يتخذ الكاتب السعودي عمرو العامري من فترة التحولات النفطية الكبرى في السعودية فضاءً سردياً لروايته «جنوب جدّة... شرق الموسّم» (دار الساقي). يجعل من قصة عاطفيّة مغدورة مرآةً للتغيرات الاجتماعية التي رافقت التغيرات الاقتصادية آنذاك.
يسند العامري للسرد الروائي مهمة ما أسماه «لعبة التوازنات»، إذ إنّه يقاوم ـــ بالكتابة عن حقبة تمتد لخمسين عاماً ـــ التسريع الذي تتعرض له حيوات الناس والمدن. يفكك ببطء حياة بطل روايتهِ، حسين، العنيد والمتطرف في خياراتهِ. تبدأ الرواية بمساعدة الراوي، محسن، لآخرين في حفر قبر خالهِ. تبدأ الرواية بحياة منتهية، ثم يعود الكاتب في الصفحات التالية إلى رسم خطوط نهايتها.
يشكل قدوم المخاضرة وإقامتهم في المقابر الدارسة طقساً موسمياً مرتبطاً بالحصاد، وحضوراً مختلفاً في ليالي القاسمية المتشابهة. إذ تهاب نساء القاسمية بناتهن اللواتي يشعلن البهجة في الليل، حيث تعمر الليالي بالغناء والرقص، ويحمل الصبيان عصياً لاكتمال الإحساس بالرجولة.

تملأ اللهفة قلب محسن في أولى سنوات مراهقتهِ من أجل رؤية خديجة وأختها فاطمة، إذ سمح له عمره بالاقتراب منهن، بينما اكتفى الآخرون بالتلصص على الصبايا وهن يرقصن من بعيد. كذلك، يتجمع الرجال في الساحة، للاستماع عبر الراديو إلى صوت الرياض وصوت القاهرة لأخبار عن بلدان مجهولة وبعيدة. أكثر الشتائم قسوة التي توجه ضد المخاضرة لاقامتهم في المقابر بأنّهم «جمهوريون». إذ بات وصف الجمهوري وصفاً «للتسلط والظلم». يصور الكاتب الجهل بالمفردات السياسية، حيث كل مختلف هو شر بالضرورة، لا سيما إن ارتبط باضطرابات على الحدود الجنوبية حيث الحرب الأهلية اليمنية بين الجمهوريين والملكيين. يشكل حمل هجرية من المروعي، الحدث الذي يدفع بالرواية إلى التصاعد، إذ إنّ الفضيحة التي هزت سكون القرية تدفع بالخال حسين إلى التحضّر للسفر، بعدما رفض والده تزويجه من سلمى، وقد أودى عناد الرجلين بهما إلى قطيعة طويلة. ترافق رحيله عن القاسمية مع هلاك للمحاصيل بفعل السيل ووفاة خديجة إثر اصابتها بالحمى.


قصة عاطفيّة هي مرآة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية آنذاك
وكان يوم وفاتها آخر ليالي المخاضرة المشهودة. مع انتهاء أيام الحصاد ومغادرتهم، باستثناء عائلة خديجة، تتحول أيام البهجة التي عرفتها القرية إلى أيام للانتظار والرتابة.
في عرف أهل القاسمية، فإنّ الشام هي جهة الشمال التي تأخذ أبناءهم للعمل في مناجر الخشب ومصانع الطوب وورش الحديد. يمضي حسين والمروعي إلى جدّة؛ وهناك يرسم الكاتب عبرهما مشهد التحول الاقتصادي والاجتماعي في المملكة إبان الطفرة النفطية، وتوسع الجهاز الحكومي والتكاثر المفرط للشركات. هجر الشبان المزارع وبات الأرز وجبة رئيسية بعدما كان ضيفاً نادراً. راحت تتشكل تجمعات المغتربين متشابهي المصائر على أطراف جدة، عاجزين عن الذوبان داخل المجتمع الجداوي، لإحساسهم بأنّهم أقل قيمة وأشدّ فقراً. يعمل حسين في شركة «بيبسي» قبل الالتحاق بالشرطة في حين يعمل المروعي حارساً في شركة ابن لادن، ويسجل المهندس مروان باسمه عقارات يجهلها المروعي، لكنها لا تلبث أن تغير حالهُ. تستمر الحياة في القاسمية على حالها المعتاد، يتزوج والد محسن من فاطمة، ويعود المروعي ليتزوج سلمى، الفتاة التي أحبها صديقه حسين وشتت حبها سنوات عمرهِ، ليشكل ذلك الزواج انفجاراً في حياة الخال. يلحق بهِ محسن إلى جدة ويقع على مفارقة تعلم البنات على آلات موسيقية لا مثلما يعرف من رقص لبنات المخاضرة في البراري، ويعمل في الشرطة أيضاً. في حين تمضي حياة المروعي في اتجاه مختلف، يبيع مروان العقارات ويصير المخيال المروعي، بين يوم وليلة، الشيخ عبد العزيز؛ مضارب عقارات ورجل أعمال له شبكة من العلاقات مع المتنفذين، بالإضافة إلى زوجات ثلاث. بدأ زمان جدة بالتجهّم، حيث منعت السينما وحفلات الطرب، «كل شيء انطفأ فجأة»، واضطر مدير حسين إلى حثه على الاستقالة، بعدما تغير سلوك حسين إثر زواجه من زهراء وعدم إنجابها، ما أضاف خيبة جديدة إلى حياة الرجل المليئة بالخيبات. باتت رائحة المشروب تفوح منه. ولن يستطيع أحد حمايته من «الهيئة»، رغم انتشار ثقافة جديدة، هي ثقافة الرشاوي والتزوير والسرقات والاغتصاب، والحروب التي كان أهل القاسمية يسمعون عنها في نشرات الأخبار وتبدأ بقضم أولادهم. وكان جلّ الأبناء قد اكتفى من «الديرة» باعتبارها جهةً للحنين، وراحوا يمضون إلى جهات الحياة كافة.
يعرض العامري بحذر شديد صورة مختلفة عن تلك السائدة للمملكة؛ حيث السينما العامرة، والمشروب، وندرة تعدد الزوجات والاعتماد على الزراعة، إضافة إلى المرأة العاملة التي تصون كرامتها بعملها. في المقابل، ينقل لنا صورة جدّة القديمة، بعد خمسين سنة من التغيرات، وقد باتت أطلالاً في حضور مشاريع الاستثمار والبناء، إلى جانب التغيرات الاجتماعية. تمثل شخصية المروعي ذلك الشكل العنيف والمخزي للتطورات التي شهدتها المملكة. كما لو أنّه لكل زمان رجالهُ، وتمثل «جنوب جدّة.. شرق الموسّم» ذلك العبور الهادئ والمحبط للزمن على الأمكنة.