إلى بسمة العباس التي جعلت حياتي نصاً جميلاً ولا ينتهي. تبدو البلاد عادية، ما لم تملك سماتٍ شخصية خاصة، لكي تلتقط أن هذا العادي الذي يشوب المناطق الآمنة من الحرب قذرٌ جداً، فقذارة هذه البلاد تختلفُ حسب قدرة كل شخص فينا في تأمل الرجال والنساء خاصة، وهن يسرن في الشارع ذليلات، وفي أحسن الأحوال بأكتافٍ حانية. في عام 2014 كان الألم كافياً عبر الفيس بوك، ولأن رصاصة من رصاصات الأبطال الذين يتقاتلون على هذه البلاد لم تصبني استطعت تلقي كل الخيبات الخالية من المعدن، هجران الأصدقاء والقتلة. أمان المدينة التي اسكنها، فمقتلها الوحيد بقاؤها آمنة، بكل جذورها النفسية والتاريخية، وحتى مذاق الطعام فيها، إلا أن الأصدقاء قدر رحلوا في غالبهم أو تغيروا. في المدن الآمنة، يؤمنُ الحجرُ ذاكرة حية طويلة. تقتاتك الجذور النفسية لتعوي في داخلك. كثيراً ما حلمت أنني أملك فماً كبيراً باتفاق الجميع، فلماذا لا أبلع به كلباً ذا صوت مرتفع لأعوي؟ لكن دون أن أضع يدي على الأرض، السير على الطرفين السفليين رائع.


عبر صفحات الفيس بوك، كان خجل النسوة مبالغاً به، وجرأتهن أيضاً، السنين الأولى من عمر الموت في سوريا كان شاقاً، والخلافات الأخلاقية التي لا تنتهي على الصفحات والصور والأرداف وكؤوس الخمر الموضوعة في الصور، ولا مبالاة ساسة الفنادق والبواريد، كل هذا أصبح مملاً، ويسود الأحاديث بيننا خلافٌ دائم: أين القتلى من صورنا وفرحنا. باتت الصورة مُكلفة، ونقدها مستساغاً. (الآن كلنا أصابنا مللٌ من صور الحرب).
كُنت أبحث عن النسوة الأكثر هدوءاً، أو الأكثر توهجاً، أنا ابن البيئة نفسها التي تنمو فيها المبالغات ومن أجل المبالغات ذاتها يعيش البشر. وجدتُ صوفي في صدفة ليست محضة، في صدفة معادة ومكررة، لكنها في هذه المرة، عبر الفيس بوك، الذي يملك صندوقاً بريدياً أكثر سرعة ومباشرة، ويتيح بما فيه الهروب والإغلاق والرفض. الفتاة الجميلة التي تُرخي شعرها على عينيها، وتضع جسدها داخل حقيبة سفر، كان المشهد مُدهشاً لي، الصورة تتحدث عنها وعن الحرب، فتاة طويلة جداً لا تتسع لها الحقيبة.
كان علي أن أفعل شيئاً، هي المرة الأولى التي لا تنتابني رغبة في أن أكون مجرد شابٍ شبق، أمر على صور فتاة وأحاول رمي شغفي لها. هي المرة الوحيدة التي كنت أسأل فيها نفسي، لماذا علي أن أنظر إليها وأعرفها؟ ينتابني شبق عبر الصور لكي أفعل شيئاً، لقد أيقظت النسوة عقول ذكورنا، ما إن وضعت الإناث صورهن، حتى تغيرنا قليلاً، وما إن تأخر وقت الحرب حتى وصلنا للحب. بشريتنا تحتمل الحرب لوقتٍ قليل. أو أن صوفي أخرجتني من الحرب لأنام على ما تبقى من نقص قدميها في الصورة.
لوقتٍ طويل، كُنت أستجدي الأرقام التي تدل على تاريخ الصور لكي أعرفها أكثر. ذاتنا في الصورة بلا حُراس، والوقتُ كفيلٌ بتذكر الصورة والحديث عنها. كانت صوفي جميلة، مبدعة في جعل فمها ملائماً لأسنانها، هذا البياض الكلاسيكي اللائق لقتل الشهوة الجنسية، وجعل العين أكثر استمتاعاً في التقاط تراصف الأسنان. أملك عيناً موصلة بيدي، وما أن تحصل دهشتي على نشوتها أفرغ في القلم، ليس لأني كاتبٌ فقط، بل لأنني خائف أيضاً. علينا أن لا ننتصر لأجسادنا كلها، اليدُ اليُمنى هي التي تحمي من الصفعات، اليد هي التي تجرُّ الأخ الصغير إلى رشده، اليدُ هي الطريقة الوحيدة التي تضع بها إشارة الصليب على الجسد كله. كان لصوفي أن تجعلني أكتب بيدي التي أحبها.
هناك خداع في تأمل الصور، لكي أحتمي منها جعلتني أقترب أكثر، قالت لي إنها في دبي. عرفتُ حينها أنها تبدّد وقتها عبر الشاشة، وتنتظر كطفلة أباها العائد من العمل، لكي تأكل معه، أو تمارس فعلاً بشرياً تفتقده كما في بلدي أنا الذي يجتمع فيه البشر ككتلٍ متراكمة علهم يفعلون شيئاً.
لقد بدأت اكتشاف صوفي وبدأت تعلم الضحك، بعد مسيرةٍ طويلة من الخيبة والحزن، كان العالم قاسياً كما الآن وأنا حزينٌ من الحرب والقتلى والمظلومين، حزينٌ لأنني فتحت مساحات قلبي لكل عابرة، وهوسٌ جنسي أصابني لكي أبدو شيطاناً. أو صياداً جنسياً بعين محترفة. في الحرب يبدو الشبق الجنسي ملائماً لطبيعة الكآبة، وطبيعة الخوف، لا أعرف كيف أبرر للنساء طمعنا الذكوري النقي في الارتجاف أمامهن، هنا حيث نشعرُ بأن جسدنا عثرة الحرب الوحيدة فندفعها باتجاه أسهل الرغبات. من هنا أسأل نفسي أنا مقتنع بقول جبريل مرسيل. «لا يُمكن أن أقول إنه جسمي أنا، ولا إن جسمي ليس لي، ولا إن جسمي لغيري»، إلا أنني ما إن رأيت صوفي داخل الحقيبة حتى قلت إن جسدي هو جسدها سأتسع معها في حقيبتها.
كان مبكراً أن أقول لها هذا لكنني قُلته. كانت صوفي توزع صورها داخل الحقيبة عبر الفيس بوك، توزعها على أعيننا، لم ترفع صوفي حقيبتها عالياً، أبقتها لتحتوي جسدها، هذه الإشارة التي لم تصلني إلا مؤخراً. صوفي تضع جسدها دوماً في حقيبة لترحل، علها تجد نفسها كما تُحب، فلا يحميها منا ومن ألمها إلا حقيبتها.. هذا لا يعني أنني لم أسافر مثلها لكن بعضنا يُعبر عن سفره بِشعره، وبعضنا يخرج من البلاد ويصور قدميه أمام البحر، وبعضنا لا يُصور شيئاً، فكثيراً ما يكون اكتشاف الذات خارج البلاد لا يعني تخارج الذات نحو الآخرين. صوفي التي أصبحت أعرفها أكثر أحبت أن تضع جسدها داخل حقيبة لكنها تملك أكثر من هذا لتقوله. الصور لا تُعبر عن أمكنتنا ولحظاتنا فقط، بعض الصور هي الرغبات كلها. صورةٌ حية واحدة، قد تُشبه صورة المقبرة التي يُنقش عليها اسم الميت وسنه ومولده، صورة تتحدث عن الموت يساويها صورة تتحدث عن الحياة أيضاً. صورة لصوفي في الحقيبة كانت أنطولوجيا كاملة لها. هذا لا يعني أن وقت كتابة هذا النص هو نفس وقت هذا الاكتشاف لقد تأخرت كما دوماً.
كانت صورتها تتحدث، وحقيبتها أيضاً، الضوء خافت، أنا المصاب بحمى الضوء اضطررت لأن أضغط عشرات المرات لكي أرى وجهها بشكل أفضل. فتاة تجلس في حقيبة، قدماها طويلتان جداً. إنها الحرب. هذا تفسير شائع لأجساد البشر، لتحركاتهم، الحقائب للهجرة، والألم للموتى، والماء للطهارة، والبكاء كبحث عن حقد يليق بالقاتل.
أحببتُ وجهها ما إن رأيته يتحرك أمامي على سكايب، سريعاً ما قلت لها أستطيع أن أتزوجك من هذه اللحظة. لقد دفعت ثمن هذا، سأقول لكم شيئاً أنا مهووس بانتقاد البشر لضعفٍ شخصي هائل، لكن صوفي رممتني بيسر. ببرود شديد أعادت ترتيب هوسي، وكثيراً من جنوني بات جميلاً. كانت باردة وتتحرك ببطء، كثيراً ما فركتُ وجهي بالبيض المسلوق لكي تضحك، أو لعقت أصابعي أمامها، هي تُحب السينما كثيراً، وتخاف من وجه المهرج وأنا تحولت إلى مهرج دون أن أضع إلا بعض المأكولات والسوائل. كآبتي المقرفة حوّلتُها لدمية لكي تضحك صوفي التي تملُّ في انتظار وقت قدوم أبيها.
كُنت أرى وجهها، دون أن أفهم أنها أقوى مني، أكثر قدرة على التأمل البارد، كنت مخطئاً، أظنها بلهاء لا تعرف كيف تشق وجهي وتعرف كل ما في داخلي، كنت أبلهاً حقيقياً، لم أعلم حينها أنها صامتة، وصعبة ونصف رغباتها تملك صناديق لا تُفتح بسهولة. كنتُ مهرجاً بسيطاً، مهرجاً خجولاً صغيراً وناعماً وكانت صوفي المالحة تعفن جروحي سريعاً أو هذا ما ظننته. صوفي عفّنت جروحي، قلّمتها، بقدميها الطويلتين، قشّرت الصدأ عن بابي، التهمته، ولأنها ترسم بدقة، لم تر خطوط وجهي، ولا سذاجتي. لقد حدّثتني عن نوار الذي تراه.
* كاتب سوري