«غرب كنيس دمشق: محاولات صهيونيّة لاختراق المجتمع السوري 1914 – 1954» (دار رياض الريّس ـــ «الأخبار» 21/4/2018) لسامي مروان مبيّض كتاب هام ويُقرَأ. تكمن أهميته أوّلاً في الموضوع المطروح عن سعي الحركة الصهيونية إلى عقد اتفاقات مع قيادات سوريّة من أجل تسهيل احتلال فلسطين. وقد اعتمد في موضوعه على الوثائق البريطانية والأميركية التي تمّ الإفراج عنها بعد نصف قرن أو أكثر من الأحداث التي تطرّق إليها الكتاب؛ كما أنه اعتمد على أرشيف العدو الإسرائيلي! من الواضح بأن الباحث السوري يعطي الحق تماماً، في معظم الأمور، لرجالات الكتلة الوطنية، فيبرّر لهم موقفهم من سلخ لواء اسكندرون، قائلاً: «... تسليم لواء اسكندرون إلى تركيا وهم في سدّة الحُكم، ولا حول لهم ولا قوة على إيقاف المشروع...».


ومن الغريب أن يذكر الكاتب ما قاله الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام باشا عن الصهاينة: «سوف نلقيهم في البحر»، ولا يذكر في المقابل خطاب جميل مردم بك عند سلخ لواء اسكندرون، إذ قال للسوريين، بما معناه: «لن يتمّ سلخ اللواء طالما هذه الرقبة تحمل رأسي»! لكنّ اللواء سُلِخَ وبقيت رقبة جميل مردم بك تحمل رأسه!
يؤكّد الكاتب في صفحات عدّة على أنّ «الديمقراطية السورية أُسقِطَتْ على يد حسني الزعيم عام 1949». وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل كانت ممارسات المكتب الثاني في عهد شكري القوتلي والمحسوبيات السائدة في عهده هي من الديمقراطية في شيء؟ وهل المرسوم 50 وزجّ فهمي المحايري المعارِض له في السجن، هو من الديمقراطية في شيء؟ وهل التحريض على الفتنة في جبل العرب، في أيلول (سبتمبر) 1947، بِأُس من كانوا يُدعَوْن برجالات الكتلة الوطنية ويتبوأون أرفع المناصب، هو من الديمقراطية في شيء؟ وهل العمل على استشراء الفساد هو من الديمقراطية في شيء؟
أحبّ هنا الاستشهاد بالسيرة الذاتية لِمنصور سلطان الأطرش «الجيل المُدان» (رياض الريس ــ 2008) حين قال: «... وعلى الأخص عندما نسمع أن المرحوم جميل مردم، رئيس الوزراء آنذاك، أعني في تلك الحقبة من العهد الوطني أجاب عندما لفت نظره بعض المستشارين إلى ضآلة مرتّب الدركي السيّار: «هو يدبّر حاله». واستمرّ الدركيون بتدبير الحال حتى استشرى الفساد والرشوة ولم تستطع العهود المتعاقبة قمعها حتى بعد قيام ثورة الثامن من آذار (مارس) سنة 1963. ولا أفتري على الحقيقة إنْ قلتُ إنّ الفساد بكلّ أشكاله قد استفحل بعد هذا التاريخ.
يذكر مبيّض في كتابه أيضاً بأنّ وزير الحربية الجديد جميل الإلشيكان كان في استقبال الجنرال غورو والفرنسيين بعد معركة ميسلون في تموز (يوليو) عام 1920، «كي لا تتعرّض المدينة لأيّ عمليات نهب وتدمير»! إلا أنه مقابل هذا التبرير، ثمة وجهة نظر أخرى، غير تبريرية، في رواية «وداع ولقاء في بلاد الشام» لنادية خوست، التي اعتمدت على وثائق تاريخية: «أين العظمة يا بهاء، إذا كان جميل الإلشي وزيراً في وزارة الشيخ تاج؟ يعرف الناس أنه خائن، نقل لغورو أخبار الوطنيين قبل معركة ميسلون»!
يشعر القارئ في كثير من المواضع في هذا الكتاب بأنّ الكاتب لا يألو جهداً في تبرير لقاءات رجال الكتلة الوطنية بالصهاينة، فيقول مثلاً عن لقاء جميل مردم ببن غوريون، بأنه «ما كان لهذا اللقاء أن يتمّ لولا شعور اليأس الكامل الذي انتاب مردم بك خلال المفاوضات» مع الفرنسيين في باريس 1936. كما أنه يتابع تبريره هذا، قائلاً: «وإنْ كان التفاوض (مع الصهاينة) يقع تحت باب العمل الدبلوماسي والوطني في العشرينيات، فهو اليوم (بعد العام 1948) لا يُفَسَّر إلا خيانة عظمى». هذا تبرير غير مقنع نهائياً، أولاً، لأن الأهداف الصهيونية كانت واضحة في إنشاء وطن قومي لليهود من أجل اغتصاب حق الفلسطينيين، منذ ما قبل وعد بلفور، ثم ثبّته هذا الأخير! وثانياً، لأنّ ثمة خمس شخصيات وطنية سورية رفضت التفاوض تماماً مع الصهاينة، بالرغم من المحاولات المستميتة للوكالة اليهودية للتفاوض معهم وإغرائهم بهدايا ثمينة؛ وهذا ما ورد فعلاً في كتاب الدكتور مبيّض نفسه، وتلك الشخصيات الخمس هي: هاشم الأتاسي، سعد الله الجابري، رشدي الكيخيا، ناظم القدسي وسلطان باشا الأطرش.
أما في ما يتعلّق بتحرير دمشق في عام 1918، فإن الكاتب يسكت تماماً عن دور فرسان بني معروف من جبل العرب، بقيادة سلطان الأطرش. لكنّ الثابت تاريخياً، وبأمّ العين لكثيرين من حي الميدان الدمشقي الذين شهدوا تحرير دمشق، هو أنّ فرسان جبل العرب، بقيادة سلطان الأطرش، دخلوا دمشق بعد معركة شرسة في تلال المانع، في منطقة الكسوة، في 30 أيلول (سبتمبر) 1918. وهم الذين حرّروا دمشق ورفعوا العلم العربي على سرايا الحكومة في المرجة كما جاء في كتاب «أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش» (دار طلاس ــ 2008) الذي راجعه وصحّحه منصور سلطان الأطرش، وفي التسجيلات الصوتية بصوت سلطان باشا الأطرش عن تحرير دمشق على موقعه الإلكتروني. وعلى هذا الأساس، منح الشريف حسين للقائد سلطان الأطرش لقب (باشا)، وهي رتبة عسكرية، تعادل أميرالاي.
أما جيشا فيصل وأللنبي، فقد دخلا دمشق في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1918. وفي ما يخصّ رضا باشا الركابي حينها، فقد ورد في كتاب «أحداث الثورة السورية الكبرى» في حديث القائد العام سلطان باشا الأطرش، عن معركة تلال المانع ما يلي: «لقد قمنا بحركة التفاف حول مواقع الأتراك وباغتناهم بهجوم صاعق... حتى استسلم لنا مَنْ بقي حيّاً منهم، وكان في مقدّمتهم ضابط كبير هو رضا الركابي، الذي أَسَرَه فرسان قرية الغاريّة وأحضروه إليّ بصورة مهينة؛ فلمّا عرفتُ هويّته العربية أمرتُ بإعادة سلاحه إليه وأركبتُه فرساً، وعاد بصحبتنا إلى دمشق مروراً بموقع الحرجلّة، حتى دخلنا المدينة من جهة حيّ الميدان في 30 أيلول عام 1918، ووصلنا إلى ساحة المرجة ورفعنا فوق دار الحكومة العَلَم العربي الذي كان يخفق في مقدمة حملتنا منذ خروجنا من الجبل». وهذا ما يناقض تماماً ما كتبه الدكتور سامي مبيّض عن الركابي في كتابه! من الواضح أن مبيّض يقارب فترة الانتداب الفرنسي على سوريا بشكل انتقائي وجزئي، كأنّ ما جرى في أثناء الثورة السورية الكبرى لا علاقة له بما جرى بعده من مفاوضات مع الفرنسيين.
لقد رفض سلطان باشا الأطرش، وبعض من رفاقه، تسليم سلاحهم للفرنسيين، واستمروا في المقاومة، ولم تنقطع المراسلات بينه وبين السياسيين السوريين، الذين كانوا يصرّون على استمزاج رأيه ورأي الثوار في كل ما يجري من مفاوضات وخطوات سياسية. كذلك لم يكن مؤتمر الصحراء برئاسة القائد العام للثورة السورية الكبرى، وقراراته الهامّة، والذي انعقد في وادي السرحان، في 25 تشرين الأول 1929، إلا دليلاً على ذلك. لم تُخمَد ثورة عام 1925، بل استمرت حتى عام 1937 حسب رأي قائدها العام وإلا، لما لاحق الفرنسيون والبريطانيون الثوار في الأزرق، ولما ضيّقوا عليهم في وادي السرحان، ولما أصرّ الانتدابان الفرنسي والبريطاني على وضع سلطان باشا الأطرش تحت الإقامة الجبرية في الكرك (الأردن)، بين 1932 و1937!
كما أن قصف دمشق في 29 أيار 1945، وكذلك السويداء وحماة، لم يكن إلا ردّاً على انقلاب جبل العرب على الانتداب الفرنسي. قاد هذا الانقلاب الأمير حسن الأطرش، بالاتفاق مع سلطان باشا الأطرش، فكانت السويداء هي أول محافظة تتحرّر من نير الانتداب! حينها، أعطى أوليفييه روجيه أوامره، وبأمر من الجنرال ديغول، لقصف دمشق والسويداء وحماة انتقاماً لذلك!
أما ما نقله مبيض بأن فارس الخوري وجميل مردم بك قد أشارا «إلى الدمار الهائل الذي خلّفتْه الثورة»، فهو دمار صنعه الفرنسيون الهمجيون! هذا المنطق المعوَجّ سمعناه حين دمّر الصهاينة لبنان في حرب تموز 2006، إذ قيل حينها إن السبب في الدمار هي المقاومة الوطنية اللبنانية: إنه منطق الاستسلاميين!
يتجاهل نضال جميع القوى الوطنية ضد ديكتاتورية الشيشكلي


لا يذكر مبيّض بأن الشاب علي الأطرش من قرية امتان، من جبل العرب، مثّل جيل الشباب، مبعوثاً من سلطان باشا الأطرش، في الاحتفاء بتأسيس منظمة الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، في أيار 1945؛ إذ لم يكن الحضور فقط للدبلوماسيين السوريين!
أما استقبال الدكتور شهبندر، فقد جرى في 14 أيار (مايو) 1937 في دمشق، وليس «في مطلع شهر شباط 1937» كما ورد في كتاب «غرب كنيس دمشق»؛ فرسالة لطفي الحفار إلى زيد الأطرش، المؤرّخة في 12 أيار 1937، والمنشورة في كتاب «أحداث الثورة السورية الكبرى»؛ وثمة صورة مشتركة للدكتور شهبندر ولسلطان الأطرش بعد عودة الأخير إلى دمشق في 19 أيار 1937 وهما متعانقان.
إذن، يشعر القارئ بأن مبيّض يهتمّ بما يجري مع رجال الكتلة الوطنية في دمشق، من دون أن يربط الأحداث بما يجري خارجها... وهذا غريب من مؤرّخ! كما يهمل أيضاً سياسيين أثّروا في تاريخ سوريا، قد يكون ذلك لموقف خاص به منهم! إذ لم يأتِ على ذكر مؤسسَيْ حزب البعث العربي، ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، في ما يتعلّق بتطوّعهما في جيش الإنقاذ ومشاركتهما في حرب فلسطين، عشية النكبة. كما أنه في تلك الصفحة ذاتها، يذكر بأن «خليل كلاس، أحد مؤسسي حزب البعث...»، وهذا خطأ، إذ إنه من مؤسسي الحزب العربي الاشتراكي!
ثم إن الدكتور مبيّض لا يذكر نضال جميع القوى الوطنية ضد ديكتاتورية الشيشكلي، ولا يذكر حملته العسكرية على جبل العرب في شتاء عام 1954، والتي شكّلتْ سبباً أساسياً لغضب السوريين عليه، ما اضطرّه إلى ترك سدّة الحُكم! هذا غيض من فيض الهِنات التي وردت في الكتاب مثل الترجمة الخاطئة لعبارة La Nation Arabe على أنها «الشعب العربي» في حين أنها تعني الوطن العربي، أو الأمة العربية. أخيراً، فإن بلدة بلودان تقع شمال غرب دمشق وليس شمال شرق دمشق، كما كتب مبيض في مؤلفه.
* أكاديمية وباحثة سورية