تنسب إلى الحطيئة، جرول بن أوسٍ، الشاعر المخضرم، الجاهلي الإسلامي، وراوي زهير بن أبي سلمى، وصية هي أغرب وصية تقدم بها شاعر عربي، بل ربما أغرب وصية قدمها شاعر في التاريخ على الإطلاق. ويمكن للمرء أن يشك في صحة هذه الوصية، أو في صحة أجزاء منها. لكنه ليس من السهل الشك في أن الوصية تعكس بشكل ما الصورة العامة عن هذا الشاعر، وهي الصورة التي يبدو أنه هو من خلقها بنفسه عن نفسه، أو أنه ساهم على الأقل بقوة في خلقها.

والوصية تخبرنا في الواقع أن الحطيئة أكد صورته كشاعر لعين حتى وهو على فراش الموت. أي إنه جعلها صورة لا تمحى. فلحظة الموت هي لحظة غفران الذنوب، ولحظة تعديل الصور. لكن الحطيئة أراد، في هذه اللحظة بالذات، أن يؤكد ذنوبه، وأن يحفر بيده صورته الغريبة على صخر الموت التي كان يضطجع عليها.
يمكن القول بالتالي، أن من اختلق الوصية، إن كان هناك من اختلقها حقاً، كان يدرك عنصرين رئيسيين من عناصر الصورة التي رسمها الحطيئة لنفسه:
الأول: استهزاؤه بتقاليد الشعراء في عصره، لكن مع هوس عميق بالشعر. وليس هذا بالغريب، فهو عبد من عبيد الشعر، عابد من عباده، حقاً. إذ تدرب على يدي زهير بن أبي سلمى، صاحب الحوليات، الذي يقال إنه كان يؤلف القصيدة في سنة، وينقحها في أخرى، قبل أن ينشرها في الناس.
الثاني: استهتار هذا الشاعر بالحياة والمجتمع ومقدساتهما.
وفي ما يخص العنصر الأول، تقدم لنا الوصية رجلاً يستغل لحظة موته كمنبر يقدم فوقه مرافعته ضد تقاليد الشعراء في زمانه. فبدل أن يودع الحياة وهو يرثي نفسه كما اعتاد كثير من الشعراء قبله أن يفعلوا، ينسى هو هذه النفس، ويتجاهلها، كما لو أنها كيان غريب عنه، ويركز بدلاً من ذلك على هدم هذه التقاليد. فإذا كان التقليد يقتضي أن يرثي الشاعر نفسه، وأن يتسمع إلى أصوات من يبكونه من الأحبة، أو أن يتحسر على عدم وجود من يبكيه، كما كان الحال مع مالك بن الريب:
تذكرت من يبكي علي فلم أجـد/ سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر خـنذيذ يجـر عنـانـه/ إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا.
إذا كان هذا هو التقليد، فإن الحطيئة يدوسه بقدمه. لا محل عنده لرثاء الذات والبكاء عليها. رثاء الذات أقبح التقاليد وأحطها عنده. لا مجال عنده لـ «تذكرت من يبكي علي». كما أنه ليس مشتاقاً لأصوات أحبته الباكين حوله. فليس له أحبة في مواجهة الموت. لا يهمه أن يغادر الركب ويتركه وحده، أو أن يغادر هو ويترك الركب لمصيرهم. فهو يريد أن يعبر فوق «تقليد الموت» عند الشعراء. يريد أن يهتكه. إنه إذن يمارس النقد، نقد تقاليد الشعراء، وهو على فراش الموت. لديه الطاقة كي يفعل هذا وهو تحت رعدة الموت.
وبدلاً من حصان ابن الريب (الأشقر الخنذيذ) الذي لا يجد من يسقيه، فيجر عنانه إلى الماء وحيداً، يطلب الحطيئة حماراً كي يكون رفيقه الأخير: «قالوا: فهل شيء تعهد فيه غير هذا؟ قال: نعم، تحملونني على أتانٍ وتتركونني راكبها حتى أموت... فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات» (الأصفهاني، الأغاني).
الحمار يحل محل الحصان. حمار الحطيئة في مواجهة حصان الشعراء. يقف ضده، ويعاكسه. الحصان هو الشرف والكرم. والحطيئة لا يريد مثل هذا الشرف وهذا الكرم. يريد مركباً لم يمت عليه كريم قط، كما قال. لا يريد شرف الشعراء، بل يريد أن يمزقه تمزيقاً. إنه إذن قادر على أن يمارس النقد، نقد تقاليد الشعراء، وهو على فراش الموت. لديه الطاقة كي يفعل هذا وهو تحت رعدة الموت.
لكنه لا يضرب تقاليد الشعراء فقط، بل يضرب التقليد الاجتماعي برمته. كل القيم التي تُستحضر عند الموت يمزقها إرباً ويذروها في الريح. فحين سئل أن يقول كلمة في حق الأيتام، قال: «كلوا أموالهم و... أمهاتهم»!
وحين سئل أن يوصي بشيء للفقراء والمساكين، قال: «أوصيهم بالإلحاح في المسألة فإنها تجارةٌ لا تبور». قسوة ما بعدها قسوة. قسوة وانحطاط. مع ذلك، يجب أن لا نغفل أننا هنا أمام رجل يريد أن يصفي حسابه مع المجتمع والحياة قبل أن يرحل. رجل يعي ما يقول، ويريد أن يسمع الكل ما يقوله.

شيء واحد جعله يبكي كالأطفال خوفاً عليه وإشفاقاً: الشعر


أما وصيته حول أولاده فهي: «للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر». كسر تام للقاعدة الدينية والاجتماعية. وعن غلامه، حيث قالوا له: «أعتق غلامك فإنه قد رعى عليك ثلاثين سنة. قال: هو عبد ما بقي على الأرض عبسي».
لا رحمة لشيء. ولا شفقة على شيء. الشفقة تقليد الموتى، وهو يريد أن يحطم التقليد. موته تحطيم للتقليد. كأنه لا يمضي إلى الموت. كأنه يمضي إلى خطة لهدم تقليد، وتأسيس آخر.
شيء واحد فقط يثير عاطفته. شيء واحد يجعله يبكي كالأطفال خوفاً عليه وإشفاقاً: الشعر. يحطم تقاليد الشعراء، لكنه يشفق على الشعر، ولا شيء غيره. فقد بكى لمرة واحدة أمام مشيعيه، فسألوه: لم تبكي؟ فأوضح لهم أنه لا يبكي أحبته الذين يفارقهم، ولا يبكي نفسه، بل يبكي الشعر: «أبكي الشعر الجيد من راوية السوء» (الميداني، مجمع الأمثال).
أمر لا يصدق، حقاً. يموت وهو يبكي إشفاقاً من رواية سيئ يروي الشعر على غير وجهه. لكن هذا يعكس جوهر حياته. فقد كان راوية حقيقياً لشعر زهير. لقد علمه أستاذه كيف على الراوي أن يكون.
أما الوصية الحقيقية التي قدمها فهي تخص الشعر أيضاً. كل ما عدا ذلك كانت وصايا مناكفة ومعاكسة وتهشيماً وتمزيقاً للمجتمع والدين. تقول وصيته حول الشعر: «أوصيكم بالشعر خيراً». وهي كما نرى وصية إشفاق وحنان، وصية محبة. الشعر هو الكيان الوحيد الذي يستحق الحنان والرحمة. لا شيء عند الحطيئة غير الشعر. ليس له أحبة غير الشعر. الشعر تركته وإرثه وورثته. الشعر دينه ومعتقده.
لذا، كلما ألحوا عليه أن يوصي، أوصى عن الشعر وبحق الشعر. قالوا له: أوص، فرد بسؤال: «من الذي يقول: إذا أنبض الرامون عنها ترنمت/ ترنم ثكـلى أوجعتها الجنـائز؟ قالوا: الشماخ؛ قال: أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب. قالوا: ويحك! أهذه وصيّة! أوص بما ينفعك! قال: أبلغوا أهل ضابىءٍ بن الحارث أنه شاعر حيث يقول: لكل جديد لذة غـير أنـنـي/ وجدت جديد الموت غير لذيذ» (البغدادي، خزانة الأدب)، وهكذا.
وصية مدهشة للحطيئة، لأبي مليكة جرول بن أوس بن مالك العبسي. وصية عبد من عبيد الشعر.
وصية يحق للشعر العربي أن يفخر بها.
وصية يجدر بالشعراء أن يتذكروها.
وعن نفسه وعن كعب، ابن معلمه زهير يقول:
فمن للقوافي شانَها من يحوكُها
إذا ما ثوى كعب وفوّز* جرول؟!
كفيتك لا تلقى من الناس واحداً
تنخّل من منها مثلما نتنخل
نثقفهـا حتى تليــن متونهــا
فيقصر عنها كل ما يتمثــل.
■ فوّز: مات.
* شاعر فلسطيني