*شطرنج


‎تلتفتينَ، بعينٍ ترمي بشرر،
‎تحركينَ البيدق فوق الرقعة،
‎قائلةً: فلنستعِرْ كوكباً آخر، حياةً أخرى هي كالحياة التي في الحكاية.

‎لكنّ الفضاء الخارجي مملكةٌ للكلام ليس إلَّا.
‎فنحن محمّلون بالتكهنات وبالشراكات المزخرفة أثقل من أن نطير، وأقل شجاعةً من فينيق.

‎تُـحصّنينَ ملِـيكَكِ، جاعلةً الرُّخَّ في موقع الهجوم أيضاً.
‎على شفا الانتصار،
أنتِ أكثر تحناناً بيديكِ المتحركتين في الهواء الذي بيننا،
‎وأكثر رغبةً في الغناء بين نقلةٍ وأخرى.

‎أتراجع، متجنّباً سهامكِ،
‎ساحباً وزيري الأكثر حيرةً على مربعات الأبيض والأسود،
‎ومفكِّراً في البستان الذي زرعناه بأشجار العائلة، ومنصتاً إلى الغناء الآتي منه:
‎الصوت افتراضيٌّ، اهتزاز موجاتٍ ليس إلَّا
والنشيد نهائيٌ على الأرجح، وصادرٌ عن جوقتين على طرفيّ البـرزخ.

‎مستهدفاً وجهكِ، متنبِّهاً إلى شفتيكِ المزمومتين بقوةٍ،
ومتمنياً لو أودِع حياتي فيهِما،
‎أحرك الرخَّ أيضاً،
‎معتمداً على أن الزاوية هي المكان الذي نرى فيه باتجاهين
‎وهي أيضاً مبتدأ النظرة إلى المشهد الطبيعي وإلى ساحة المعركة، حيث أنتِ على الجبهة الأخرى
‎تراوحين بين الصفوف بأفيالـكِ وبملابسَ برتقاليّةٍ وعمامةٍ صفراء، مظفّرةً، ومتوّجة.

‎كنت قد كشفت عن جبهتي الداخليةِ لكِ،
‎فاتحاً الجناحين، مُغرّراً بالفيلِ، والأحصنةِ، ومُـجملِ الجُند
‎إلا أن حماسكِ الخاطف شتت الإغواء كلَّه
‎وأربك خططي البديلة بألاّ أحرك مَلِكي إلى المكان الخطأ،
‎وألاّ أكون أباً، لهذا الكوكب.
*في مديح الدموع الصغيرة

‎الجملة بلثغها الإملائي الشفوق
‎التي كُتبت بانتباهٍ مُفكَّكٍ
‎لصبيةٍ تعبر خليجاً صغيراً من الدموع
‎وصبيٍّ يمتَـثِلُ لوصفٍ ذُكرَ في أُغنيةٍ عاطفيّة.

‎الحبُّ بينهما لم يكن فرائس، ولا لُـقىً، مــتحفية.
‎هو على الأرجح، عددٌ فرديٌّ من الزهور
‎واعتراشٌ أخضر لـزوجٍ من الكائنات، أو أكثر..

‎الحب هو سربٌ من الطيور الصغيرة التي تعبر الخليج الصغير من الدموع، ذاته.

‎البكاؤون نحن، والصبي، والصبية
‎ حُمِّلنا الأمل، والماء رَقراقٌ ومقبوضٌ عليه
‎عندما لا تكونُ اليد يداً ولا الزهرة زهرة.

‎أمام المرايا، الدمعة الساكبة كنّا
‎نستذكر الأسلحة السرية للمِهادِ:
قـبْـضُنا على السرائر،
وتـبـيـِيضُنا للنوايا
‎عندما يكونُ البكاءُ هُتافاً موحَّداً
‎ونحنُ: أعني الهاتفين،
نكون رُسُلاً بأجنحةٍ وحقائب بريديةٍ، ودموع.


*إلى غاستون باشلار

‎النجمُ الذي أضاء ملحمتنا
‎يأفل هذه اللحظة
‎كان في تقديرنا أن نجوماً ثلاثة على الأقل، إن لم تكن مجراتٍ ثلاث، ستسعفنا، تنتظم في تشكيلةٍ هي إشارة لما سيحدث،
‎أو إنها ستفيض علينا لحظةَ تحلّقنا حول المحب والكاره والحرون.

‎لكن ظلمة الأعالي هي أكثر ما تؤكده العين
‎ويدعمه غياب حزم الضوء التي كانت مفاتيحنا الى العِلِّية
‎وإلى الأقبية،
‎وإلى كل الزوايا التي لثمناها ونحن قاب قوسين من الطيران خارج هذا الجسد.

‎كنا نناجي الضوءَ المضمحل منعقداً على الجبين
‎لأننا ظَنَنَّا أن نجماً بعيداً قد سوَّرتهُ أمانينا
‎أو أن رعاةً عديدين يدفعون بنا، بلا جهدٍ، خطوةً بعد أخرى، نحو التخوم
‎لنأتي
‎ونرى
‎النجم الذي أضاء ملحمتنا
‎يأفل هذه اللحظة.

*الفعل الوادع والمتكرر للريح

التماثيلُ
أناسٌ أشاحوا بالنظر
ظلوا ممسكين على وهلة تذكّرٍ
رغم النسائم الخفيفة للنسيان
التي تتدافع بين الجزيرة وما عداها
غِبَّ الليل وصُبحه.

ما ربا منها في الغفلةِ أصبح صيد المخيلة
وما مَسَحَت عليه الريح
جيئةً وذهاباً
صار ذاكرةً ماثلة.

اللحظة لديهم ليست بالضرورة واقفةً
بل هي على الطرف المتقدم من الوقت
ورهنُ إشارة يد:
- أَنْ انتظري أيتها اللحظات في الأثير
محايدةً أمام الذكرى التي تهرم بنا
محايدةً أمام النسيان الذي
يفتح الأفق أيضاً، لأن نتذكر.

وبهذا الفعل الوادع والمتكرر للريح
قد تنحفر صخرةٌ على الساحل
أو يظهر شاهدٌ على الطلعة
أو يكتمل ملمحٌ لتمثال
على المطل.

* شاعر سعودي