زمان،

كان الناس يعالجون جروحهم هكذا؛
ينظفونها جيداً،
ويملؤونها بورق الشجر الأخضر،
ويخيطونها بخيوط ملونة،
ثم فعلت الجينات أفعالها،
فصرت أرى الحياة ضلفة تحوي ملابس الصيف في دولابي،
أو رفاً تعلوه الأدوية المسكنة للصداع في الثلاجة،
أو بيت شعر قديم...
وليكن و«دخلت في ليلين فرعك والدجى والسُكْر أغراني بما أغراكِ»،
أريد أن أنام للمرة الأخيرة،
الأشياء التي تُفعل للمرّة الأخيرة حلوة،
وإلا كيف نما هذان البرعمان الجميلان على ذراعي!
■ ■ ■
هل عندك بيانو؟
لا...
لنقل: ليس بعد،
لكن يوجد الكثير من الألحان في هذا البيت،
بعضها كلاسيكي، وبعضها لم يؤلف،
في قيعان هذه الفازات الفارغة سكّر متجمّد،
كلّها فارغة، انتظاراً لزهور حقيقية،
لكن على الأقل في قيعانها سُكَّر،
لديّ أيضاً كرسي مريح،
لا حاجة بي لغيره،
لست حريصة على وضع كرسي خالٍ آخر،
ليجلس عليه من يمرّ من هنا مباشرة إلى قبره،
وحدي،
يعني ألا أحد يسمع معي خشخشة الخسّ الذي آكله،
أنا أحب الخسّ،
أحب صوت الخسّ،
وأحب ألا يكون هنا أحد عندما آكله،
إلا فمي.
■ ■ ■
أنا وكامل قواي معاً،
وهذه الدروب ثملة،
أنا وكامل قواي لا نجتمع معاً كثيراً،
كان هناك أيضاً نصف جبل،
وأصابع إضافية، لا أدري لمن،
على تخوم العالم لحن غائم،
وجهاز تحكم عن بعد،
وثوب أزرق طويل بفيونكة فوشيا،
لم تهتم لأطرافك، انشغلت برئتيك،
والمشغولون برئاتهم يتنفسون مرتين،
ويسرقون هواء بقية الخلق،
كانت هناك حفرة، فيها أشياء كثيرة مزيفة،
لكن من بينها قطعة ذهبية،
منذورة لصياد في كامل قواه العقلية،
اعتاد الصيادون أن يعملوا في أوقات فراغ العالم،
أنا أتنفس بالكاد، وغزل صنارتي يلتف حول قلبي،
ومع ذلك ها هي جثتك أمامي...
كاملة، إلا من أطرافها.
■ ■ ■
حلمتُ أن دستويفسكي تقدم لطلب يدي،
بلحيته الطويلة التي كانت له وهو شيخ،
لكن بعينين لامعتين،
لم يصبهما الذبول بعد،
كان متعجلاً يرغب في إتمام الزواج،
ترددت في الموافقة،
مع أنه كان يعجبني،
طالما أعجبني،
لكنه كان يصغرني بعامين،
عاتبت أمي لأنها كانت تعرف ولم تخبرني،
فردت «تزوجيه، إنه يملك قصراً»،
هو لا يملك قصراً،
والديّانة يطاردونه،
لكن له رواية بعنوان الإنسان الصرصار،
إنه يعرف كل شيء يا أمي،
دوستويفسكي لا يصغر أي أحد بعامين.
■ ■ ■
ما بعد الثلاثين، سأكرر كثيراً، وأحياناً دون مناسبة، حتى يملّ أصدقائي «لم يعد هناك وقت».
سأعرف أن القطارات أكثر بكثير من مجرّد وسيلة انتقال، يأكلنا فيها الملل ونأكله. وكل أسبوع سأرسل رسالةً قصيرةً من كلمتين، إلى هواتف كل صديقاتي اللواتي طالما رددن أن الحضن أحلى من الجنس، وأنه يكفي «قُصر ديل».
سأضبط نفسي متلبسةً باستخدام كلمات اعتادت أمي قولها، وطالما أضحكتني، وسأعترف أمام كثيرين أنني أكتب بخط يد رجالي، وأن ذلك يزعجني قليلاً.
سأعرف، أو عرفت مؤخراً، أن الكتابة بأقلام الرصاص، مثلما يفعل أبي، أكثر إيضاحاً للمعاني، وأن أفضل وقت للاستماع إلى الأغنيات العاطفية، هي تلك الفترة الخاوية، بين علاقتين فاشلتين.
بعد الثلاثين سأتأكد، حد اليقين، وهو أمر نادر الحدوث، أن أفضل رجل يصلح لعلاقة دائمة هو رجل ميت.
وأن الشعور بالصهد لا علاقة له بما يخبرنا مؤشر الطقس. وأن القبلات التي لا نتبادلها تذهب بلا رجعة، في صحبة العناقات التي نفوتها، والشتائم التي لا نقذف بها في وجوه مستحقيها، والدموع التي لا نذرف.
بعد الثلاثين سأجد أنه من المضحك جداً، أن يستخدم الشاعر في قصيدته كلمة نذرف.
■ ■ ■
لا أعرف ما سيحدث إذا رفعت الصور التي كانت لرجل سكن هذه الشقة قبلي، عن الحيطان، ووضعت صوراً لحيوانات في طريقها إلى الانقراض، أو لمدن تصحو كل يوم، بذهن مشوّش، فتشرب النسكافيه لتصحو، ولا تصحو ولا نيلة، أو لأسراب من السردين، مهاجرة إلى مياه أدفأ.
هذه الأيام، أجبر قططي على الجلوس بجواري ومشاهدة برامج إخبارية، متجاهلة أنها تموء في عصبية، وتخمش الكرسي، حيث أجلس في استرخاء، أتكلم في التليفون مع فنان حداثي، يرى الجمال جرحاً نافذاً، في وجه طفل شارع، اقترحت عليه أن يذهب، ويدفن نفسه حيّاً، ثم ثنيت جذعي من الشرفة القريبة من الأرض، ونزعت حشائش خضراء، تختبئ بينها زهرات صغيرة نابتة في ثقة، من الحجر إلى أعلى، وقبل قليل، نظرت إلى كفي، فوجدت آثار دماء على يدي.
الرجل الذي سكن الشقّة قبلي، وأمثاله، ينامون في هدوء، ويحلمون، ويتزاورون، ويبالغون في الثرثرة عن الطيبة المقيمة في ملامحهم، والدفء الذي يعم الأماكن في حضورهم، ومع الوقت، يصابون باضطرابات في التنفس، وزيغ في البصر، لكنهم على عكس القصائد القديمة، لا تهاجمهم أبداً رغبة طارئة في البكاء بين يدي غريب عابر، ومع مرور الوقت، تنمو الطحالب حول أسرَّتهم، وتجف عيونهم.
إنهم أكثر تفاهة مما تتخيلون
- في فترة من حياتي كنت أخطط للمستقبل!-
يضيعون أعمارهم في طهو الأطعمة الصحية، وينامون مع أزواجهم أو زوجاتهم! ويلعبون الورق على خلفية استعراضات موسيقية، فاقعة الألوان! أو مقطوعات لفاغنر،
فاغنر بالذات...
أية كائنات هذه التي تستمع إلى فاغنر مع أن هناك موتسارت وتشايكوفسكي!
* قاصة وشاعرة من مصر