بالعباءة الكهنوتية السوداء، أوفَى المطران إيلاريون كبوجي (1922-2017) نذوره الكهنوتية لفلسطين «بما يشبه الوجد الصوفي»، وفق ما جاء في الصفحة 34 من كتاب «المطران إيلاريون كبوجي: ذكرياتي في السجن» للكاتبين سركيس أبو زيد وأنطوان فرنسيس (دار أبعاد ـــ 2018). الكتاب ـــ الوثيقة شهادة لذكريات حوارية (عام 1979) رواها المطران للكاتبين بعد عامين على خروجه من السجن في إسرائيل بتهمة «تهريب السلاح». ففي 6 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1977، خرج المطران من سجن العدو الإسرائيلي الذي دخله فجر 18 آب (أغسطس) 1974. ثلاث سنوات أمضاها خلف القضبان من أصل 12 سنة، بعدما تدخّل قداسة البابا بولس السادس مباشرة في قضيته.

ولأن من شروط إطلاقه يومها عدم السماح للمطران كبوجي (1922 ـــــ2017) بالتحدث لأي وسيلة إعلامية عن فلسطين، كان للذكريات ـــ الكنز أن تدخل عتمة الأدراج حقبات أربع، بقيت خلالها شمس كبوجي ساطعة كما قولةُ الحق، وكما قولهُ الحق والشهادة به ولأجله، ولأجل فلسطين. أوَليس في كلامه ما يختصر كل الكلام، هو الذي قال: «يوم سيامتي الأسقفية، وضع ربُّنا في عنقي أمانة هي فلسطين والفلسطينيين. ويوم الحشر سوف يحاسبنا حساباً صارماً على الأمانة. فعلاوة على عروبتي، إن واجبي وضميري يفرضان عليّ خدمة القضية، وألا أكون أخللت بواجبي، والواجب هو الحد الأدنى المطلوب من أي إنسان عنده ذرّة من شرف ودم، ولا فضل للقيام في الواجب، وبالتالي لا فضل لي في خدمة قضيتي الفلسطينية كرجل دين وليس كرجل سياسة» (ص399).


ليس في ما نقرأه طيّ صفحات الكتاب مجرد ذكريات، وليس من قال الرواية مجرد شخص حكّاء، أو هاوٍ في تطويع لغة الضاد لغزارة ما يملك من موهبة الكلام. فبين الراوي وروايته فعل قول وعمل عنوانه مقاومة.. سيرة رجل أعطى للمجد تعريفاً مشرقاً مذ مشى بعباءته السوداء أزقة القدس، ومذ أذهله الإجرام الإسرائيلي أيام دراسته في القدس في سنوات ما قبل النكبة عام 48، فـ«كان بداية انخراطي في القضية الفلسطينية»، وتكرّس اقتناعي بـ«أن المسيح كان الفدائي الفلسطيني الأول».
وعلى طريق المسيح، حمل صليب القضية وآلام شعبها، ومزج بين عمله الكهنوتي التوعوي، وتقديم الإعانات للمنكوبين، وتعاوَنَ مع الرهبان والراهبات وبعض السكان على دفن الموتى إثر احتلال العدو للقدس والضفة الغربية عام 1967، و«كنت أصلي على أرواح الشهداء مع أحد المشايخ في آن واحد قبل دفنهم»، وفي حضّه الناس على الصمود والبقاء..
يروي المطران المقاوم، الثائر روحاً وعقلاً وقلباً وغضباً، أن هزيمة الـ67 «بدّلتني من الداخل، وغيّرت مجرى حياتي»، وأن «أسئلة كثيرة تصارعت في داخلي»، لكنني «اخترت الطريق الأصعب، طريق النضال، وسلكت درب المقاومة».
كبوجي المطران على القدس، تسللت إلى أعماق إنسانيته أخبار عمليات المقاومين، «فقررت أن أشارك في المقاومة وأقدّم ما أستطيع من موقعي المحصّن في مطرانية القدس»، كاشفاً عن عقده الاجتماعات في المطرانية، فـ«... أسّست أولى خلايا الداخل في مدينة القدس»، و«قررت أن أنقل أسلحة فعّالة من الخارج إلى الداخل لتنشيط العمليات الداخلية»، وقد «قامت الخلية التي أسّستها بعمليات عدة قبل اعتقالي، وكنت على علم بها».
غيض من فيض روح ثائرة ومثابرة على مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، «فمددت يدي إلى القضية ووضعت طاقتي في خدمة شباب أبطال أرادوا أن يتصدّوا لمحتل مغتصب»، كاشفاً عن «العنصر الفعّال في العمل المقاوم في الداخل، ويدعى مصطفى أبو فراس، وعن التنسيق معه، ثم مع أبو جهاد، وعن عمليات توضيب السلاح في سيارته أثناء وجوده في بيروت لنقلها عبر الناقورة إلى الداخل، وعن الثلاثين كيلوغراماً من المتفجرات المخبّأة في داخل غطاء محرك السيارة، وقصة تأخر حضور خبير متفجرات إلى القدس لتفكيكها حسب المتفق عليه في بيروت، لكن...»، هذه الـ«لكن» التي تقضّ أنفسنا غضباً، تجعلنا نطرح التساؤلات التي تقارب الظن الآثم عن مرحلة ثورة اخترقتها الثقوب السوداء بالخيانة والترهل، ولم يكتب عنها بعد نقداً وتقييماً. لكن المطران كبوجي لم يكشف في سياق روايته للكاتبين لماذا لم يحضر الخبير ـــ المقاوم!؟
يقتصر توصيف المطران وتعليقه على اكتشاف العدو للأسلحة في سيارته صبيحة 8 آب (أغسطس) 1974 بالقول: «أصبت بالدهشة. كان يعرف مكان وجود الأسلحة بالضبط، كأنّ أحداً أخبره، أو كأنه شاهَدَ توضيبها بأمّ عينه. حتى هذه الساعة، لا يزال هذا الموضوع سرّاً غامضاً بالنسبة إليّ! وما زلت أتساءل كل يوم: كيف عرف الإسرائيليون مكان وجود السلاح؟ من أخبَرَهُم بذلك؟ كلّ هذه الأسئلة لا تزال ألغازاً بالنسبة إليّ. وحتى الآن، بعد خروجي من السجن، لم أتوصّل إلى تفسير منطقي كامل لها» (ص 72 و73) واقتادني الإسرائيليون إلى مركز المخابرات وبدأ التحقيق».
كانت مرحلة ثانية ومتألقة في مسيرة المطران كبوجي: «لقد دخلت السجن عن سابق تصوُّر وتصميم»! (يا الله!). مرحلة عزم وإرادة وعنفوان، فحاكَمَهُم بدل أن يحاكِمُوه، لكنهم حكموه بصلافة إرهابهم لا أكثر، «فقد كنت أريد أن أجعل من زنزانتي منبراً لقول الحق في وجه الباطل»، وفعلها ابن حلب. فعندما سأله بعتب السفير البابوي كيف أنت المطران، مطران القدس، تفعل ما فعلت وتهرّب أسلحة؟ أجابه بصوت جازم: «بعملها وبعمل أبوها!».
تكرّس اقتناعي بـ«أن المسيح كان الفدائيّ الفلسطينيّ الأول»


ثمة من أقواله وآرائه ما يجعل من ضمائر من ماتت ضمائرهم فيما لو قرأوها أن يستذكروا أن المطران كبوجي كان أكثر من مطران مقاوم، أو ثائراً لاستيفاء حقوق المظلومين. كان قديساً باعه ـــ لا ندري من ونرجو أن نعرف من؟ ـــ بثلاثين من فضة. من هذه الأقوال ومن رحم تلك التجربة: «التكتم سر النجاح، الصلاة جهاد، كنت طليعياً في الغضب والهدوء من كرهي أن أكون تابعاً، عندما تم توقيفي عملياً ارتحت، وعندما صدر الحكم لم أنزعج. كنت في حالة نفسية مختلفة تشبه الانخطاف الروحي خارج إطار الواقع المحسوس. لا يدرون مع أي نوع من الرجال يتعاملون. الحقيقة أنني قُمتُ بتهريب صواريخ الكاتيوشا إلى القدس. تُهَم لم أنكرها، ولماذا أنفي هذه التهم ما دمت لا أشعر بأي ذنب؟ كنت أشعر أني أقوم بواجبي وأعرّي العدو الإسرائيلي من خلال محاكمتي. التضحية بالنسبة إليّ تعني السعادة. كنت في حرب تحدِّ بيني وبين أعدائي. لقد بلغتُ درجة من الترفُّع عن الجسد جعلتني لا أشعر بالألم، بل على العكس كنت كلما شاهدت نفسي أذوب أشعر بالسعادة أكثر. في السجن فَقَدت الأمور المادية معانيها، واكتشفت ألواناً جديدة للسعادة يصنعها خيالي وأنسج ضحكاتها من ذكرياتي وأجملها في القدس ولبنان».
إذا كان المطران كما يذكر (لم أعرف ما هي الشروط التي فرضتها إسرائيل على الفاتيكان لإطلاق سراحي. لم أرَ أيَّ نص مكتوب. لم أوقِّع أيَّ تعهُّد)، فإننا نعرف ونشهد أن عباءة سوداء جلّلت هذا المقاوم، وتجلّت معه أنوار مقاومة.. إلى اليوم، إلى يوم تحرير كامل تراب فلسطين. تحقيقاً لروح المطران الفدائي!