صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر


ترجمة: وائل عشري
نشر جورج أوبن (1908 – 1984) ديوانه الأول «سلسلة لانهائية» عام 1938 مع مقدمة لإزرا باوند يحتفي فيها بـ «حِرفيّ جاد، وحساسية ليست حساسية أي رجل، حساسية لم تخرج من كتب أي رجل آخر». رغم الاحتفاء، في مقدمة باوند وفي عروض كثيرة رحبت بكتابه صغير الحجم، سيتوقف أوبن عن كتابة الشعر، ولن يعود إليه إلا بعد حوالى ربع قرن حين ينشر ديوانه الثاني «المواد» عام 1962.

ماري وجورج أوبن على قاربهما في كاليفورنيا عام 1930

متأثراً بكساد الثلاثينيات الاقتصادي، وبعمله السياسي، لم يجد الشاعر الأميركي المولود في نيويورك لأسرة ميسورة، بُدَّاً من التوقف عن كتابة الشعر. فالحِرفيّ الجاد كان أيضاً ناشطاً على نفس الدرجة من الجدية؛ ولم يستطع التوفيق بين آرائه السياسية الجذرية وشعره الصعب المنتمي إلى جماعة «الموضوعيون» التي اهتم أعضاؤها بالشكل قبل أي شيء آخر، وتعاملوا مع القصيدة كـ «شيء» أو «موضوع» في ذاته. هكذا إذن توقف أوبن عن كتابة الشعر، وانضم رسمياً إلى الحزب الشيوعي الأميركي. وبسبب الخوف من الملاحقة السياسية، اضطر للرحيل إلى المكسيك حيث قضى الأعوام من 1945 إلى 1958.
بعد «المواد»، نشر أوبن دواوين عدّة من بينها «في أن أكون كثيرين» (1968) الذي فاز بجائزة «بولتيزر» في العام التالي لصدوره. المختارات التالية تأتي من القصيدة الطويلة، متعددة المقاطع، التي تفتتح الديوان وتشترك معه في العنوان.
■ ■ ■

1
ثمة أشياء
نعيش بينها «وأن نراها
يعني أن نعرف أنفسنا».
حدثٌ، عنصرٌ
في سلسلة لانهائية،

الأعاجيب الحزينة؛

عن هذا حُكيت
حكاية عن شرنا.
إنه ليس شرنا.

«تتذكر تلك البلدة القديمة التي ذهبنا إليها، وجلسنا في النافذة المُهدَّمة، وحاولنا تخيّل أننا ننتمي إلى تلك الأزمنة – إنها ميتة وإنها ليست ميتة، وليس بمقدورك تخيّل لا حياتها أو موتها؛ الأرض تتحدث والسمندر يتحدث، الربيع يأتي وفقط يشوش هذا -»

16
«... من لن يعمل لن يأكل،
وفقط من كان متعباً سيجد الراحة،
وفقط من يهبط إلى العالم السفلي سـ
ينقذ أحباءه،
وفقط من يستل سكينه سيُعطَى
إسحاق مرة أخرى. من لن يعمل لن يأكل...
لكن من سيعمل سوف يلد أباه هو».

22
الوضوح

بمعنى الشفافية،
لا أعني أن مقداراً كبيراً يمكن أن يُفسَّر.

الوضوح بمعنى الصمت.

27
من الصعب الآن أن نتحدث عن الشِعر –
عن هؤلاء الذين أدركوا مدى الاختيار أو هؤلاء الذين عاشوا داخل الحياة التي ولدوا لها –. ليس الأمر تحديداً سؤال عمقٍ بل مستوى مختلف من التجربة. سيكون على المرء أن يحكي ما يحدث في حياة، أي اختيارات تطرح نفسها، ماذا يكون العالم بالنسبة لنا، ما الذي يحدث في الزمن، أي فكر يكون في مسار حياة وبناءً عليه ماذا يكون الفن، وعزلة الفعلي

كنت لأود أن أتحدث عن الغرف وعما تطلّ عليه وعن الأقبية، الجدران الخشنة التي تحمل آثار الأشكال، الآثار القديمة لخشب في الخرسانة، عزلةٌ كتلك التي نعرف –

والأرضيات الممسوحة. شخص ما، عامل يحمل من حوله، يستشعر من حوله تلك الكلمة الغريبة مثل أبوة مُهَانة مسح هذه الأرضية المنعزلة، هذه الأرضية المخبأة بعمق – عزلةٌ كتلك التي نعرف.

على المرء ألاَّ يشعر بأن لديه ألف خيط في يديه،
عليه بشكلٍ ما أن يرى الشيء الواحد؛
هذا هو مستوى الفن
توجد مستويات أخرى
لكن لا يوجد مستوى آخر للفن

28
ضوءُ
الصفحات المغلقة، مغلقة بإحكام، مُكدَّسة ضد إحداها الأخرى
يكشف اليوم الجديد،

الضوءُ الضيّق، المرعب
قبل شروق شمسٍ.

30
وراء بيتهم، وراء الفناء الخلفي
توجد الغابة الصغيرة.
تمشي إليها أحياناً
وتنتظر الطيور والغزالة.

رافعة نظرها ترى السماء الساطعة الزرقاء
فوق الفروع.
إن كان المرءُ قد وُلِد هنا
كيف يمكن للمرء أن يصدق هذا؟

38
أنتِ آخر
من سيعرفه
أيتها الممرضة.

لن تعرفيه،
إنه رجلٌ عجوز،
مريضٌ،
كيف لأحدٍ أن يعرفه؟

أنتِ آخر
من سيراه
أو يلمسه،
أيتها الممرضة.

40
«ويتمان: 19 أبريل 1864
مبنى الكابيتول يعتاده المرءُ بمرور الوقت، خاصة بما أنهم وضعوا الشكل العظيم أعلاه الآن، وتستطيع أن تراه بوضوح. إنه شكلٌ برونزيٌ هائل، حارسةُ الحرية على ما أظن. يبدو رائعاً نحو غروب الشمس. أحب أن أذهب وأنظر إليه. الشمس حين تكون تقريباً غربت تلتمع فوق المنحوتة وتُبهِر وتبرق مثل نجمٍ كبير: يبدو مثيراً تماماً
للتساؤل...»