جلب ما يسمى الربيع العربي الدمار والخراب المادي والنفسي إلى العديد من الدول العربية وسكانها من مختلف الأديان والمذاهب. إلا أن تأثيراته التدميرية بحق المسيحيين العرب، كانت أكثر وطأة من غيرهم؛ لكن من دون أن ننسى المذابح التي نفذتها العصابات التكفيرية الإجرامية، وفي مقدمتها خلافة إبراهيم البدري الكاريكاتورية، بحق الآخر (الغير).


من هنا، فإن تسجيل تاريخ مختلف الطوائف العربية في بلاد الشام يضحي أكثر إلحاحاً. ولذلك، فإننا نرى أنّ كتاب «المسيحيون الأرثوذكس العرب في الدولة العثمانية: 1516-1831» (مترجم عن الروسية إلى الإنكليزية. تقديم: البطريرك يوحنا العاشر لأنطاكية وسائر المشرق 2016. نسخة رقمية/ 1044 صفحة تحوي رسوماً ومصورات عديدة ــــ Arab Orthodox Christians Under the Ottomans 1516-1831. holy trinity monastry 2016. by Samuel Noble (Translator), Constantin Alexandrovich Panchenko (Translator), Brittany Pheiffer Noble (Translator)) يملأ فراغاً قد طال في تاريخ المسيحيين العرب على نحو عام، وفي تاريخ المسيحيين الأرثوذكس العرب على نحو خاص. نقول هذا وليتنا نرى نسخة مترجمة إلى العربية كي تعمّ الفائدة على كل من يهتم بالموضوع. كما نأمل إدخال تاريخ المسيحيين العرب في بلاد الشام وجزيرة العرب وشمالي أفريقيا في المناهج المدرسية بما يمكن الأجيال الناشئة من معرفة تاريخها وتاريخ بلادها وأجدادها على نحو علمي بعيد من التأويلات السياسية والفكرية المعوجة. فإمكانية فقدان هذا التاريخ قوية للغاية، كما أظهرت أحداث «الربيع العربي» على نحو محزن ومثير للقلق. كما وجب على المسؤولين العمل على محاولة استعادة مجتمعاتنا بكل ألوان الطيف، بعدما جردها الإسلام التكفيري من كثير من الألوان الزاهية. من دون هذه الخطوات الأساس، يبقى التاريخ (وتأويلاته) محصوراً بنخب من مختلف المشارب والاهتمامات والتفسيرات وما إلى ذلك من عوامل تسهم في تزوير التاريخ وفق أهواء مختلفة.
لقد حظي تاريخ المسيحيين العرب في القرنين الأولين للهجرة بانتباه كثير، لكن تاريخهم في القرون اللاحقة، خصوصاً في العهد العثماني، قلما انتبه إليه أهل الاختصاص. لذا، فإن هذا المؤلف الذي وضعه العالم الروسي قسطنطين باتشينكو، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في «جامعة لُمُنُسُف» في موسكو، يكتسب أهمية خاصة كونه يسجل تاريخ المسيحيين الأرثوذكس العرب في ما أسماه «الإقليم السوري-الفلسطيني»، وهو المصطلح المعتمد في مؤلفات التاريخ ذات الصلة كافة، ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بأسماء المقاطعات التي سادت في العهد الروماني. يعتمد الكاتب على وثائق أصلية عُثر عليها في محفوظات الدولة الروسية وأفاد أيضاً من مراجع ثانوية لم يسبق أن أُخذت في الاعتبار من قبل، وكذلك مجموعة من المراجع الشخصية ذكرها الكاتب في مؤلفه الفذ.
الاستعراض التاريخي الوارد في هذا المؤلف، يوضح كيف تمكن المسيحيون الأرثوذكس العرب من المحافظة على تميزهم الثقافي والاثني من الطوائف المسيحية الأخرى. وكل ذلك في حالة سيادة المسلمين على البلاد عرباً وعثمانيين، الذين كانوا متسامحين إلى حد كبير تجاه «أهل الكتاب»، ورغم الضغوط الكبيرة التي فرضها الحكام المماليك عليهم.
عاشوا تمايزهم وخصوصيتهم بحرية في ظلّ سيادة المسلمين على البلاد


من هذا المنظور، فإن هذا المؤلف يؤرخ لمرحلة أوسع بكثير من مسألة التاريخ الديني. ذلك أنه يتسع لحفظ التاريخ الأوسع ويتضمن مقومات التاريخ الثقافي والجغرافي - السياسي، والإثنوغرافي التاريخي والدبلوماسي وعلم الاجتماع وديناميات النزاعات العسكرية وتقلبات العلاقات الإثنية، أي مجمل أسلوب حياة المسيحيين العرب.
كما عمل الكاتب على عرض متكامل لمختلف مناحي حياة المسيحيين الأرثوذكس العرب في العهد العثماني مقدماً في الوقت نفسه عرضاً للديموغرافيا والبنى الاثنية-الاجتماعية والعمليات التي تمت في تلك البيئة، وعلى نحو خاص طبيعة العلاقات اليونانية العربية في الشرق الأوسط بما يوضح تفاعل أرثوذكس سوريا وفلسطين مع مسيحيي الإقليم في داخل الدولة العثمانية وخارجها.
ثمة تفاصيل كثيرة يحويها المؤلف ومن ذلك الشرخ في الأرثوذكسية المشرقية بين الكنيسة الملكية وإنطاكية. كما يتعامل مع جوانب من علاقة المسيحيين الأرثوذكس في سوريا بمصر لأنه يتناول بالذكر العلاقة مع الكنيسة القبطية.
أما محتوى هذا السفر الثمين فهو كما يلي:
1) السياق التاريخي: المسيحيون الأرثوذكس تحت الحكم الإسلامي من القرن السادس إلى الخامس عشر.
2) السياق السياسي: الدولة العثمانية والكنيسة الأرثوذكسية.
3) الجغرافيا والديموغرافيا.
4) رعاة ورعية.
5) أديرة ورهبان.
6) دولة داخل دولة: علاقات إمبريالية داخلية في الشرق الأرثوذكسي.
7) الأمكنة المقدسة.
8) علاقات مع الخارج.
9) الكاثوليكية الأحادية.
10) ثقافة الشرق الأرثوذكسي.
11) استنتاجات.
وقد أثرى الكاتب المؤلف بملاحق عن السلاطين والبطاركة وبشرح للمصطلحات اللاهوتية الواردة فيه بما يساعد القراء من غير أهل الاختصاص.