاغبين، أو لوحة دي هوج عن الباحة الخلفية لعائلة مشرقية، حيث تتلاعب أشعة الشمس بقوة على الرصيف الفسيفسائي، وترتد بهدوء إلى الكوة البعيدة، التي تشكّل سحر البيت السوري.
إن نفاد صبري لرؤية البلاد من الداخل جعلني أختصر إقامتي في بيروت، وما هي إلا بضعة أيام حتى أخذت أصعد جبل لبنان باتجاه المتن. وكان الطريق في بادئ الأمر سلساً متدفقاً، ثم بدأت أصادف منحدرات مختلفة، ثم صخور من جميع الأحجام. وكاد انهماكي في صعود الجبل يجعلني أنسى تعطشي لرؤية مشهد الجبل الذي منحني إياه مشهد رمل الصحراء الليبية ووداعة دلتا النيل. ولم أشعر بأني قد حصلت على مكافأتي لهذا الجهد إلا بعدما تجاوزت عدّة حافات، وأصبح بوسعي أن أنظر إلى صفحة البحر الممتدة تحتي. هرعت إلى هضبة مجاورة، وعندها رأيت الشيء الرئيسي في سلسلة جبال لبنان، جبل صنين، الذي تكسو قمته الثلوج. وأخيراً وصلنا إلى أحد الخانات. ورب سائل ما هو الخان الجبلي؟ وأجيب إنه منزل طويل ذو سقف واطئ، وأرضية طينية، وفيه رواق من الخشب الصلب مكسو بأغصان شجر الصنوبر. ولا توجد فيه نافذة ولا مدخنة. وكان ثمة رجل عجوز غير حليق الذقن، يعدّ القهوة للمسافرين في زاوية البيت المظلمة. وكان يبدو في وهج الفحم المشتعل أشبه بخيميائي من العصور الوسطى وهو في مختبره الذي يكسوه السخام بقوة. ويُقدم في تلك الخانات التي تقع على الطريق في لبنان، بيض مسلوق وحليب مخثر، يسميه الأتراك يورت، ويسميه السوريون اللبن، ورغيف مسطح من الخبز الأسمر الخالي من الخميرة. مما يضطر جميع المسافرين الأوروبيين إلى أن يحملوا معهم زوادتهم من الطعام. ولم يكن الدخان في داخل البيت أقل إزعاجاً من الغبار في الخارج؛ وذلك لأن قافلة صغيرة كانت قد وصلت للتو، وكانت الدواب التي أُفرغت من حمولتها تجد متعة غريبة في التدحرج على الطريق، وفي حك ظهورها بالأرض ورفس حوافرها في الهواء. وفيما كان السائسون يسقون دوابهم ويعلفونها، اقترب مني بعض الأتراك الجورجيين، الذين قطعوا الطريق من القوقاز سيراً على الأقدام، وأراني أحدهم، بعد أن نزع عمامته، جرحاً جديداً على رأسه أحدثته ضربة بالسيف بالقرب من مدينة حمص، حيث سلبوا كذلك. وقد صدقت ذلك بسهولة؛ وذلك لأن انسحاب عرب الهنادي* من الطريق الذي يصل بين دمشق وحلب جعله عرضة لغزوات من أفراد عشيرة العنيزة، الذين يشغلون المثلث الكبير الذي يشكّله نهر الفرات والحدود الشرقية لسورية وصحراء الجزيرة العربية. إذ إن حكومة السلطان تحظى بشعبية لدى الأعراب أكبر بكثير مما كانت تحظى به حكومة المصريين. وقد سأل صديق لي ذات مرة أحد الشيوخ من عرب بني عدوان عن السبب فقال له: «لماذا؟ لأننا الآن نفعل ما نشاء».
كان سائس البغل درزياً؛ ولمّا لم يكن لدي خيمة أبيت فيها، قبلت عرضه عن طيب خاطر بأن أحوّل طريقي وأمضي الليلة في قريته، التي كانت تقع في منطقة الجرد، وتملكها أسرة عبد الملك.
توجهنا جنوباً على طريق دمشق؛ ولدى وصولنا إلى قاع الوادي وجدنا أنفسنا في مكان يشبه القِدر، وكنا نسمع صرير طاحونة تبدو بدائية أضافت إلى بؤس المشهد وإقفاره: وبعد أن صعدنا بمشقة وصلنا القرية، التي كانت تقع في أرض منبسطة، والكرمة مزروعة على جانبي الطريق.
كانت جميع بيوت القرية مبنية من أحجار مصقولة، يقارب حجم كلّ واحدة منها حوالى قدم مربع، وكانت مرصوصة بعناية من الداخل، ومطلية بالأبيض. ولدى وصولنا إلى منزل مضيفي، أعجبت بنظافته التامة: فقد كانت تكسو الطرف العلوي من البيت سجادة قماشية ذات وبر رمادي، وكان يقبع في إحدى الزوايا مهد طفل رضيع مرصّع باللؤلؤ. وكانت الأرضية مرصوفة بكتل من الأحجار أو الرخام الأسود المنقوشة، يقارب حجم كل منها 18 بوصة مربعة. وكان بجانب إحدى الفتحات المحفورة موقد مبني من أحجار مصقولة، توضع عليه أوعية وقدور عديدة. وكان جزء من القدور معلقاً فوق النار. وكانت المقدمة مخصصة للشواء؛ وكانت هذه الطريقة اقتصادية جداً للتزود بالنار، إذ إنه عندما تسخن الحَجَرة لم تكن هناك ضرورة لإضافة قدر أكبر من الوقود.
بعد أن أفرغنا الحمولة من فوق الدابة التي استأجرتها، ومد مضيفي سجادتي عند الطرف الأعلى من المسكن، بدأت تتوافد مجموعة من الزوار من القرويين، فما أن سمعوا بأنني رجل إنكليزي حتى امتلأت الغرفة. وسرعان ما تبين لي أن جميع القرويين يظنون أن الأوربيين جميعهم على معرفة بفن المعالجة. فقد كانت عين رجل عجوز مصابة بالتهاب شديد، ولم يكن الأمر يتطلب مني مهارة كبيرة لأن أنصحه بأن يبعد عينه بقدر الإمكان عن الشمس. وبالتأكيد فإن العمامة تعد غطاء ممتازاً للرأس في المناطق ذات المناخ الحار، فهي تقي من ضربات الشمس. فكم من أوروبي لقي حتفه لأنه لم يعر أي اهتمام لما أثبتته التجربة العملية على مر العصور. وبالإضافة إلى غطاء الرأس، فإن غطاء الجسم، والنطاق الشرقي بطياته الكثيرة، يبعث على الصحة.
لذلك فإننا نقول لكلّ مسافر في مصر وسورية: «ضع حزاماً فوق وسطك» وهي تعني «احفظ نفسك من الحمّى والزحار». غير أن العمامة لا تكفي، لأنها لا تحمي العينين جيداً. إذ لا بد أن يزداد انتشار الرمد في هذه البلدان، رغم أنه يعزى إلى التعرّض للهواء الليلي، وللرمل الناعم في مصر، وللغبار الطباشيري في سورية، وذلك لأن العمامة لا تقي جيداً العينين من أشعة الشمس. ويبدو أن العمامة ذات الحواف العريضة التي يعتمرها اليهود هي أفضل غطاء للرأس قيد الاستخدام في سورية. وبعد هذا الاستطراد نعود إلى الزوار من القرويين. فقد وجدت نفسي مضطراً لأن أجس نبض، وأفحص ألسنة ما يقرب من عشرين شخصاً. وقد مارست هذه المهزلة بجد كبير لا يمكنني أن أتصوره، وأعقب ذلك مناقشة عامة. وقد انهالت عليّ أسئلة عن إنكلترا؛ وأشار مضيفي إلى بندقيتين معلقتين على الحائط، من الواضح أنهما كانتا من طراز براماجيم. «لا جزية بعد الآن، وليحيا الإنكليز!». دوّى صوت في أرجاء البيت.
ورغبة مني في الاطلاع على المنطقة المجاورة قبل أن يحين موعد الغروب، أجّلت الجلسة ومضيت عبر أشجار التوت إلى أحد المنحدرات التي كنت قد وصفتها. وعلى حافة الهوّة الواسعة كانت توجد صخرة هائلة، بدا أنها على وشك، بأقل حافز، أن تهوي إلى القاع. إلا أن ما فاجأني هو رؤية العديد من الصبية يلعبون ويقفزون فوقها! وكانوا يتضاحكون وهم يحرّكونها، وللمرة الأولى في حياتي أرى صخرة تتأرجح.
وكما أدركت فيما بعد، فإن رؤية إفرنجي في هذه البقعة النائية من البلاد كانت تكفي لتثير اهتمام الإناث القابعات في الأكواخ المجاورة، وعلى سطوح البيوت القريبة التي تعج بالنساء والأطفال. وكان معظم الشباب يتمتعون بطلعة جميلة؛ وقد اقترب مني أحدهم وتحدث معي بلغة تركية ركيكة، وكان طويلاً، أسمر وقد اكتسبت ملامح وجهه تقاسيم مخادعة. وكان هذا الشاب قد سيق إلى الجندية، وخدم في الجيش في مصر ومن ثم انتقل إلى ماراش بقيادة إبراهيم باشا: وكانت ملاحظاته الشريرة وفضوله وحب استطلاعه الماكر تثبت أن التدريب الذي كان قد تلقاه في المعسكر جعله وغد القرية. قدم لي مضيفي على العشاء طبقاً من الأرز ودجاجة مشوية مع زبيب، ثم قدم لي القهوة. وبعد الغروب غصّت الغرفة بالقرويين مرة أخرى، وجدّدت معرفتي بالعُقَّال. وسُئلت إن كان يوجد عُقَّال في إنكلترا؟ فقلت «نعم، يوجد الكثير منهم». «وهل يوجد جُهَّال؟» فأجبت «نعم، يوجد الكثير منهم»

الفصل الرابع عشر

انطلاق قافلة الحج
تعتبر دمشق بالنسبة إلى الأوروبيين لؤلؤة الشرق، عقداً من الزمرد، مدينة الصالونات المذهّبة، وخرير نوافير الماء، المحاطة بالأنهار والجداول المتدفقة، وذات الخلوات الظليلة الباردة. وكم من مرة أنساني تغريد الطيور عند الغسق، الذي يدخل السكينة إلى النفس في خمائل دمشق الكثيفة، أهواء وأمزجة الناس العنيفة، ومكائد ودسائس الحكام.
أما بالنسبة للمسلمين، فإن دمشق هي المدينة المقدّسة، المدينة التي تكتسب صفة قدسية أكثر بسبب انطلاق قافلة الحجاج منها إلى الكعبة في مكة المكرمة. ورغم الثورات والاضطرابات التي كانت سورية مسرحاً لها، لم يحدث شيء أبداً أدى إلى تعكير صفو السمات الشرقية والأصيلة لدمشق. فقد أصدر السلطان الخليفة فرماناً فتح بموجبه جميع مساجد استنبول، وأتاح تسامح محمد علي الفرصة للإنكليزي الهندي المنبهر للاطلاع على الخطوط الجليلة الجميلة المرسومة في إيواناتها الأربعة في مسجد السلطان حسن في القاهرة. إلا أنه لم يكن بوسع أي إفرنجي أن يدخل مسجد بني أمية في دمشق وهو يرتدي زيه الخاص. أما السيد ريتش، فقد كان متخفياً في زي تركي من جورجيا عندما زار المسجد. ويعد انطلاق قافلة الحج إلى مكة المكرمة أعظم يوم في تقويم الدمشقيين. فهو في جميع الأحوال، حدث مميز جداً. وفي حين يسيء سكان القاهرة معاملة المسيحيين والفرنجة الذين يجرؤون وينظرون إلى قافلة انطلاق الحجاج الإفريقيين (رغم أنهم مطبوعون على التسامح من النواحي الأخرى)، فإن الدمشقيين، بخلافهم، يبذلون ما بوسعهم لتشجيع المتفرجين المسيحيين، بأمل أن يؤدي بهاء وفخامة المشهد إلى إقناعهم باعتناق الإسلام. وفي السنة الأولى من احتلال إبراهيم باشا لسورية، كان المصريون الأكثر تعصّبا يسيئون معاملة الكثير من المتفرجين المسيحيين. أما في السنة التالية، فقد أصدر شريف باشا أوامر كفلت الاستمرار في اتباع الأسلوب القديم الأكثر اعتدالاً.
قبل شهر من انطلاق القافلة، تزدحم شوارع دمشق بالجوابّين وأبناء السبيل القادمين من البحر الأسود وبحر قزوين وبحر آرال، ومن نسائم القوقاز المنعشة، ومن أبخرة نهر جيحون الضارة، والمناطق الأكثر بعداً من سمرقند. وتكون الدوافع الدينية الحافز الرئيسي للكثيرين، لكن ليس بالنسبة للجميع. وتعد التجارة، بنشاطها ومزاياها، أحد دوافع الحج. إذ يتم تبادل خناجر خراسان بحرائر دمشق. وتعود الجمال التي تنقل إلى مكة الرزّ في رحلتها جنوباً، محملة ببن الموكا. وأثناء فترة الحج تندر الخيول ويرتفع ثمنها، في حين تتوفر الجمال بكثرة ويقل ثمنها. إذ يمتطي الحاج المقتدر الحصان في رحلته إلى مكة، حيث يبيعه بضعف الثمن الذي اشتراه به، ويعود ممتطياً جملاً، كان يشتريه بثلاثمئة قرش، ويبيعه في الميدان بألف قرش. وفي دمشق تشتدّ الحركة التي تذكّر المرء بمعرض ليبزيك. وترتفع قيمة الغزّي الذهبي، الذي تتراوح قيمته القانونية بين واحد وعشرين وخمسة وعشرين قرشاً، لكن سرعان ما تهبط قيمته حال انطلاق القافلة إلى مكة. ويتحمل الدمشقيون واجبات استضافة الحجاج، دون أن يشكل ذلك عبئاً عليهم، وذلك لأن للمضيف الحقّ في الحصول على نسبة اثنين ونصف في المائة من كل شيء يبيعه أو يشتريه ضيفه الحاجّ. والتجار الإيرانيون هم عادة الأكثر ثراء من بين جميع الحجاج.
بعد وصول قافلة حلب، يُعقد اجتماع يحضره الباشا (الوالي)، وأمير الحج وأمين السر (أمين خزينة الباب العالي) والقاضي والمفتي وأعيان المدينة، للتباحث في مسألة استئجار الجمال. ولا يعد هذا الأمر مسألة غير ذات أهمية، لأنه بالإضافة إلى الأربعة آلاف حصان، تتطلب قافلة الحج أكثر من ثمانية آلاف جمل. ويبلغ أجر الجمل من دمشق إلى مكة المكرمة عادة ثلاثة آلاف قرش، أما هذه السنة، فقد حُددت الأجرة بمبلغ ألفين وخمسمائة قرش بسبب تدني أسعار المؤن. ويبدأ المقيّمون (متعهدو الجمال) الأربعة بطلب ثلاثة آلاف وخمسمائة قرش كأجر للجمل الواحد، ويدوّن الأعيان ذلك على قطعة من الورق، ويسجلون جميع المواد والمؤن التي يتطلبها الجمل - الشعير، والماء، والحداة، والمساعدون، وما إلى ذلك – ويطلبون تخفيض الأجر، ثم يتم التوصل إلى اتفاق وتُعقد الصفقة بعد الاستماع إلى جميع الحجج والمناقشات من كلا الجانبين.
بدأت المراسم التي تسبق انطلاق القافلة يوم الأربعاء. فعند صلاة العصر، حُملت راية النبي الخضراء من القلعة القديمة إلى مسجد سنجقدار، ثم نقلت من هناك إلى السراي بعد الصلاة. وفيما تابعت بعيني هذا الموكب الغريب، وفيما كنت أحدق في المبنى الذي انطلقت منه الراية أولاً، ثم في المكان الذي وضعت فيها أخيراً، رحت أفكّر تلقائياً «بالتقدّم التركي». إذ تذكّر قلعة دمشق التي جلبت منها الراية، ببنائها الضخم وسورها المهيب ذي الفتحات، بالفترة التي قام فيها أتباع سليم وسليمان بتحصين معاقل الفاتحين العرب الأوائل، - بينما يغطي الطلاء والورنيش أبواب السراي الخشبية الرديئة والرقيقة، التي وضعت وفق أسلوب استنبول الهجين، الذي قد تهدمه مجرّد شرارة أو أول نسمة قد تهب عليها، مما ذكّرني بالتركيبة الحالية للقوّة العثمانية.
وعندما اقتربت الراية، هبط أحمد باشا الدرج، وخلع حذاءه، وتقدّم واستلم من السنجقدار الراية المقدّسة، التي قدمّ لها استقبالاً رسمياً. وبعد أن قبّل الراية، حملها على كتفه وصعد الدرج، فيما أطلق المدفع طلقة تحية.
في اليوم التالي، انطلقت قافلة الحج بأبهة عظيمة، وكانت رؤيتها، بلغة ذلك البلد الرنانة، تكفي لتفجير مرارة أسد. والحق يقال، إن اهتمامي بهذا المشهد ينبع من سماته الشرقية التامة، وعدم وجود أيّ شيء يمكن أن يذكّر المرء بالغرب، سوى الزرمايقة وبنطال أمير الحج وحاشيته. وعند انبلاج الفجر، كانت المدينة تضج بالحركة بدءا من الدرويشية وحتى الشارع المستقيم، والطرق الأخرى المؤدية إلى الميدان، التي تكتظ بالمتفرجين وهم يرتدون الملابس التي يرتدونها عادة في أيام عطلهم، وترى الجمال التي تنوء بأحمالها من العلف، أو المحفات (التختروان) والأشخاص الذين يستأجرونها. وكنت ترى بعض الحجاج يذرفون الدمع وداعاً، إلا أن ارتفاع أصوات الناس الآخرين يظهر أنهم نسوا الغرض الديني لرحلتهم، في نشاط ونفاد الصبر لانطلاقها.

رغم الثورات التي كانت سورية مسرحاً لها، لم يحدث شيء أدى إلى تعكير صفو السمات الشرقية والأصيلة لدمشق


بعد أن حصل السيد وود على إذن باستخدام شرفة تقع على الطريق الذي سيمرّ منه الموكب، قبلت دعوته للانضمام إلى مجموعته، وأمضى يوماً من التسلية والمتعة معهم. وفي الساعة الثامنة غادرنا القنصلية، وكان السيد وود يسير يسبقه ثمانية قواصين يوفرون له الحماية. وقد جعلت خصاله الشخصية، وثقافته الشرقية الدمشقيين يكنّون له مشاعر طيبة.
بدءاً من هذه الساعة وحتى الساعة الحادية عشرة، سار في الشارع صف طويل ومتواصل من الجمال المثقلة بالأحمال، والفرسان غير النظاميين الذين أخذوا يشقون طريقهم بصعوبة. وكان الناس يحتشدون فوق أسطح البيوت والمساجد الكثيرة تماماً كما كانت الأرصفة مكتظة بهم في الأسفل. وفي الحقيقة، لم أر ذلك الشارع الكئيب تغمره البهجة والمرح مثل الآن. ويعد الماء أهم شيء في الشرق. إذ كانت تأتي بين الحين والآخر مجموعة من حاملي الماء. وكانت المدافع التي يجرها زوج من الجمال، لا تستخدم لشيء سوى حمل أعباء ثقيلة، تدخل السرور إلى نفوس الناس تارة، وتبث الذعر فيهم تارة أخرى عندما تحرن وتجمح وهي سائرة، وحركة سيرها المتعرجة المخيفة تختلف تماماً عن خطواتها المعتادة المدروسة المهيبة. ثم أعقب المدفعية الجنود الأكراد (قوات القوزاق التركية)، برماحهم الطويلة الضخمة، وأرديتهم الهمجية، لكن الرائعة والمزركشة.
تخللت الموكب فجوة. وكان الطقس جميلاً والسماء صافية. واستدرت لأتطلع إلى سلسلة جبال لبنان الشرقية الجرداء بلون الظباء، وقد شطرتها إلى قسمين مئذنة جامع السنانية الخضراء الداكنة المائلة إلى اللون البرونزي، عندها أعلنت مدافع القلعة عن مغادرة أمير الحج والرايات المقدسة. تقدمت فرقة السباهية، ثم لاح شيء ضخم يسير الهوينى: كان ذلك هو المحمل. تصور أضخم جمل في الشرق، جملاً عملاقاً وقد وُضِع فوقه صندوق كبير، كُسي بقماش من الحرير الأخضر، مطرّز بالذهب والفضة، يكاد يصل حتى حافري الجمل. وكان هذا الغطاء قد صنع في القاهرة في السنة الأولى من الاحتلال المصري، الذي حلّ مكان الغطاء السابق، الذي اختفى بعد الثورة التي قامت ضد محمد سليم باشا. وقد كلّف صنعه ستمائة محفظة، أو شيئاً يقل عن ثلاثة آلاف ليرة. ويبلغ وزن المحمل بكامله ستمائة وستين رطلاً، ثم تلاه السنجق، أو الراية وتلاها أعيان المدينة. وجاء في خاتمة الموكب أمين السر وأمير الحج كارا علي باشا.
وحسب الأعراف المتبعة منذ القدم، هناك ثلاثة أشخاص فقط يمكنهم استخدام البغال لحمل المحفة، أو كما تدعى التختروان، وهم أمير الحج، وكيخياه، وأمين السر الذي يحمل العشرة آلاف محفظة التي ينفق منها السلطان على الحجاج: أما المحفات الأخرى فتعلق بين جملين. وقد أدت السلطانة الثالثة مناسك الحجّ في عربة أوروبية، نظراً لأن الطريق من هنا إلى مكة المكرمة مستو تماماً، ومن المؤكد، فهي أول عربة تذهب إلى مكة المكرمة في التاريخ، وهي العربة الثالثة التي شوهدت في دمشق. أما العربتان الأخريان، فواحدة تخص الباشا شريف، والأخرى تخص القنصل العام السيد فارين. ولم تظهر السلطانة في الموكب الذي وصفته في الحال. يخصص خمسمائة جمل لخدمة أمير الحج الشخصية. ووفق الرواية القانونية، لا يفترض أن ينفق أحدها وذلك لكي يبقي عددها كاملاً، ويتم علفها من العائدات المخصصة لهذا الغرض. ويوجد عكام واحد لكلّ جملين، أو قائد يتقاضى خمسمائة قرش من المتعهد، لتنكبه مشاق الذهاب إلى مكة. ولكلّ عشرة جمال هناك مشرف على علف الجمال، يتقاضى مائة قرش. أما الجمّال أو حوذي الجمال، ورجال الخيمة فيتقاضون مائة قرش من الحاج لقاء الرحلة؛ ثمّ يأتي البقشيش الذي أصبح ثابتاً حسب العادات المتبعة. وتستغرق الرحلة إلى مكة أربعين يوماً، وفي نهاية كلّ خامس يوم يتوقف الحجاج والدواب للحصول على استراحة لمدة أربع وعشرين ساعة: لذلك توجد سبع استراحات، يمنح الحاج في كلّ منها العكام ومرافقيه الآخرين عشرين قرشاً أو أكثر، أي غزي ذهبي واحد: وتقدم للعكام فقط كمية محددة من الطعام. أما القماش الذي يكسو المحفة فيوفره العكام.
تعتبر مزيريب أول مكان لاستراحة القافلة، حيث تعقد المواثيق مع البدو لحماية القافلة وسلامتها من عمليات الابتزاز والنهب اللاحقة. وتجري الرحلة في الشتاء بدون صعوبات. أما عندما تصبح الرحلة في منتصف الصيف حسب دورة الأشهر الإسلامية، فيكون الإعياء مخيفاً. إذ يموت بعض الحجاج في أثناء النهار بسبب ضربات الشمس؛ وبسبب حركة الجمل الغريبة في الليل، يتخيل آخرون وهم في حالة سبات، أنفسهم أنهم في الحمّام، فينزعون ثيابهم التي يستولي عليها البدو في الليل. وقبل وصول القافلة إلى المدينة بثلاثة أيام، يلتقون بقافلة الإغاثة. وليس بإمكاني أن أصف المراسم في مكة؛ ويكفي القول إن الباشا يخلع ثيابه الإفرنجية، ويرتدي الثياب الشرقية قبل دخوله تلك المدينة.

* مقتطفات من كتاب «السوريون المعاصرون» (1844) الذي يصدر قريباً عن «دار نينوى» (دمشق) بترجمة خالد جبيلي