- هؤلاء الرجال خطرون جداً. إنهم مثل العقارب التي عليك أن تحسب حسابها حتى ولو قطعتَ حمّتها وألقيت بها في قاع بئر. أعلمُ أنك لا تحبهم... حسناً، ليس عليك أن تحبهم ولكن عليك في الوقت نفسه ألا تشعرهم بذلك... عليك ألا تشعرهم أنهم يقومون بعمل لا تحبه لأنهم عندئذ سيعاملونك بطريقة سيئة، هل تفهم؟ أرجوك افعل ما أقوله لك ليس من أجلك فقط ولكن من أجلي أنا أيضاً.

همس أخي الكبير حين ظهرت لنا من بعيد سيارة «بيجو» مركونة إلى جانب الطريق وحولها أربعة رجال يرتدون زياً مدنياً فيما وقف الخامس باليونيفورم المموّه في منتصف الطريق تماماً وهو يؤرجح الكلاشينكوف بيده اليمنى.

أشار إلي أخي بهزة خفيفة من رأسه أن أنزل زجاج السيارة حتى نتجنب النزول منها. انحنى العنصر على النافذة وسأل بنبرة حيادية:
- من أين الشباب؟
- من القامشلي ولكن مقيمون في ديريك.
أجابه أخي إجابةً مقتضبة ولكن مشفوعةً بابتسامة مصطنعة.
- الهويّات.
كانت هويّة أخي موضوعة على طرف التابلوه. أما أنا، فقد مددت يدي بشكل آلي إلى جيب القميص حيث اعتدت وضع هويتي وأخرجتها بتثاقل مقصود. كانت نصيحة أبي نافعة: إذا أردت أن تعطي انطباعاً للدورية، أي دورية، بأنك شخص مهم فاحرص على أن تكون حركاتك أمامهم هادئة وثقيلة لأن اكتشاف أهميتك الحقيقية سيستغرق منهم وقتاً لا يملكونه.
كم كنت أحتقرهم وما كنت لأوفر أي فرصة سانحة للتعبير عن شعوري هذا.
لاحظت على الفور استياءه من الطريقة التي ناولته بها الهويّات، فلم أعر للأمر انتباهاً ولم أزد على أن حوّلت نظري في الاتجاه الآخر حيث الظلمة التي لا تستطيع مشاعل آبار الغاز المتقدة ليلاً نهاراً التخفيف منها.
تقدم المساعد الأول ودقق في الهويات متنقلاً ببصره بين وجوهنا وبين صورنا الشخصية. لم تصدر عنه أية ردة فعل، واكتفى بإعادتها إلينا وهو يحوّل نظره باتجاه سيارة قادمة من بعيد.
هذه البلاد غريبة، لا تعرف متى وأين يمكن أن تظهر لك دورية خاصةً أن المنطقة حدودية وأغلب سكانها من الأكراد، والحكومة اعتادت على تسيير الدوريات دون نظام محدد، ونحن بدورنا اعتدنا على إعطاء الهوية لكل واقف مسلح على الطريق بمجرد أن يطلبها.
آخر انقلاب عسكري وقع قبل 40 سنة، وآخر حربٍ دخلتها البلاد كانت قبل 38 سنة وآخر تمرد داخلي مسلح تم القضاء عليه نهائياً قبل 27 سنة وآخر مظاهرة مناوئة للنظام أخمدت قبل سبع سنوات دون أن تترك أية آثار جانبية خطرة وسرعان ما تناسى الشعب والحكومة ما جرى وعادا إلى التعايش من جديد.
بينما كنت غارقاً في تخيلاتي، كان المساعد الأول ما زال متكئاً بمعصمه على نافذة السيارة، همس لنا بود وهو يشيعنا:
- لا تؤاخذونا... هذه أوامر، تعلمون أن هذه المنطقة حدودية.
- بسيطة... يعطيكم العافية، نعلم أنكم تؤدون واجبكم. قال أخي بدبلوماسية مقيتة.
في الحقيقة، إن شرطة الدوريات هؤلاء أفضل الأساتذة الذين يمكنهم العثور عليهم في مدرسة لتعليم الكذب والنفاق، عليك أن تتعامل معهم تعامل المريد مع الشيخ أو الفلاح مع الإقطاعي حتى تأمن شرهم. إنهم لا يحسبون حساباً لأحد اللهم إلا للمهربين والمدعومين الذين لا تحمل سياراتهم لوحات مرورية وهؤلاء لا يبذلون أي جهد لإخفاء وقاحتهم واستهتارهم.
حين خلفناهم وراءنا قال أخي:
- كانوا ودودين أكثر من اللازم، ألم تلاحظ ذلك؟
- بلى ... لم يتصرفوا كجنود احتلال كما هي عادتهم.
- لا أدري ربما حدث شيء ما لا نعلم به.
- شيء ... مثل ماذا؟
- لا أعرف.
حين وصلنا إلى البيت كان التعب قد أخذ منا كل مأخذ. لاحظ أخي في الصباح الباكر أن اللوحة الأمامية التي تحمل رقم السيارة كانت قد سقطت منا في الطريق. وحين أخبرني بذلك، ضربت يدي على جبيني ولم أتمالك نفسي من الضحك.

* قاصّ من سوريا