كان فائق رجلاً شديد الالتباس، لا يمكن التعامل معه إلا وفقاً لتصوراته، فقد نشأ غريباً لا يعرف الكثير عن طفولته، وانتشرت حوله الكثير من الأقاويل، في حياة لا يملك فيها سوى مسجل من نوع قيثارة أسود وأشرطة كثيرة لعبادي وسلمان المنكوب، ويدعي أنه اكتشف الشوائب في صوت ياس خضر.

«فاقد الأمل» لغوستاف كوربيه (1841)

يومياً يعبر إلى السوق حاملاً تلك الأشرطة مصحوباً بالشتائم والبصاق والحجارة، فالمجانين لا ينعمون بأي مستوى من الهدوء في المناطق الشعبية، ويشكل مرورهم النادر، مع مرور الكلاب والقطط، مادة غنية للركض والصراخ.
أغرب ما يثيره انتباه الآخرين له، أنه كثير التلفت، حتى تشعر أن ثمة شخص، غير معيَّن، يملك زاراً ليقوم بتلك الحركات السريعة، وقد تشعر أن رقبته مطاطة لدرجة يمكنه وضعها في الجيب الخلفي. لذا يبدو مستحيلاً التنبؤ بحركته القادمة، وإن صادفتَه مرة وهو في حالته الطبيعية سوف يطلب سيجارة، قد يحدثك عن أسعار العلكة والأحذية واختفاء الشوارب من على أفواه الجميع واستبدالها بالذقن، لِذَا هو راسخ في الحياد، خالي تماماً الشعر، سمع عنه الكثير؛ لكن أغرب ما يمكن سماعه من حكاياته هو اكتشافه لمادة تعالج الحساسية والحك، فهو يقول إن في الأظافر أدويةً فعالة لتجنب أيّ تحسس، والغريب في الأمر أنه يسلخ جلده في اليوم مرتين جراءَ تجريب هذا الدواء العَجَبِ. وقد يفاجئك في حركة خفية يقتل بها ذبابة ما ويقول: ها قد اصطدت طائر الخوف الأسود تواً. ما أكثر الطيور التي تَطِنُّ في رأسه! ذات يوم، صحا الجميع على صراخ أمه العجوز التي ليس لها غيره، لقد مات أثناء تجريبه الطيران: وَجَدَتْ رأسه مهشماً عند عتبة الدار. وفي العزاء تناقلت النسوة ما كان خفياً من عجائب فائق، ذلك المجنون الدقيقِ في قياس حرارة الشمس [فهو يعرف مواقيت نادرة تكون الشمس فيها لاهية بالوقوف على أشياء أخرى غير أدمغة البشر].
تركت أمه الباب مفتوحاً أمام المعزين ليوم أو أقل. لكن صوتاً غريباً كان يصاحب الداخلين إلى تلك الباحة التي كان فائق دوماً ينتظر فيها أشباحاً لا يمكن تعدادهَا.
في اليوم التالي، نسي الجميع ذلك الملتبس الذي ما أن جربَ الطيران حتى خرج من الحياة، عبر تلك الأحلام الصغيرة التي تُخَلِّصُ من هذا العبء الذي يدعى حياةً. وهذا ما جربه صاحب الشخصية المغلقة على نفسها، مثل حشرة تكورت بفعل الخوف. هكذا خرق المألوف في صور فانتازية، بينما بقي الصغار ينتظرون ذلك الأسمر النحيل دون جدوى.
* العراق