يتخذ دون ديليلو في روايته «ضوضاء بيضاء» (1985) التي انتقلت إلى العربية عن «دار التنوير» (ترجمة يزن الحاج) من هاجس الخوف من الموت موضوعاً يترجم عبره سلوك أبطالهِ المتعدد والمتكامل. يجعل من الهاجس الأزلي حيال الموت، فرصةً لتقديم رؤية مغايرة للحضارة في القرن العشرين. روايته أشبه بإخبار لإخفاقٍ مدوٍ للإنسانية، فالمعرفة التي لا تتوقف عن التراكم، لا تملك ما يردعها عن الخطورة. حتى باتت تلك المعرفة المتراكمة خطراً بذاتها وفق المنظور الأدبي المثالي. بكلامٍ آخر، «كلما تزايد التقدّم العلمي، تعاظم الخوف البدائيّ». لكن هذا التساؤل المؤرق أحكم على الرواية طوقاً من السأم إزاء العالم المتحضّر.

ينهض ديليلو بنصه من القلق الراسخ الذي يدفع تساؤله القارئ إليه، عبر استخدام لغةٍ تحيلنا إلى الإغواء المرهف، والتركيز المحموم على تفاصيل غنية ودافئة في الحياة اليومية لأسرة مكونة من رجل وامرأة مع أطفال من زيجات متعددة! لغة الرواية التي ترجمها يزن الحاج، جاءت ممتعة. يغيب شريط الموت في ألوان متعددة من اللغة الباذخة والحوارات اللماحة والسريعة التي شكلت بدورها حيزاً من السرد إلى جانب الاستغراق بالوصف والتعاريف المباشرة للكثير من المفاهيم.
يفسر الكاتب وفق ما يسميه «النزعة التفاؤلية الأميركية» الكثير من التجليات التي يأخذها العنف، ضمناً حوادث السير التي تخفي وراءها روحاً مرحة. يصير النص في الكثير من فصولهِ، دراما صاخبة عن الحب والأسى والجنس والرّقة، ضمن عالمٍ مليء «بالمعاني المهجورة» إلى أن يصبح شاغل الكاتب إغناء تلك المعاني والدفع بها في وجه السؤال الذي كان قد اجترحه من العصر الذي يعيش بهِ.

دراما صاخبة عن الحب والأسى والجنس والرّقة

يواجه كلّ من جاك وبابيت فكرة الموت على طريقته. وبالتوازي، تسير رؤيتان متكاملتان للحياة كذلك. إذ تقع بابيت ضحية إعلان يطلب متطوعين لإجراء تجربة غامضة لصالح مركز أبحاث يجري دراسات على موضوع الخوف من الموت، ويصنع عقاراً يملك آلية تدمير ذاتي، ما يترك آثاراً غير معروفة على وجه الدقة. لكنه قائم بالمبدأ على النسف التدريجي للذاكرة كأنّما لا يمكن مقاومة الموت سوى بنسيان وجودهِ. من جهته، يتعرض جاك لتأثير كيميائي ضمن حدث هوائي سام، رافقه تشكّل سحابة غازات في الجو، ما أدى إلى إصابة جاك بنسب محددة منه، جعلت الموت يعيش معه، ويرافقه وفق دورة حياة «مستقرة» تمتد إلى 30 عاماً. أي، وبشكل نظري، يمكن أن يموت جاك، في حين أنّ موته سيستمر من بعدهِ. لكن المفارقة الأساس، أنّ بابيت، التي راحت إلى الموت بإرادة ذاتية، كانت مسكونة بخوفٍ مديد منهُ، بينما جاك، الذي وقع ضحيّة لإرادة موتٍ حتميّة كان راغباً بالحياة ومندفعاً إليها. وفق هذه المفارفة، راح ديليلو يحاكي موضوعاتٍ شتى. يرى عبر إحدى شخصياته، أنّ الحب ما هو إلا إشارات كهربائية في قشرة المخ، والسعادة عبارة عن خلية عصبية تتلقى تحريضاً أكثر من المعتاد، بينما الحرب؛ هي الصيغة التي تأخذها النوستالجيا عندما يرغم الناس على «كيل المديح» لبلادهم.
إلى جانب طريقتي كل من جاك وبابيت في مواجهة الموت، ابتكر ديليلو موتاً ثالثاً، عن شاب قرر حبس نفسه مع الأفاعي من أجل تحطيم رقم قياسي. بذلك، يصبح الموت المجازي، مصيراً لجلّ الحبكات في السرد. أمر مهد له الكاتب أساساً، على اعتبار كل دخول في حبكة، اقتراب من الموت المرتبط على نحو لا فكاك منه بفكرتنا عنه. الخوف في النهاية هو إدراك الذات. يفقد المرء الإحساس بالموت متى توقف عن الخوف، أي، متى توقف عن إدراك نفسهِ. يجرب الكاتب إخراجنا من المأزق الذي دفع النص إليه، بالتفكير اللحوح في الموت، عبر تقديم حبّ دافئ للأطفال، وهم المقابل الوجودي لفكرة الموت. سيظهر جاك في حوارات آسرة، كي يعبّر عن عواطفه تجاه الأطفال وطرق تربيتهم. ها هو يلوم بابيت على قراءتها لوايلدر وهي ترتدي لباس الرياضة، ويقوم بمراقبة الأطفال، وهو الفعل الذي يجعله في أقرب نقطة من الله.
يضع الكاتب مقارنات خجولة بين البلدات الصغيرة والمدن الكبرى، ويربط رؤيته بمفهوم مركب للضحية، فمن طبيعة سكان البلدات عدم إبداء ثقة بالمدن، كذلك وجود المدن الكبرى يوفر ذريعة لظهور سكان البلدات بمظهر الضحيّة. إلا أنّ الكاتب يبدو مهموماً بتكوين مفهوم أكثر اتساعاً للضحية، فالناس تواقون للانتشاء بفكرة الموت، وتلك الروح الأميركية المترعة بالمرح، تنجب ضحايا صامتين، ضحايا مخلصين لتاريخهم.
إذا كان الكاتب قد جعل من الضوضاء الشاملة حقيقة لاذعة، فإنّه في المقابل راح يؤطر تلك الضوضاء بنزعة غير عقلانية للتساوي، بتقديم مفاهيم متضاربة حول الأشياء. لقد ظهر دون ديليلو صائغاً للنص من هشاشة دافقة، محافظاً على اضطراب وتوتر يجيء من أسئلتهِ، إلى أن يحار القارئ: هل نحن أمام نص هش دافق بالرقة، أم اضطراب مشوش ومُحطِم؟ إنّه يقدم الكتابة التي تعيدنا إلى السكون بعدما توصلنا إلى أقاصٍ كثيرة من التخيلات.