أثارت الهجمات الإرهابية على برجي التجارة العالمية في نيويورك وتفجيرات لندن 7/7 وإعصار كاترينا والدمار الذي لحق بمنزل جورج بوش الأب وانفجار مكوك الفضاء كولومبيا، ردود فعل قيامية قوية وواسعة لدى القادة المسيحيين الأميركيين، ومنهم وليام كينغ، أعادوا أسبابها إلى الموقف السلبي [كذا!] لبعض الدول الغربية الاستعمارية من كيان العدو الصهيوني.


لكن هذا ليس بالجديد، إذ إن السياسي الإنكليزي السير إدوارد نيكولز ـــ وزير الدولة لدى الملكين تشارلز الأول والثاني وعضو مجلس العموم بين عامي 1621 و1629 ــــ أكد عام 1651 أن طرد الأشكناز من بريطانيا عام 1290 هو سبب اندلاع الحرب الأهلية وعقاب لبريطانيا على ذلك. وفي الوقت الذي كان القائد السياسي والعسكري أوليفر كرومويل (1658-1599) يُعِد فيه سياساته، أطلق الزعيم المعمداني توماس كولييه (1615-1691) تحذيره بأنّ لإلهه موقفاً خاصاً من اليهود، وأنه سينتقم ممن ألحق الأذى بهم. ولذا على إنكلترا الاهتمام بهم ورعايتهم على نحو خاص. وهو يتطابق مع موقف وليام كينغ آنف الذكر: من يحرص على مستقبل أمته عليه الحرص على اليهود. وهذا يعني تطابقاً بين موقف إنكلترا الكرومويلية مع موقف جورج بوش الابن. فما يسمى «إعادة اليهود/ restoration of the jews» إلى فلسطين، سواء على أرضية تأويلية أو برامج طوباوية أو سياسية نفعية، هو أحد عوامل تشكّل الهوية القومية لدى الطرفين، الصهاينة المسيحيين قديماً وحديثاً.
بالتالي، فإنّ كتاب «الصهيونية المسيحية والهوية القومية الإنكليزية 1600-1850» لأندرو كروم (
Christian Zionism and English National Identity, 1600–1850. Palgrave Macmillan 2018) يتفحص تلك الروابط التي استعملت لبناء هوية قومية في إنكلترا بين عامي 1600 و1850. تباعاً لذلك، فإن المؤلف يوضح كيف أن التأويل الآخروي (eschatology) أثر في أفكار الهوية القومية ورسم السياسات والعلاقات بين المسيحيين واليهود على أرضية المهمة القومية. في أول آب (أغسطس) 1990، نشرتُ في صحيفة «القبس» الكويتية ملخص ترجمتي لفصل من رسالتي لنيل شهادة دكتوراه الفلسفة في ألمانيا. أوضحت فيها أن انفجار دعوات «إعادة اليهود» ارتبط باندلاع الثورة الفرنسية (1798-1799)، وأنه شكل ردة فعل من الرجعية الإنكليزية على رياح التغيير الهابة من باريس، ومحاولة لتجميع صفوف الرجعيات الأوروبية لمواجهة ذلك المد الثوري، بمقياس ذلك الزمن طبعاً.
هذا المؤلف يذهب أبعد من ذلك التاريخ، إذ يعيد اندلاع تلك الأفكار القيامية إلى ما قبل الثورة الفرنسية بقرن، مع أن الكاتبة الإنكليزية باربرا توشمان أوضحت في مؤلفها Bible and Sword أن تطلع الإنكليز لإقامة علاقات روحية ومادية في فلسطين تعود إلى تاريخ قبل ذلك.
يؤكد الكاتب أن اندلاع موجات الصهيونية المسيحية في إنكلترا، ارتبط على الدوام بمشاكل داخلية للنظام، الذي عمل عبر مؤسساته على ربطها بالتأويل الديني القيامي. وهو إذ يتوسع في بحثه الشيق، يلتفت إلى مسائل عديدة ذات علاقة ومنها تمييز الانتقاء أو الاصطفاء (elect) من الاختيار (choose)، وإن كانت إنكلترا قد اصطفاها الخالق لما يسمى إعادة اليهود، أم أن ذلك كان اختياراً. وهل كان على إنكلترا الانعزال لتنفيذ المهمة الألفية التي ألقاها الإله على عاتقها، وإن كان اختيارها يعني حلولها محل «الشعب المصطفى». وهو بالتالي عرج على تفاصيل معنى المصطلحين، وأثر ذلك في النقاش الذي دار في ذلك الوقت بخصوص العلاقة مع اليهود، إضافة إلى جوانب أخرى مرتبطة بموضوع المؤلّف.
يتعامل الكاتب على نحو رئيس مع النقاط الآتي ذكرها:
الرب اختار إنكلترا، لكن بعد إسرائيل التوراتية. يمكن فهم مرام وجود الأمة من منظور العلاقة مع إسرائيل التوراتية. لذا لم ينشأ أي تضارب بين الطرفين ذلك أن الأخيرة هي الوحيدة المصطفاة. أما إنكلترا فهي مختارة.
لدى أمة إنكلترا مهمة تجاه إسرئيل (إسرائيل التوراتية) والعقاب ينتظرها في حال إهمالها مهمتها هذه. والمهمة هذه تتشعب إلى مسرح سياسي وآخر تأويلي ألفي.
«إعادة اليهود» إلى فلسطين، هو أحد عوامل تشكل الهوية القومية


في حال ارتكاب أمة إنكلترا ذنباً من الذنوب، فإن الوعي القومي يمكنه أن يعكس الحكم الإلهي بالإحالة إلى دورها بصفتها «المختارة». الأمة بإمكانها التعبير عن ندمها على ما ارتكبته من ذنوب بحق إسرائيل عبر عمليات سياسية محددة.
مع أن كون أمة إنكلترا مختارة ما يعني منحها مركزاً متقدماً في التأويل الألفي، فإن إمكانية فقدانها مركزها هذا قائم، والجزع الناتج من هذه الإمكانية يمكن أن يشكل دافعاً لمستقبل أفضل.
لكل ما سبق، فإن اليهود يؤدون دور المشرع لأمة إنكلترا من خلال تكليفها بمهمة تنفيذ الحكم الإلهي كما يرد في نبوءات أنبياء التوراة. لذا، فإن بقاء اليهود أمة (منفصلة) حيوي لإثبات صحة الإيمان المسيحي، وبرهان على صحة الوعد الإلهي بوقف ارتداد أمته.
أما محتوى المؤلف فهو كما يلي:
1) مقدمة.
2) هل سيعودون مجدداً إلى أورشليم؟: إعادة اليهود في الفكر الإنكليزي المبكر.
3) المجد لمن يمجد الرب: مؤتمر وايتهول الخاص بإعادة اليهود عام 1655. 4) انظر بعينيك وآمن بالكتاب المقدس: النزاع بخصوص قانون اليهود عام 1753.
5) جهل وهوس وربما جنون: إعادة اليهود وأزمة قومية 1793-1795.
6) حَوِّل نظر اليهود نحو إنكلترا: نزاع في أبرشية القدس 1840-1841.
7) خاتمة.
في ظننا، يبين المؤلف على نحو واضح معنى الفقرة الآتي ذكرها، وهي مستقاة من رسالة اللورد بلفور إلى اللورد كرزون بتاريخ 11 آب (أغسطس) 1919: «في فلسطين نحن لا نقترح حتى الالتزام بشكلية أسلوب الاطلاع على رغبات سكان البلد الحاليين. القوى العظمى الأربع ملتزمة بالصهيونية. والصهيونية، سواء كانت محقة أو مخطئة، جيدة أو سيئة، متجذرة في تقاليد تعود لأجيال، وفي الاحتياجات الحالية والآمال المستقبلية والتي تتمتع بأهمية أعمق بما لا يقارن من رغبات وآراء العرب السبعمئة ألف الذين يعيشون حالياً في تلك الأرض العتيقة.