لقد اعتاد دارسو الأدب على إطلاق مفهوم اللعنة والملعونين على تجارب كتاب أنهوا حياتهم بشكل عنيف، منتحرين في ظروف إمّا مأساوية أو غامضة. كان أوّل من صاغ هذا المفهوم الشاعر الفرنسي بول فيرلين في كتابه Les Poètes maudits سنة 1884. وبحسب فرلين، يعتبر الشاعر أو الكاتب ملعوناً سواء أقدم على الانتحار أم لم يقدم عليه، لكنه ذلك المبدع الموهوب جداً الذي لم يكن بمقدور المجتمع أن يفهمه. وهو في المقابل كثيراً ما يرفض أو يناصب العداء قيم المجتمع، بتصرّف مثير ومستفز لمحيطه، ويسعى بخطورة قصوى وبقوة إلى دماره الشخصي. وفي العموم، تخترمه يد المنون وهو في ميعة الصبا قبل أن تدرك قيمته الإبداعية والفكرية من قبل المجتمع.

تحضر في أدبنا المغربي تجارب إبداعية يمكن تصنيفها ضمن أدب الملعونين مع درجات مختلفة ومتفاوتة، قد تصدق على البعض بشكل كامل أو جزئي. لكن الجامع المشترك بينهما هو إنجاز فعل الانتحار لعدة أسباب مدركة أو ما زالت شديدة الالتباس. هنا، نقدّم حوري الحسين مسرحياً، وكريم حوماري شاعراً، وسعيد الفاضلي كاتب قصة...

كلّهم كانوا انتحاريين من أجل الحياة مغايرين ومنخرطين في معركة يائسة ومنذورة لفشل فظيع، ومنتسبين إلى سلالة همّها الركض السريع إلى الأشياء في وضعها الأخير، أي الموت. لذلك، كلّ الأسئلة تبقى معلّقة ولا جدوى من طرحها. وكما قال الشاعر الفرنسي روني شار عن هذا النوع الإرادي للموت: «ليس الموت سابقاً ولا لاحقاً، إنّه إلى جانبنا حاذق وتافه».

حوري الحسين (1946-1984): ابن الحيّ الفقير تفرّع كغصن كبير

حوري الحسين واسمه الحقيقي مذنب الحسين كان من أوائل المبدعين المغاربة الذين صدموا المشهد الثقافي بانتحاره المفاجئ والصادم في صيف 1984 في شقته في المحمدية. عانى كثيراً من الفقر والبؤس في طفولته وشبابه. هو ابن كاريان (حي صفيحي) سيدي عثمان في الدار البيضاء من مواليد سنة 1946، لم يستطع إكمال دراسته حيث غادر مقاعد الدرس في المرحلة الإعدادية. لكن تعلّقه بالمسرح أداء وقراءة وتأليفاً وإخراجاً في ما بعد، أبان عن عصامية نادرة أهّلته لأن يكون واحداً من أهمّ رواد مسرح الهواة، بل منظّراً لما أسماه هو بمسرح المرحلة ذي التوجّه الواضح نحو المسرح التحريضي. وظّف أساليب قلّما تجتمع في الأعمال المسرحية المغربية من البحث الدرامي الرصين وتجريب أشكال مسرحية نابعة من خبرة وموهبة حوري الحسين في العمل المسرحي، مع مسحة شعرية في الأداء والتصوّر العام للبناء المسرحي. كتب عن حوري الحسين الكاتب المغربي حسن بحراوي مقالة رائعة تحت عنوان «العيش على حافة الهاوية» في جريدة «الاتحاد الاشتراكي» في ملحق «فكر وإبداع» أبان فيها عن الكثير من أسرار حياة الفقيد وحجم الغبن والخذلان الذي تعرّض له قاده في النهاية إلى الانتحار كما لو أنّه يؤدي آخر أدواره الاحتجاجية، لكن هذه المرّة على مسرح الحياة.
ترك حوري الحسين خلفه ريبرتواراً مسرحياً رفيعاً. تعدّ مسرحيته «الحرباء» أفضل نموذج يمثل مسرح حوري الحسين، إضافة إلى الكثير من المسرحيات المتميّزة مثل «سمفونية الغضب» و«الزمن الأحدب» و«امبراطورية الشحاذين»... و«فريفرة» التي تعد تسجيلاً لسيرته الشخصية مع البؤس والضياع، إضافة إلى تنظيراته المسرحية التي قدمها على شكل أوراق في الكثير من مهرجانات وملتقيات مسرح الهواة. المؤسف هو أنّ حوري الحسين تمّ اغتياله مرّة ثانية في شخص أعماله وإنتاجاته المسرحية، ووصيته الأخيرة، إذ لم تنشر أو توثق، وتركت لتذروها رياح الإهمال، ليبقى كما قال عن نفسه: «يا ابن الحيّ الفقير، يا اسماً مجلوداً...معروفاً، يا شكل الإنسان الأسير، يا حلماً.. يا شرفاً.. يا شهماً، تفرّع كغصن كبير». الآن، وبعد مضي العديد من العقود، ما زال حوري الحسين يمثل جرحاً كبيراً في جسد المسرح المغربي.


كريم حوماري (1972-1997): روحه هناك... في كلّ مكان

ينتمي كريم حوماري إلى أولئك الشعراء المهووسين بالنهايات. ما الذي كان يدور في رأسه لمّا أقدم على شنق نفسه قريباً من الفوهة المسماة «باب الموت» قبالة المحيط الهادر في ميناء مدينة أصيلة الهادئة والوديعة. هذا الشاب اليافع الذي فضّل مغادرة الوجود بطريقة قاسية، كان فاعلاً جمعوياً وحتّى سياسياً.


عين الأشباح تطاردني صباح مساء، داخل عروق أصيلة المتشابكة في جسدٍ إيقاعُ دمعِه بطيء، وقلبُه له دقاتُ طبل، لكن لا أحد يسمع (كريم حوماري)
كتاباته الشعرية مفعمة بالاحتجاج والرفض، فيما صوت الشاعر الداخلي يهجس بين الحين والآخر بظلال الموت الجاثمة على روحه. في رسالة إلى صديقه القاصّ مصطفى حيران قبل انتحاره بقليل، كتب: «عين الأشباح تطاردني صباح مساء، داخل عروق أصيلة المتشابكة في جسدٍ إيقاعُ دمعِه بطيء، وقلبُه له دقاتُ طبل، لكن لا أحد يسمع». هل هي صدفة أن يكتب عنه صديقه الشاعر إدريس علوش والقريب منه نصّاً بعنوان وبضمير يعود على كريم حوماري «يحفر الليل قبري وينام»؟ وفي مقالة عنه في جريدة «الأخبار»، يروي الشاعر ياسين عدنان أنّ مخبرين زاروا بيت الشاعر وفتّشوه واقتادوه إلى مركز الشرطة، ثمّ في ما بعد أطلقوا سراحه، «لكن يبدو أنهم أطلقوا جسده فقط، فيما ظلت روحه معتقلة لديهم». ربما تركها هناك، وفي كلّ مكان أيضاً، وفي ديوانه الذي سيرى النور بعد موته «تقاسيم على آلة الجنون» حيث سنقرأ المسار الجانح لروح قلقة في مغرب ربّما لا يسع مثل هذه التجارب الحادّة في قولها الشعري ومصيرها الوجودي.
مقاطع من «تقاسيم على آلة الجنون»

1

الأقلام تسيء نطق كلامي
الكلام يسيء نطق اشراقي.

2 - مشهد

رأيت الشعب مشغولاً بدفع العربة إلى الأمام
رأيت العربة مشغولة بدفع الشعب إلى الوراء
رأيت شعباً من العشاق ينتحر
رأيت راهباً يحمل مقصلة
حاكماً يحمل مشنقة
رأيت الجميع يحارب الجميع
وأنا لم أشارك في المهزلة.

3 - نبوة

ليست لي
الأرض
التي تحملني
ولا السماء
التي تحصرني،
ما أنا إلّا ورقة خريف
بين خيط الريح
أو نبي آخر ساعة
تحت شمس باردة
في بحر معشوشب
أستريح صحبة باقي الأنبياء.

4

من رمادي تنهض العنقاء
يذهبان سوياً
وتخطئني بنادق الصحو
ولا أنتعل حذاء هذا الجنرال
حين أدوخ.

5

يسقط الكلام من شرفات صمتي
ترحل طيور أحلامي من سماء غضبي
تسقط زهرات العمر في ضياع الوقت،
من يدري أنني غازل خيوط ألمي؟
أغني و أبكي، لست أدري
فلتنهض حروفي من نوم حبرها،
وليسقط حبري دمعة في رحاب الوجد
ضيعت نفسي وهلكت آخر أنفاسي،
هذي يدي الممدودة صوتا في العراء
وهذا جرحي الثابت في جدار الهواء،
متى تأتون؟
لكم أجنحتي من صلابة الوجد
ولكم رقتي
تترك خطوتي آثار فرسان
وأشكو عابر سبيل ضللني،
حتى يأتي الماء من جهة القلب؟
ثم أين أضع هذا القلب ونبضه؟
فقدت صوابي وأخطائي،
فلتأت حروب كي أدفن شهادة نفسي.

هل رأيت؟

هذه الشمس
ساعة بلا أرقام،
وأنت تسأل عن الوقت.
هذا الليل
أتى فقط
كيف تشعل الأنوار
وتمشي مسافة الاحتراق،
ضائعاً بين أرصفة الجليد
وخدعة الأمكنة.
هل رأيت هذا الهدوء العليل
المنتشر في القصور،
وأعراس الحزن
المقامة في القبور
وهذا الهواء التافه
المرعوب من عنف العاصفة
وصمت النّجوم
الملتزمة بالحياد
رغم عنف المرحلة، هل رأيت؟
هل رأيت شحوب النباتات
والحمق المنتشر مثل الطاعون
في سائر الجهات
وتلك الفراشات القادمة
من ضفة الانهيار المرتقب؟
عليك
أن تختار
أو
تنهار...

سعيد الفاضلي (1960-2004): محقّق الرحلات في رحلته الأخيرة

وضع الكاتب القصصي والباحث الأكاديمي سعيد الفاضلي حدّاً لحياته عن عمر جاوز الثالثة والأربعين في أحد فنادق الدار البيضاء، بطريقة حيّرت الجميع، خصوصاً أصدقاءه المقربين. إذ كان الرجل في قمّة عطائه الإبداعي، وأوج مساره الأكاديمي الناجح إثر فوزه بجائزة ابن بطوطة الرفيعة في إطار مشروع «ارتياد الآفاق» الإماراتي الذي يعنى بأدب الرحلة، عن تحقيقه لـ «الرحلة الأوروبية» لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي. انطلقت تجربة سعيد الفاضلي القصصية من خلال مجموعته «إرم ذات العناد» (1997) ذات العنوان القائم على اللعب اللغوي والإحالة على مرجعيات تراثية وتاريخية، كاشفاً عن اقتدار فريد في الكتابة القصصية، إذ يعمد كثيراً إلى كسر أفق انتظار القارئ، والتحكّم البالغ في البنية الحكائية للقصّة. المجموعة القصصية الثانية «أيام مغلقة» (1999) تعمّقت تجربته واتّجه بها نحو الأقصوصة والتكثيف لعناصر البناء القصصي أشبه ما يكون بتجربة الكاتب القصصي المصري يحيى الطاهر عبد الله. هذا مع الكثير من الأعمال التي حققّها أو شارك فيها مثل تحقيق ديوان عبد المجيد الفاسي سنة 1999، وتحقيق «وادي الجواهر ومجموع المكنون من الذخائر» لعلال الفاسي سنة 2000. إنّ هذا المسار الناجح على عدّة مستويات كان يعد بمستقبل باهر لكاتب مثل سعيد الفاضلي ذي الثقافة المتنوعة والذكاء المتّقد والحيوية الفكرية والإبداعية، علاوة على طموحه. لكن في لحظة غامضة جدّاً وبعيداً عن الرباط مقرّ عمله وسكناه، وفي الدار البيضاء، تحديداً في أحد فنادقها أمضى يوم الأحد في غرفته يردّ على مكالمات أصدقائه ويكاد يمازحهم أحياناً...

أمضى سعيد الفاضلي يوم الأحد في غرفته يردّ على مكالمات أصدقائه ويمازحهم أحياناً، ليعثر عليه خدم الفندق صبيحة يوم الاثنين منتحراً
ليعثر عليه خدم الفندق صبيحة يوم الاثنين منتحراً، ولينتشر الخبر الصاعق والدرامي بين أحبائه وأصدقائه. لذلك يمكن أن نتساءل مع الروائي المغربي حسن رياض الذي حاول تفسير هذا الغياب المأساوي: «هل شعر سعيد الفاضلي في لحظة ما وهو يسير باتجاه تجربة فريدة، إن لم أقل نحو نضج فني أرقى، أنّه على موعد مع الموت تاركاً حرقة البياض وسواد الأسئلة، ابتسامته المقتضبة، صمته البليغ وهدوءه النادر».
هنا نموذج من قصصه لعلّنا نعيد له بعض الذكرى بعدما جرفه النسيان إلى حدّ أنّنا بحثنا عن صورة شخصية له فلم نعثر عليها:

■ ■ ■


الجوّ قائظ والرطوبة خانقة والسراب يمتطي متن الإسفلت متلألئاً كثوب شفّاف. لا هناك، على الرصيف الأيسر من هذا الشارع الممتدّ الموحش، هناك... يبدو رجل يمشي فريداً شارد الذهن.
على نفس الرصيف، أعني الرصيف الأيسر، خلف الرّجل أعني الرجل الشارد الذهن، على بعد مسافة محترمة نسبياً، مع استحضار محترمي هذه الأيّام، هناك يبدو كلب يمشي فريداً يشغله لهاثه عمّا حوله.
رفع الرجل عينيه إلى السماء ماسحاً جبينه ثمّ نظر إلى الرصيف الأيمن هنا حيث الأشجار الوارفة الظليلة تتعانق على طول الشارع. ردّد بصره بين الرصيفين، فتنبّه إلى أنّه يمشي على الرصيف الخالي من الأشجار. قرّر أن يعبر إلى الرصيف ذي الأشجار، أعني الرصيف الأيمن، اتّقاء لأشعة الشمس اللّافحة. بدأ العبور بتثاقل، وبسبب شروده أو لوقع الشمس على رأسه، أو لتفكيره في شيء أو أشياء لا ندريها، أو بسبب ذلك جميعاً، وكما يحدث في مثل تلك الحالات المتهورة التي اعتدنا على رؤيتها في حملات الوقاية من حوادث السير، وخصوصاً منها ما كان للتحذير من الإفراط في السرعة، صدمته سيّارة مرقت كالسهم، بل إنّها ازدادت سرعة بعد صدم الرّجل ومضت قدماً لا تلوي على شيْ.
سقط الرّجل أرضاً وبقيت جثته ملقاة وسط الطريق الموحش والشمس ترسل عليها أشعتها اللّافحة غير عابئة بما جرى. وبخلافها، توقّف الكلب لحظة قصيرة لسماعه ضجّة الفرملة القاسية. كما توقّف لنفس اللحظة القصيرة عن اللهاث، تتبّعت عيناه مصدر الضجّة ومشى مقترباً من الجثّة، في مهل حذر، اشتمّها بلا مبالاة كلبية كبيرة، ثمّ عبر في هدوء إلى الرصيف الآخر، أعني إلى الرصيف الأيمن، الرصيف ذي الأشجار الوارفة التي تتعانق على طول الشارع، وتابع طريقه وقد فارقه اللهاث، وأمل سراب الماء يتلألأ في عينيه.

عبد القادر الحاوفي (1965-2014): نوم تنقصه الأحلام

شكّل رحيل الشاعر المغربي عبد القادر الحاوفي المفاجئ أيضاً صدمة للمشهد الثقافي والإبداعي في المغرب، لأنّه وضعنا مباشرة أمام الموقف التراجيدي للكاتب المغربي والشاعر تحديداً في وجه الإقصاء والتهميش، ليس من قبل المؤسسات الثقافية، بل حتّى من قبل المجتمع. لقد صار فعل الكتابة المبدعة الخارجة عن السائد والمألوف، فعلاً خطيراً لا يتهدّد سوى مبدعه. قال عبد القادر الحاوفي: «جاثم/ بثقل فقري/ على صدر الحياة» ملخّصاً معاناته الاجتماعية والوجودية. وبإحساسه الفجائعي بالحياة والمصير، لم نلتفت إلى صوته يمزّق أفقنا الشعري: «الساعات جنازات/ ليت العقارب معطّلة»، والكثير من شذراته الخاطفة لينتهي بهذه الجملة في رسالته الأخيرة: «أخفقتُ في الشعر والكتابة والرسم، ولم أوفّق حتى في حماقاتي الجميلة في حضن الحياة. (…) وأمام كل الإخفاقات التي واجهتني في الحياة سأقف اليوم قوياً في وجه الموت...وداعاً». مات عبد القادر الشاب المرهف الإحساس الذي لم يؤمن إلا بجنون الشعر. عاش متألماً يحتضن كتبه وأوراقه، يرعى وحده ظلّ نخلة في صحراء يدعوها الوطن. مات هو الآخر في غرفة فندق في مدينة سيدي بنور المغربية، بعيداً عن مدينته بمئات الكيلومترات، تاركاً رسالة مطوّلة معتذراً للجميع عن مجيئه الخاطف إلى هذا العالم، وحتّى لرجال الشرطة مختصراً عليهم عناء البحث وأنّ الأمر يتعلّق بانتحار شاعر.
عبد القادر شاعر ذو نبرة قوية يتّجه دون مواربة إلى أقصى ما يمكن أن يمنحه الصوت الشعري من مساحة للتعبير، خذلته قسوة الواقع ومرارته... شاعر مغربي لم يملك ما يحمي به نفسه من كوارث الحياة... مساحة الرفض كانت لديه كبيرة لكنّ المسافة كانت أمامه تتقلّص يوماً بعد يوم في اتّجاه جدار الموت، هو الذي ظلّ يردّد في قراءاته الشعرية:
يجب
أن تقول لا
حيث تقول نعم
كي لا تصحو على وطن من ندم.

■ ■ ■

شذرات


1 - إصرار

جاثم
بكل ثقل فقري
على صدر الحياة.

■ ■ ■

2 - الشاعر

يسوّي
أوتار أضلعه
ليندلق الخلود...

■ ■ ■

3 - طلل 

أنقّب
في الصحراء عن ظلّ نخلة
أدعوه وطن..

■ ■ ■

4- أمنية

الساعات
مشاريع جنازات.....
ليت العقارب معطلة