أتخذ شكلك، وأشعّكِ..

أشعرُ أن الهواء بيننا ينفتحُ على هواء آخر، له مذاق النبع، عندما يفور العطشُ، في تنور جسدكِ، ويتوق إلى العناق، فأضمكِ بحنان، بثقة مَن يعرف أنه امتلك، أخيراً، سرّ البقاء على قيد الطيران، رغم أن أجنحته قد انتُزعتْ منه، عنوة، منذ لحظة الولادة، فلا تحسبيني يائساً عندما ألعن هذا العالم، الذي يأخذكِ، مثل عصفور، إلى قفص التقاليد، لأنني أكثر قوة من شجرة، في العراء، تلعب بخواطر العواصف.
حبي، ليس حباً، بل هو ما لا اسم له، وهو ليس غراماً أو عشقاً، بالمعنى الدقيق، فقد يكون ولهاً، جنوناً، أو قد يكون حناناً ممطراً، ساخناً ودافئاً، لم يمر به بشرٌ قط، لأن غايته أن يحتلكِ، يعصفُ بجسدكِ، يمزقني في داخلكِ، فأتخذ شكلكِ، وأشعّكِ..

غوستاف مورو ـ «سالومي تَرْقص» (1886)

ابتسامتكِ
كنتُ أنتقي القميصَ، قميصكِ، من بين الثياب المنشورة لتجفّ، ثم أطرق الباب، زاعماً أن العاصفة قد حملته إلى سطح البيت، وكنتِ تعرفين أن ذلك محض هراء، إذ لا عاصفة تجرؤ على أن تعكّر جري الخيول المرسومة عليه، خاصة وأن الجو صحو، فتضحكين، تغرقين بالضحك، وتنشرين، على حبل حياتي، ابتسامة ندية مسبوكة بحرير صوتكِ.
آه، لو تعرفين أن تلك الابتسامة لبثت خالدة في حياتي، مثل اسمي، بل هي الزاد الأعظم من البراءة، الذي حملته معي، وأنا أقطع طريق الشعر المليء بالمكائد، وهي أيضاً، ضحكتكِ، تميمتي وحصني، كلما غزاني اليأس، أو كلما جرجرني الحنينُ، من ياقتي، إلى الصبا، إذ لم تتمكن منها فئران الزمن، لم تكنسها الريح العاتية، التي مرّتْ وكنستْ الأمان عن بلد بأكمله، طوال السنين، ولم تجفّ تحت أقسى الشموس، لحد الآن.

الرسالة
أحملُ معي، أين ما حللتُ، رسالتكِ التي لم تكتبيها، متحصناً خلف هذا الوهم ضد الصدأ، الذي سرعان ما يكتسح عواطف المخذول..
أحياناً أعثرُ على ابتسامة مهملة منكِ، لم يمسّني شعاعها، بين أوراق الذكريات، التي لا جدوى من تقلبيها، كما لو كنتُ شجرة تتفقد الزقزقات المنسية بين أعواد سرير عصفورها المختار، الذي غادرها، فجأة، ولم يعد أبداً.

مركز الثقل
هذه الأشياء التي أحتفظ بها : أنقلها معي أين ما حللتُ، أو أضعها تحت وسادتي حين أنام، والتي لا يفكرُ أحد في كونها تمثل مركز الثقل في حياتي: خصلة شعر، قلم رصاص، صورة امرأة مبللة بالمطر، ضاعت تفاصيل جسدها، زر من أزرار قميص، ملابس داخلية، وردة ذابلة، لكنها مبللة بقبلات لا تزال دافئة، مع ندبة أو خدش على جهة القلب..
هذه الأشياء الصغيرة، العابرة، والتي لا قيمة لها في نظر الآخرين، كانت لكِ، لكِ وحدكِ، وهنا تكمن قيمتها الكبرى، كما أنها أدلة دامغة على أننا كنا عاشقين من طراز نادر، فما حدث من انصهار وذوبان في الآخر، لم يكن قد جرى في الواقع، بل في منام، لا يريد أن يصدقه أحد..

عندما تلعثم البرق على شفتيك
ارتبكتُ حينَ رأيتكِ، في تلك اللحظة، التي خسرتُ فيها الألم والحب معاً، مثل وتر مقطوع، فجأة، مسّه الطربُ.
لم أنكسر، لكنني تهدمتُ، ومع ذلك أكملتُ مهمتي، وسألتكِ إن كان ممكناً ذرف دمعة من حنانكِ، لأجل هذا الحطام. لم أنطق إلا بهذا، لأنكِ تعثّرتِ، وفتح الزحام ذراعيه الواسعتين، فأبتلعك: غرقتِ فيه، ولحقتك، كما لو جاءني الوحي بالرسالة: إن أصدق تعبير عن الحب هو ذلك المخبوء في الكلام المتعثر، الذي رأيته جلياً، عندما أشرقَ شحوب وجهكِ، وتلعثم البرقُ على شفتيكِ.

أنفاسكِ
لا أتذكر مرة، مرة واحدة، نظرتُ إليكِ بغير نظرة المحب، فيما أنتِ غارقة في اللامبالاة، وكنت أفعل ذلك، أفعل ما يليق بي من انبهار، لئلا يتحطم سحر الملاك، الذي نسجتُ بدلته من خيوط فكرتي عنكِ..
لم يرتبط حبي بكِ، بتقلبات المناخ العاطفي، أو بألوان ثيابكِ. لقد أحببتُ فيك شيئاً غامضاً، لا أعرف ما هو، ولم يزعجني أبداً أنكِ لا تعرفين شيئاً عن عبادتي للهواء، الذي يفصل بيننا، ما دام يحمل فراشات، لم يرها أحد قط، تنطلق نحوي، مخضّبة بأنفاسكِ..
* شاعر عراقي