من يحطم التابو؟

ليس أنا. ولا أنت. لقد تحطّمت التابوهات كلها منذ زمن، جرفها السيل إلى قارعة الطريق، كمارد أعرج، مبتور اليد، سكّير، جرحه غائر ونتن، لأنفاسه أبخرة جثث احترقت فداءه.
التابو، مثلنا، ذاق الحرية ككابوس، تلقاها كصفعة، عاشها كإهانة. ومثلنا، يسير نصف حي، نصف ميت، نصف مختل، ابتسامته ترتعش، تقطيبته تثير الضحك. ومثلنا يتسول المحبة والشفقة بعينين ذاهلتين، شاردتين، ربما يبالغ قليلاً ويدور في المقاهي والإشارات ليبيع كمامات تقي وباء الجنون، ينظم المرور، يبحث عن هجرة، معتقل على ذمة حبس احتياطي كساعة، وأبدي كدهر. ومثلنا قد يبتلعه ثقب أسود، ليظهر في قبعة حاو، أو جوف مقبرة.

بورتريه ذاتي للفنان المصري أحمد مرسي (زيت على خشب ــ 1972)

التابو؟ أي نكتة تثيرها تلك الكلمة. كأنها صلبت الزمن على ساعة عقاربها معطلة منذ نصف قرن. لم يعد مختبئاً في قاع اللاوعي أو قاع المدينة، صار حرزاً يومياً في محضر شرطة، مضغة في أفواه السفلة، شرعية ملك عرشه من جماجم، ضجيج تافه يجمع اللايكات، رقية مواطن صالح، بطاقة غبي لطبقة الأذكياء الفارغة إلا من تعاليم السلوك.
منذ حُطم التابو، لم يعد يخشى شيئاً إلا نفسه.

مقتفي الأثر
الذي أغمض عينيه لدقائق، ليعض على صورة شبحية للمستقبل، شاحذاً طاقته وتركيزه كصراط مستقيم لخنجر، الذي لون عالمه - بعد عشرين، ثلاثين، أربعين عاماً- وكدسه بتفاصيل دقيقة، للمحبة، الأوسمة، التصفيق، الثراء، ربما الخلود، الحق في الكسل، جسد رياضي، عمر طويل، أو أحفاد رائعين، أجازة شيخوخة في جزيرة. هو كأي شخص حالم. مشروعيته البراءة.
هؤلاء، حين تنفتح أعينهم ـ عنوة - على الهوة بين المثال والممكن، لن يدفعوا ثمن ذلك أبداً، بل نحن. هؤلاء الحالمون، البريئون، شديدو اللطف والكبرياء، المسممون بالأمل... خطيرون جداً.
■ ■ ■

بالعاطفة التي تميز المحبين، اقتفى أثر شخص آخر، ماحياً أثره، ليحفر خطوته الجليلة بمخالب حديدية في الأرض. وعبر الحماقة أو الحب – ما الفارق؟- كلما اكتشف دليله أرضاً، حرقها.
مقتفي الأثر شخص لطيف، حتى وهو يدفع دليله إلى التيه، استبدال الطريق بتخيل أشكال عديدة للفناء كالعمى، الجنون، ثقب في الحنجرة، الانتحار، رعب محيط، بلا مدخل أو مخرج. فقط ظلام أخضر كطحلب نتن.
الذي أغمض عينيه فالتهم شخصاً آخر، لأنه أحب الجائزة دون الطريق، ليس مجرماً، في نظر نفسه، بل عاشق. فطموح المحبين لا نهاية له، يمحو كل فارق بين اللطف والشراسة.

تن تن
في كل مرة أهرب من الواقع، تضبطني متلبساً وتصرخ: هارب... هارب. تعلق في رقبتي جرس الفضيحة: أحلام اليقظة لا تصنع أدباً... تن تن. المسوخ الرهيبة لا تصنع أدباً... تن تن. هذيانات الحمقى، الأرواح الشائخة، الأعين المشقوقة، رائحة المزابل، الأفواه التي لا يقطر منها إلا براز كلب، رؤى المختلين لا تصنع... تن تن.
أشعر بالخجل، أعترف بجرمي. فلتقبل توبتي، الآن أخبرني:
ما الواقع؟
■ ■ ■

لا تجوبوا العالم، لأن كاتباً كبيراً له عين صقر يحب الضواحي.
اركلوا أعينكم وحدقوا بعينه الزجاجية... لأن الفوتوغراف مدى نظره.
لا تقحموا السياسة، الموتى، الحرائق، المشاعر، الأحلام لأن عقارب ساعته معطلة على عقد ميت.
امحوا كل الخطوط، التدفق، التشابك، واستبقوا خطاً أسود على ورقة بيضاء، لأنه بالضبط يكتب هكذا.
لا تقو على ما يعجز عنه، كالدراما، المفارقة، الشطح، النزيف، الخطأ.
لا ترسم له شارباً من طفح الضغينة... لأن لا شارب له.
الكاتب الكبير، كان مثلنا، يقذفه العاجزون بالحصى، يركله الحمقى، فنحبّه أكثر... لكنه منذ كُرس عبر الغفلة والزمن، وهو يحتجزنا في جوف حوت.

أشباح رقمية
دعك من الأسماء. إنها تثمل كل ليلة، تضل الطريق إلى البيوت، تتبادل الأسرة، الأعمار، الحقائق، تصحو بلا ذاكرة، بوجوه طازجة وحيوات جديدة، تحتسي القهوة في الشرفة، تفتح هاتفها، وبخيبة أمل تحدق في البلادة.

العزلة
نعتزل ما يؤذينا، كي لا نوقظه، المسخ الرهيب الذي بداخلنا.
*روائي من مصر