ما ذنبي؟

ينظرون إليّ باستغراب كما لو أني الضال الوحيد بين هؤلاء الكرادلة، ما ذنبي؟ الجثت التي تعفنت من كثرة المشي بلا جدوى كدستُها في عربة الخشب وركضت بها في الشارع، لم أنتبه للموتى الآخرين ولا لعيونهم الوجلة وهم يصرخون متوعدين على الرصيف، هرولتُ لأن الوقت كان قد فات، وعلى مقربة من الحافة حبست أنفاسي ودفعت العربة بعينين مغمضتين إلى المنحدر.

جيورجيو دو كِيرِيكو «الْبَيْت ذو المصَارِيعِ الْخُضْر» (زيت على قماش، 1927)

الوحيد
كانت الفكرة تمر بطيئةً مثل عقرب في ساعة، زرعتُ الوهم في الأصيص وعرفتُ أنه سينمو، يؤلمني التفكير، وعيناي تؤذيهما دائماً الأشياءُ التي تلمع، وجوارحي ترتاح فقط للساعات المعطلة. سيبدو لهم الأصيصُ فارغاً، لكن نبتةً غريبة كانت تصعد باتجاه السقف، ولم يكن أحد يراها سواي، نبتة غريبة وعالية، وشيئاً فشيئاً تتخرب الغرفة، كانوا يبتسمون بشفاه واثقة وعيون تترنح، وكنتُ الوحيد الذي يغمره التراب.

سيأتي
اندلقت الكلمات في هذا البيت، ولا أحد بمقدوره الآن أن يصل، وأنا لن أخرج من هاته الغرفة لأبحث في الطرقات عن الحب. أنا لا أبرح مكاني، أجلس كأي عجوز مخذول، أسمع موسيقى من القرن الماضي وأصغي إلى نحيب الذكريات، أوصدتُ كل باب بقربي، وإذا كان الحب المجنّح سيأتي فالنافذة لا تزال مفتوحة.

أخيراً
المرأة التي كنتُ أفكر فيها طويلاً وجدتُها أمس في رواية، كانت تدفئ حرمانها بخشب المواقد، تزيح الستائر حين يمر باعة الورود، وحين يمر موكب الملك المجنون تغلق الشبابيك وتفكر في طفلها الميت دون أن تبكي. إذا انتهت الأشجار فسأستظلّ بالخزانة وأصغي إلى حفيف الكتب.

البحّار
أحلم بأن أملك مركباً، حتى لو كان من خشب قديم، لا يعنيني إن كان بشراع أو بدون شراع، سأضع قبعة صياد على رأسي دون أن أفكر في الصيد، وأضع قدماً على أخرى، وأنظر إلى حيث لا أرى شيئاً، أعرف أني سأرتاح كلما أبحرت أكثر، وأعرف أيضاً أن وجهك سيصعد من حين لآخر وستلمع عيناك المريضتان لتذكراني بأني أخطأت الوجهة. لا عليك، ربما طائر الغاق، رفيقي الوحيد، يعرف هو الآخر أن البحر أرحم لي من اليابسة.

حياة
إنني أراها بفمها الأدرد وعينيها البئيستين تمرق على المكنسة وقد دلّت قدميها في الهواء، على كتفيها بقايا من القش وتحت تنورتها السوداء المرقعة سرب من الغربان، تُقطّب حاجبيها الشائبين في وجهي كي أرتعش. كيف أخافكِ أيتها العجوز وخلفك يجثو الموت خجولاً مثل طود؟ منذ خمسمائة عام وأنا أشرب الشاي وأسمع الأوبرا ولا شيء تغيّر. رويدكِ، سنظل نلبس الجينز ونرتاد المقاهي ونكتبُ الشعر حتى ونحن موتى.

فزاعة
هذه الفزاعةُ لماذا ألبسوها جلباب جدّي؟ جدّي لم يكن يخيف الطيور. كان يترقب عودتها من الشمال ويفرش لها الحنطة في راحة اليد. الفزاعةُ السوداء في الحقل المائل أستعيدها الآن مثل رعب في منام طفل، لأنها لم تكن تخيف الطيور. كانت تخيفني أنا.

تماسيح
النهار يتلوه النهار، والليل لا يريد أن يمرّ. ليس عدلاً أن تفكري في شيء آخر فيما أنا هنا أفكر فيك، أعرف أنك وحيدة وكئيبة، وأن التماسيح تسبح في هوائك. كيف أحدثكِ عن الحب والقطارات تجتاح غرفتي؟ كيف أكتب لك عن الأزهار وبالكاد أرفع يدي وسط السافانا التي تنمو على البلاط؟

بَيْتِي
اَلْجَوُّ حَارٌّ خَارِجَ الْبَيْتِ، لَكِنَّ الْمَطَرَ يَسْقُطُ فِي غُرْفَتِي، وَبَعْدَ قَلِيلٍ سَتَنْمُو حَدِيقَةٌ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ، سَتَصْعَدُ شَجَرَةٌ مِنْ رُفِّ الْكُتُبِ، سَيَنْحَدِرُ شَلَّالٌ مِنَ السَّقْفِ، وَسَيَصِيرُ بَيْتِي غَابَةً.
* آسفي/المغرب