هناك كتب مُترجمة تشدّك إليها بمغناطيس اللغة الموازية، وكتب أخرى تبدو كما لو أن عجلاتها بحاجة إلى تزييت رغم شهرة وأهمية الكاتب في لغته الأم! فتّش عن المترجم إذاً، عن تلك الحساسية التي تتسلل برشاقة إلى النصّ في نسخته الثانية. كان سامي الدروبي الذي ارتبط اسمه بترجمة الأدب الروسي، يُترجم عن الفرنسية، لكنّ أحداً لم يبلغ رهافته في ترجمة الأعمال الكاملة لدستويفسكي (18 مجلداً).

«ثلاث دراسات لرسم لوسيان فرويد» للبريطاني فرانسيس بيكون (زيت على كانفاس ــ 198×147.5 سنتم ــ 1969)

ولفرط حرصه على عمله، كان أثناء مرضه، ينزع أنبوبة الأوكسجين، ويغادر سريره ليلاً، لإحضار المعجم كي يتأكد من صحة كلمة ما في «الحرب والسلم» لتولستوي. وحين باغتته ابنته محتجة على مغادرته السرير، أجابها «إنّ كلمة تقلقني، وأظن أنّني ترجمتها خطأ، سأراجعها وأعود إلى النوم، اذهبي واستريحي»، فكانت ليلته الأخيرة. ولكن هل المترجم هو مؤلف الظلّ حقاً؟ بمعنى أنه يضاهي في ترجمته بلاغة النص الأصلي ويحفر في مجراه عميقاً؟ وهل يلعب أسلوبه الشخصي دوراً في الصياغة النهائية للنص؟ ذلك أننا نقع على نصوصٍ مُترجمة لكتّاب مختلفين بتوقيع مترجم ما، لكنها متشابهة في الإيقاع والنبرة السردية، رغم اختلاف أساليب كُتّابها لجهة بناء العبارة، وطول أو كثافة الجملة، ثم سننجذب إلى هذه الترجمة أو تلك لعملٍ ما، تبعاً لرصيد المترجم لدى قرّاء الضاد بخصوص النَّفَس في طهي النص وتقليب تربته بمهارة، ووضع التوابل الجمالية بمقادير مضبوطة، بحيث «أن نقول الشيء نفسه تقريباً» حسب عنوان كتاب أمبرتو إيكو في الترجمة. وتالياً ما هي النسبة المقبولة في خيانة النصّ؟ وإلى أي حدّ نحتاج إلى عبارة بول فاليري في هذا السياق «أوصيك بالدقّة لا الوضوح»؟ لقد انقضى زمن مصطفى لطفي المنفلوطي في الترجمة، ولم يعد مقبولاً أن نقرأ «تحت ظلال الزيزفون» بالصياغة نفسها، بات «الترجمان» جسراً متيناً لردم المسافة بين لغتين، أو كما يطالب سمير جريس بأن تكون الترجمة «ضد الإعجام»، فيما ترى روز مخلوف أن «الترجمة عمل شاق يقتضي قدراً كبيراً من النزاهة»، وتوصي لطفية الدليمي بالشغف كعلامة أساسية في اقتحام حقل الترجمة. ما هي أحوال الترجمة إلى لغة الضاد؟ وما تأثير أسلوب المترجم في تظهير صورة النص الأصلي؟ وما هي العقبات التي تواجهه في هذه المهنة السحرية الشاقة؟ أسئلة توجهنا بها إلى كوكبة من المترجمين العرب، فكانت هذه الشهادات:

صوت المؤلف أولاً

سمير جريس *
هل المترجم هو مؤلف الظل؟ في طرح السؤال على هذا النحو امتهان ما للمترجم وعدم تقدير لإنجازه. كأن الذروة التي يصل إليها مَن يمسك بالقلم (أو مَن يكتب على الكمبيوتر) هي أن يكون مؤلفاً. أما ما دون ذلك فهو أقل قيمة، شيء ناقص يسعى إلى الكمال. ربما لهذا يسألني كثيرون: ألم تشبع ترجمة؟ متى ستكتب. والسؤال بصيغته هذه يذكرني بمقولة قديمة، مشابهة، هي أن «الناقد كاتب فاشل».
سؤال الترجمة والتعريب سؤال قديم. هل نأخذ القارئ إلى النص الأجنبي (الترجمة)، أم نُحضِر النص إلى القارئ ونزيل عنه كل غرابة (التعريب)؟
منذ بدايات الترجمة والمدرستان تتجاوران، مدرسة الترجمة الأمينة التي تنزلق كثيراً إلى الحرفية، ومدرسة التصرف أو التعريب الذي يصل إلى حد التأليف الجموح. أعتقد أنه آن أوان الابتعاد عن هذه النظرة الأحادية التي لا تعرف سوى الأبيض والأسود.
لقد أصبح من البديهي أن نقول إن على المترجم ألا يتقيد حرفياً بأسلوب الكاتب، وإن هناك سمات لغوية لا بد من إخضاعها إلى اللغة المُترجم إليها، لكن هناك ملامح على المترجم محاولة إبرازها في ترجمته، حتى يشعر القارئ أنه لا يقرأ سمير جريس، بل دورنمات أو دليوس أو شولتسه.
على النص المُترجم أن يكون عربياً قويماً، هذا شيء بديهي، ولكن إذا استطعتُ أن أبيّن الفروق بين أسلوب ولغة إلفريده يلينك وتوماس برنهارد ودافيد فاغنر، فقد حققت نجاحاً أكبر. غير جائز في رأيي، مثلاً، أن يقدم المترجم نصاً رصيناً بليغاً مليئاً بما يسمى «المسكوكات اللغوية» أو التعابير الاصطلاحية، في حين أن العمل الأصلي يثور تحديداً على هذه البلاغة المتقادمة أو يسخر منها، ويتعمد استخدام لغة الحياة اليومية.
إنني أحاول ــ قدر الإمكان ـــ الحفاظ على اختيارات الكاتب الذي أترجم له، فإذا كان يتعمّد التكرار كسمة بلاغية، مثل توماس برنهارد في كتابه «صداقة»، فلا بد أن يلاحظ القارئ العربي ذلك. وإذا كان الكاتب الألماني قد اختار أن يكتب جملاً قصيرة شعرية مكثفة، مثل فولفغانغ بورشرت، فسيكون من الخطأ ألا يتعرف القارئ العربي على خصوصيات أسلوبه. هذا ما حاولته مع يلينك في ترجمتي لرواية «عازفة البيانو» (2005)، وهي رواية أعتز بترجمتها لأنها حافلة بالصعوبات، مثل السخرية والتلاعب اللفظي وكثرة الإحالات التاريخية والثقافية. حاولت في ترجمتي أن أجد لغة وأسلوباً شبيهاً بالأصل، بحيث - إذا استخدمنا العبارة الشائعة - لو كتبت يلينك نصها بالعربية، لخرج هكذا (ولكن بتفكير يلينك ولغتها وبلاغتها المختلفة تماماً عن البلاغة العربية). أنا ضد الإعجام، أي أن يبدو النص المترجم أعجمياً مثل كثير من الترجمات المغاربية عن الفرنسية التي تستشف منها على الفور بنية الجملة الأصلية وتركيبها. لكني في الوقت نفسه ضد محو شخصية الكاتب، ضد أن تكون بصمة المترجم طاغية على كل نص.
لا بد من إيصال «صوت» المؤلف إلى اللغة الأخرى، والمحافظة على «روح» الأصل. يبدو الأمر سهلاً وبديهياً، لكنه في الحقيقة هدف بعيد المنال في كثير الأحيان.
* من ترجماته: «عازفة البيانو» لإلفريده يلينك

أوصيكم بالنزاهة

روز مخلوف *
أمام هذا السؤال، أتذكر على الفور بداية عملي في قسم التأليف والترجمة في وزارة الثقافة. أثناء مراجعة بعض المخطوطات المترجمة لبعض المترجمين، كنت أجد اجتهادات لا تمت بصلة للنص الأصلي، مثل إضافة صفات، بهدف إضفاء جمالية يراها المترجم معزِّزة للنص، أو أحياناً إضافة تعليقات وربما تفسيرات لبعض الأفكار، والأسوأ حذف فكرة ما أو فقرة ما أو حتى صفة ما... هنا بالذات، كنت أجد التدخل غير لائق أبداً، والأرجح أنه يعود إلى حرص المترجم على تبرئة نفسه من أفكار المؤلف (!) في حال كانت تلك الأفكار لا تروق له..
في أحيان أخرى، كانت الإضافات تشبه محاولة لتفسير فكرة ربما لم يتوصل المترجم إلى تفكيكها في ذهنه بما يكفي لأدائها بالشكل المناسب.
طبعاً لا يمكن فصل هذا التعاطي مع النصوص الأجنبية عن ثقافتنا الإنشائية التي ترى في التدخل أمراً إيجابياً ونوعاً من إثبات الذات.
عموماً الترجمة عمل شاق يقتضي قدراً كبيراً من النزاهة، وهو اختبار لهذه النزاهة، مثلما يقتضي أن تتمكن من التماهي تماماً مع ثقافة النص الذي يُنتظر منك أن تترجمه. هذا لا يمنع بأنه عندما ينتهي المترجم من ترجمة نص ما، وبكل نزاهة، ودون أن يقحم نفسه أو ثقافته سواء بإضافة أو بحذف أو بتعليق...، فإنه لا يستطيع منع نفسه من شعور داخلي ممتع وغير مؤذٍ بأن هذا النص الجديد هو بشكل ما، نصه..
إذا كان التعريب هو جعل النص الأجنبي ينطق بلسان البيئة المستهدفة، فهذا عمل مختلف عن الترجمة. لأنك عندما تترجم من لغة ما، فأنت تنقل ثقافة تلك اللغة وبالضرورة بيئتها، وإذا لم تفعل ذلك فما فائدة عملك!
مسألة العقبات التي يمكن تذليلها عموماً بالبحث، مرتبطة بالدرجة الأولى بهذا الجانب. وليست الصعوبات اللغوية التي تتفاوت تبعاً لموضوع الكتاب الأصلي، سوى مظهر من مظاهر الفعل الذي يضعك أمام تحدي نقل ثقافة أخرى بكل عناصرها إلى ثقافتك.
* من ترجماتها: «الخلود» لميلان كونديرا

مؤلف تابع

أحمد عبد اللطيف *
المترجم الأدبي، مبدئياً وبحسب قانون الملكية الفكرية الأوروبي، مؤلف، وبالتالي له الحقوق المترتبة على ذلك. لكنه بشكل عملي «مؤلف تابع»، مؤلف يقتفي أثر المؤلف الأصلي، لكن اقتفاء الأثر كمهمة لا تعني السير فوق الخطوات الأولى بالضبط، إنما يمكن الاقتفاء، بقليل من المخالفة، كوسيلة للوصول إلى القِبلة. المجد الحقيقي يناله، عن استحقاق، مَن صنع الخطوات الأولى، أما مقتفي الأثر، هذا الشخص الذي قادنا في الطريق وأدى بنا إلى القِبلة، فينال أيضاً «استحقاقاً تابعاً»، مجداً ما كمعيد لإنتاج الإبداع. بكلمات أخرى، كلما استطاع مقتفي الأثر أن يختفي، سُلِط الضوء أكثر على صانع الخطوات. من هنا يجب أن يختفي المترجم، والمهارة الحقيقية أن يخفي أصابعه، حتى يبدو أن النص المترجم قد تُرجِم بيد غير مرئية. أنا أحب أن أكون مؤلفاً في الظل (كنت أتمنى ألا يظهر اسمي على مؤلفاتي أو ترجماتي)، كما أحب أن أكون المترجم المختفي. لذلك أتفادى قدر استطاعتي ظهوري عبر حواش، وأقاوم أي إحالة في النص تكشف عن وجودي. هذه مهمة صعبة على المترجم إلى العربية، صعوبة لا يجدها المترجم الأوروبي مثلاً حين يترجم من الإسبانية إلى الفرنسية. الصعوبة هنا هو اختلاف الثقافة والسياق الذي تولد فيه النص. هل هو «الله» أم «الرب»، هل هو عيسى أم يسوع أم جيسوس؟ هل هي «إلى رحمة الله» أم «فليسترح في سلام»؟ اللغة العربية محمّلة باللغة الدينية، لكنها ليست اللغة الدينية التي تعبّر عن التدين فحسب، بل لغة دينية وظيفية، هذه عقبة لمن يترجم من العربية أو إليها، وكلها صعوبات غير محسومة نهائياً، لأنها تتوقف على عوامل النص وسياقاته. كمترجم، قبل أن أشرع في ترجمة نص، أقرأه جيداً، وأفكر في الاستراتيجية التي سأتبعها. أحب دراسة الكاتب أولاً، قراءة مقالات نقدية عنه وخاصة ما يخص لغته، ثم أحدد إطاراً للغة التي سأستخدمها من حيث علوها أم عاديتها، فإذا كان الأسلوب هو الكاتب (كما أعتقد) فواجبي كمترجم هو الحفاظ على أسلوب الكاتب من حيث قوة العبارة أو ضعفها، طول الجملة أو قصرها، المجازات الصعبة أو السهلة، والإيقاع، إيقاع الجملة واللفظ. الأمانة مبدأ لا يمكن التخلي عنه، لكن يجب أثناء ذلك مراعاة جماليات اللغة العربية قدر الإمكان، لأن «القِبلة» النهائية هي وصول النص للقارئ، والأمانة إن خلّت بهذا الشرط فهي خيانة.
أحاول في النهاية الاختفاء، أن أبقى في الظل تماماً، لكن بصمتي للأسف تبقى موجودة على النص، موجودة لأني استخدمت قاموسي الشخصي في التعبير، استخدمت تأويلي كقارئ للنص، بزغت العبارة في ذهني بشكل يخصني وحدي. وحين عَبَرَ النص من خلالي، أخذ مني شيئاً وددت ألّا أتنازل عنه. بذلك غدا النص ملوثاً بمفرداتي. كما سيلوّث بمفردات أخرى ومشاعر أخرى وتأويلات أخرى حين يصل إلى يد القارئ. وهذه هي فائدة الترجمة، فائدة القراءة، الفائدة العظيمة من تناقل الحروف من شخص لشخص.
* من ترجماته: «أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي» لخوان خوسيه مياس

روح النصّ وإيقاعه

سيزار كبيبو *
تبدو نظرية «موت المؤلف» التي ألّفها الناقد الفرنسي رولان بارت باطلة تماماً لدى الحديث عن الترجمة، فالمترجم لا يستطيع بأي شكل من الأشكال قراءة النص بمعزل عن الكاتب، ولا يمكنه التمتع برفاهية القارئ وإطلاق العنان لأفكاره لينظر إلى النص من الزاوية التي يختارها، على العكس من ذلك تماماً، يتعين على المترجم تقمّص الكاتب، أي عليه أن يقول الكلمات بصوت المؤلف ولسانه.
ولينجح في الظفر بمقاربة معقولة لما يريده الكاتب، يتوجب على المترجم أن يكون على دراية تامة بسيرة الكاتب وأفكاره وثقافته وظروفه والحقبة التاريخية التي عاش فيها الخ... ومن هنا، يُمنع على المترجم الخروج عن النص والتأويل كما يشاء، وعليه أن ينقل كلمات المؤلف وأفكاره بأمانة شديدة وحساسية عالية، متوخياً الدقة والصواب قدر الإمكان، فضلاً عن المحافظة على روح النص وإيقاعه، ليضمن أن يحظى العمل بالوقع نفسه والصدى ذاته نسبياً لدى القرّاء في اللغة الجديدة مقارنة بصداه في لغته الأم.
وليصل المترجم إلى مبتغاه، لا بدّ له من أن يسلك طريق شائكة، سواء كان على صعيد البحث الواسع الذي يجب عليه إجراؤه أو على صعيد اتخاذ القرارات أثناء الترجمة. ومع غياب شبه كامل لأي منابر متخصصة في نقد الترجمة وتقييمها، أو مراجع موثوقة يمكن اللجوء إليها لدى ترجمة بعض المصطلحات ولا سيّما التقنية منها، يجد المترجم نفسه أمام امتحان صعب يتحمّل بمفرده الرسوب فيه، في حين قلّة من سيلتفتون لجهده في حال
فلح.
وحال الترجمة هذا لا يختلف عن حال أي عمل إبداعي آخر في عالمنا العربي (وثمّة من يسقط عن الترجمة صفة العمل الإبداعي على اعتبار أنها مجرد نقل لأفكار الغير).
ونظراً إلى أن الترجمة كانت وعلى مر العصور ممراً إجبارياً نحو المعرفة، وسبيلاً ضرورياً لمعرفة الآخر، تبقى الترجمة الخيانة الضرورية التي لا مفرّ منها لمدّ الجسور بين الثقافات، فما كنا لنعرف نيتشه أو دريدا أو فوكو أو حتى هوميروس لولا الترجمة. ومن المعروف أن الأمم تستخدم الترجمة كوسيلة لنشر ثقافتها طمعاً في نفوذ سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، ولطالما كانت الترجمة مرآة للازدهار الثقافي في عصر ما، وكانت النهضة الحضارية دائماً مواكبة لانفتاح الشعوب على بعضها بعضاً، ولا ضرورة لذكر عصر المأمون أو عصر هارون الرشيد
كمثال.
* من ترجماتها: «رسائل فريدا كالو»

حياتي المُوازية

لطفية الدليمي *
«حياة واحدة لا تكفي» تلك كانت عبارة الشروع المحفّزة التي دفعتني لولوج عالم الترجمة بكلّ غواياته التي لم أزل أحسبها حتى اليوم عالماً مسكوناً بالسحر والخيال والتوقعات المدهشة. كلّ كتاب شرعت - أو سأشرع مستقبلاً - في ترجمته هو صندوق دنيا عجائبي حتى لو كانت لي به معرفة مسبقة؛ فخوض غمار الترجمة يعِدُ دوماً بمفاجآت لا تنفكّ تدهشني وتدفعني لمواصلة العمل بطاقة عزوم لا تعرف الخذلان أو الانكفاء.
بدأت علاقتي بعالم الترجمة في ثمانينيات القرن الماضي عندما ترجمت روايتين ومجموعة قصص عالمية مختارة، ثمّ تعززت طاقتي الترجمية في العقد الثاني من هذا القرن لسبب أراه من جانبي كامناً في تفجّر الدفق المعلوماتي المجاني الذي أتاحته لنا شبكة الاتصالات العالمية (الإنترنت)؛ الأمر الذي شكّل انعطافة ثورية في أدواتي المعرفية وتنوّع قراءاتي في الأدب والعلوم (الفيزياء بخاصة) والفلسفة إلى جانب السير الذاتية والمذكرات (التي أعشقها عشقاً خاصاً).
قيل الكثير عن الأمانة في الترجمة، وعن خيانة النص، وعن «المترجم بوصفه خائناً»، لا سيما في بعض النطاقات المعرفية الخاصة (الشعر مثلاً)، وأنا من جانبي أرى في عبارة «أمانة الترجمة» التواءً لغوياً مثلما هي تضليل معرفي: الأمانة المفترضة في الترجمة هي أن يكون المترجم أميناً في شعوره المدعم بحقائق على الأرض في كون أدواته المعرفية واللغوية (في لغة الأصل المترجم واللغة المستهدفة بالترجمة إليها) تحوز قدراً من الكفاية والملاءمة يكفي لخوض غمار الترجمة وفي الحدود التي يستوجبها العمل المستهدف بالترجمة. أما عن الأمانة النصية فتلك مسألة أخرى أراها تتمحور في أمانة نقل الأفكار، ومن الطبيعي أن تستلزم هذه الأمانة الفكرية نقل النص إلى لغة أخرى ذات مداليل سياقية ونحوية تختلف عن اللغة المترجم عنها، وهذا جهد ينطوي بالطبع على قدر عظيم من قدرة الملاعبة والمناورة (النزيهة) المستوجبة في القائمين بالترجمة.
ثمة حركة ترجمية تمتلك قدراً مقبولاً من الديناميكية والتنوّع في عالمنا العربي، وإن كانت أقلّ بكثير ممّا هو سائد في بقاع أخرى في العالم لا تُعدّ ضاربة في التقدّم (مثل إسبانيا)؛ لكنّ المعضلة الترجمية الكبرى في عالمنا العربي تكمن في غياب الاستراتيجية الترجمية الواضحة التي تكفل تحويل الجهود الترجمية لعمل مؤسساتي بعيد عن الاستعراضات قصيرة النفس سرعان ما تغيب في لجّة النسيان.
عالمنا اليوم عالم محكوم باقتصاديات المعرفة التي بات معها العلم والتقنية مصنّعات ذات مفاعيل تشكّل البنية التحتية للثقافة العولمية؛ وعليه لا بد من منح اهتمام أعظم بترجمة الأعمال العلمية والتقنية التخصصية (الفيزياء والرياضيات والذكاء الاصطناعي بخاصة)، إلى جانب الأعمال المؤازرة لها (سوسيولوجيا المعرفة وتأريخها، المستقبليات، تأثير المعلوماتية في حياة الكائن البشري، الخ). إذا شئت الحديث عن عقبات واجهتني في الترجمة، سأقول ليس ثمة عقبات محدّدة؛ فأنا أترجم الأعمال التي أشبعتني شغفاً ملك عليّ حواسي، وليست الترجمة سوى وسيلتي لنقل بعض ذلك الشغف إلى نظرائي من البشر. وقد تظهر بعض العقبات الهيّنة عند التعامل مع معضلة (تعريب المصطلحات أو المفردات الفلسفية والفكرية)؛ لكنّ يقيني الراسخ أنّ شغفي (مسنوداً ببعض جهد في التفكّر وتقليب الأمور بروية وهدوء) خليق ببلوغ مخارج مقبولة.
* من ترجماتها: مختارات من يوميات أناييس نن

الاعتراف المعنوي

معاوية عبد المجيد *
لا أعتقد أنّ وصف «مؤلّف الظلّ» ينطبق على المترجم مئة في المئة. أجل، ربّما ثمّة رابط بين الكتاب ومترجمه، كما هناك فرق بين المترجم والمؤلّف. الترجمة كتابة جديدة للنصّ بلغة أخرى، ما يعطي المترجم مساحة كبيرة للعب بالأسلوب الذي يناسب لغته، على أن يكون هذا اللعب منوطاً بالذوق والانتباه والاتّزان، ومستنداً إلى ما تأتّى بالخبرة. قد يعالج شكل التعبير ويسلّط الضوء هنا وهناك، لكنّه لن يتدخّل بفكرة المؤلّف ولا بأسلوبه العميق، لن يغيّر الشخوص، أو يتلاعب بالحبكة، لن يقدّم حدثاً على آخر، لن يمسّ المحتوى لأنّه ليس من بنات أفكاره. أمّا «مؤلّف الظلّ»، فعادةً ما يكون قريباً من الكاتب، صديقاً له أو محرّراً في الدار التي تنشر كتبه، قد يمدّه بالنصائح ويلفت انتباهه إلى سذاجة فكرة ما أو مبالغة في طرح أخرى. وهذا ليس من مهام المترجم. فالأخير يفرّق بين النصّ وبين ترجمته للنص، وقد لا يعبأ كثيراً إذا لم تعجبك الرواية بقدر ما ينتظر منك إشادةً أو تشجيعاً أو نصيحة مفيدة. ثمّ عن أيّ ظلٍّ نتحدّث؟ اسم المترجم غالباً ما يظهر على الغلاف، ويرغب أكثرهم في تقديم الرواية، أو التعقيب عليها، كما أنّهم يعلّقون ضمن الرواية، ويكثر بعضهم من الشروحات، ويغدقون النص بالتنويهات المفيدة، وينيرون ظلمات بعض التعابير أو يعرّبونها. لا بل حتّى إذا كانت الترجمة رديئة، ورأيتَ النقّاد والقرّاء يهاجمون المترجم على أدائه السيّئ، فهذا أكبر دليل على وجوده الواضح في النصّ، بغضّ النظر عن سلبيّته. أمّا المترجم الجيّد، فيحصل على ثقة القرّاء، واعترافهم المعنويّ، الذي قد لا يوصله إلى أضواء الشهرة، لكنّه لا يبقيه في الظلّ أيضاً. نحن المترجمين، نشتكي من عدم الاعتراف الكامل بالجهود المضنية التي قاسيناها، ونشتكي من المردود المادي الذي سيبقى قليلاً نسبةً إلى تلك الجهود. يفنى عمرنا حقيقةً في هذا العمل، ونعيش حياة اجتماعيّة فاسدة بسببه. فنطالب بتعويضٍ نحن أكثر العارفين صعوبة تحقيقه، فتبقى الأمور بين شدٍّ وجذب.
* من ترجماته: «ظلّ الريح» لكارلوس زافون