«يا يمن... أنا في رهبة منك» وثمة مثل يمني يقول: اليمن فتاكة. اليمن، الذي عرفه الإغريق بأنه سعيد لثرائه بكل ما كان يثير شهية الأثرياء الحكام والأباطرة، من توابل وعطور وأولها البخور واللبان اللذان عرفا بأنهما «غذاء الآلهة» ومعادن ثمينة لا حصر لها، كان في الوقت نفسه الإقليم الوحيد في العالم القديم الذي استعصى على إمبراطوريات العالم القديم، ولم تتمكن أي قوة من احتلاله. الإسكندر المقدوني، الذي غزت قواته العالم القديم، أرسل أحد جنرالاته لتفقد ساحل عُمان واليمن، فأثار منظر جبال اليمن الشاهقة الرعب في قلبه وفي قلوب رجاله، فعاد إلى بابل خائباً. والإمبراطورية الرومانية أرسلت عشرة آلاف جندي بقيادة أحد قادة جيوشها لاحتلال «العربية السعيدة». لم يعد من تلك الحملة سوى فرد واحد ليخبرهم بالهزيمة المروعة التي لحقت بالإمبراطورية التي لم تحاول تكرار غزوها. كما استعصى اليمن على غزاة العالم الحديث، من برتغاليين وإنكليز، فاكتفى الأخيران باحتلال بعض أنحاء الساحل.


هذه المقدمة ضرورية لفهم الرسالة الرئيسة في كتاب «تدمير اليمن - العالم من منظور الفوضى في جزيرة العرب» لعيسى بلومي (Destroying Yemen: what chaos in arabia tells us about the world. university of california press 2018). لا شيء سيهزم اليمن: لا عدوان جيوش أحفاد مسيلمة الكذاب وعيال إيفانكا ترامب وبعض الملاحق التافهة والمرتزقة الأجانب، ولا المدعومين من حلف الناتو والعدو الصهيوني الذي شارك مشاركة مباشرة في الغارات الجوية المنطلقة من قواعد آل سعود في جزيرة العرب، والمستمر منذ آذار (مارس) عام 2015، بهدف إخضاع بلاد عصيت على كبار الإمبراطوريات قديماً وحديثاً، واستعباد شعب أبيّ يدافع عن نفسه وعن وطنه وبلاده وتاريخه وثقافته، في وجه قوى ظلامية لا تعرف سوى الغزو والغنيمة، ويتهيأ لها أنها بأموالها قادرة على إطالة عُمر كياناتها وعروشها القصبية الزائلة قريباً.
يوضح الكاتب أن مقاومة الشعب اليمني لقوى الغزو الغاشم وقواته، ما هو سوى جزء من المشهد الأكبر الذي يغطي مواجهة محاولات إخضاع اليمن للرأسمال العالمي والتطور وفق الاقتصاد النيوليبرالي. فعمليات تحالف أحفاد مسيلمة الكذاب وغلمان إيفانكا ترامب، تهدف إلى القضاء على مقومات الحياة كافة في ذلك البلد المفجوع، أيضاً بسبب صمت ما يسمى «المجتمع الدولي» المدوي تجاه أكبر كارثة إنسانية تشهدها المنطقة. عبر سبعة فصول، يظهر الكاتب كيف أن الصناعة التطويرية التي قادتها الإمبريالية العالمية بقيادة واشنطن، بدعم من التجمع الصناعي الحربي في الولايات المتحدة (مصطلح اجترحه الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور) وبالارتباط مع صناعة النفط، عملت على تدمير ذلك البلد الزراعي الذي امتلك عمقاً وخبرات لا مثيل لها، تمتد لقرون حمته من تأثيرات المناخ والبيئة.
يبرز الكتاب براعة اليمنيين في حماية بلادهم ومصالحهم


كما يشرح خبرة اليمنيين وبراعتهم في حماية بلادهم ومصالحهم من أعاصير الحرب الباردة. ويوضح أيضاً، على نحو مفصل، أن محاولات واشنطن ولندن الهيمنة على اليمن، تمثل جزءاً من محاولات الهيمنة على المنطقة ككل، وبأن مقاومة تلك المحاولات الاستعمارية ما هي إلا حلقة في سلسلة مقاومة الاستعمار الجديد. ويطلق الكاتب صفة «الإمبراطورية» على القوى الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تسيدت العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
المؤلف صرخة ضد جرائم آل سعود وآل نهيان في اليمن، وضد ما يسمى «المجتمع الدولي» الصامت عن هذه الجريمة المروعة بحق شعب أبي يرفض الاستعباد أو الخضوع. لذلك، فمن غير الممكن الكتابة عن اليمن، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً بالتجرد من العواطف الإنسانية البديهية، لكن من دون الانتقاص من حق العلم والحقائق على السرد، وهو ما يقدمه هذا المؤلف المهم.
لكن العدوان على اليمن، هذا البلد الاستثنائي في جماله وثقافته وشعبه، لا يتوقف. إن الدمار الذي تلحقه قوى العدوان يهدف إلى مسح تاريخ تلك البلاد وتاريخ شعبها، والقضاء على ثقافة متميزة في جزيرة العرب.
أخيراً نردد القول المنسوب إلى النبي محمد: «أتاكم أهل اليمن، هم أرقُّ أفئدةً، وألين قلوباً. الإيمان يمان، والحكمة يمانيَّة، والفخر والخُيَلاء في أصحاب الإبل، والسَّكينة والوَقَار في أهل الغنم»، والخُيلاء تعني التكبر والغرور.