كان كل شيء جاهزاً لبدء الحلم. هو يرتدي بدلة سوداء وكرافت قرمزية، وأنا أقنعته بأن فستاناً ذا نقوش لامعة كاف، ويليق بالأربعين عاماً التي عبرتني. ثمة باقة من الورد الأحمر، أرسلها صديقه بدلاً عنه. الابتسامات على وجوه الحاضرين القليلين دون استثناء. كل شيء جاهز، حتى السيارة التي ستقلنا إلى المنتجع السياحي الذي اخترناه لنقضي فيه أسبوعاً كانت مزينة بالورد بالخارج عند نهاية الدرج، والسائق شاركنا الفرحة وارتدى على غير عادته ملابس أنيقة، قال إنه استأجرها، ليكمل جمال الصورة.

لم تخرج، على الرغم من أنها لحظاتي الأخيرة معها قبل أن أغادر. ظلت معتصمة بغرفتها، تخبر كل من ذهب إليها ليستعجلها بأنها تنتظر هاتفاً مهما، ستستقبله وتجيء فوراً. أعرف أنها تؤخر وجودها لأقصى حد. هي هكذا منذ أن بدأتُ محاولة تشريح شخصيتها، عندما كنت أخرج مع صديقاتي في المرحلة الثانوية، كانت تلاحقني بالاتصال. كنتُ أعتقد وقتذاك أنها تخاف من نزقي المحتمل، ربما اعتقدت أنني أواعد شاباً، وهي كما كانت تقول قلقة، ليس مني بل من سلوك الشبان. كنت أصدقها، أمنحها الأمان الكافي أثناء تواجدي بالخارج. أنتزع نفسي من اللهو مع الصديقات وأسكت ضحكتي لأشرح لها بالتحديد أين نحن، وماذا نفعل، أجيب بصدق إن كان ثمة شبان يلاحقوننا بالمعاكسة أم لا، وإذا غلّفت ساديتها بشيفون المحبة أنهي قلقها بالعودة مخفية إحباطي، متجاهلة عبارة صديقاتي الأثيرة: "أنت عبيطة.. وهي تبتز مشاعرك". تظل عبارتهن تطن قرب أذني. لا أريد تصعيد الموقف معها، هي دوماً تبدأ باختيار الاحتمال الخطأ، تبني استنتاجاتها عليه حتى تتكون لديها قصة بعيدة تماماً عن الحقيقة، قصة في أحسن الاحتمالات مرعبة.
في المرحلة الثانوية كانت تراقب الأرقام التي تتصل بهاتفي أثناء نومي. وتنقلها إلى هاتفها. عند بقائي معهن تتصل بأية واحدة منهن. ربما تريد التأكد من كونها فتاة بالفعل، وليس شاباً أسجل اسمه للتمويه باسم إحدى صديقاتي. وربما تريد التأكد من مكاني الذي ذكرته لها قبل خروجي تحديداً. خاصة وأنها لا تنتبه لما أقول، تنصت أكثر لما يحيط بي من أصوات. تريد أن تستشف مما تسمعه الحقيقة، لأنها دوماً تفترض أنني أكذب، أو على أقل تقدير أخفي شيئاً. إذا واجهتها بهواجسي تنكر قائلة: "أثق بك.. لكنه قلب الأم!" أحياناً أحس أنها تريد أن تتواجد بشكل سري معي، ترغب في معرفة أسرارنا الصغيرة، ماذا قلنا، ولم ضحكنا، وأي نوع من الآيس كريم تناولناه! هل تريد استعادة تلك الفترة التي قالت إنها لم تعشها كما ينبغي بوجودها معي؟ عندما اكتشفت هذه الحيلة جعلت صديقاتي يسجلن رقمها على هواتفهن. وكلما جربتْ الاتصال بواحدة ظهر اسمها. كن حاسمات بالقدر الذي يجعلهن يتجاهلن اتصالها كل مرة. يتركنها على فوهة الشك. أشعر بفرح خاف. أتخيل ملامح قلقها وثورتها الكامنة داخلها. لكن، في لحظات كثيرة كانت قسوتي تتهاوى، أطالبهن بالتوقف، وطمأنتها من قبيل الرحمة، الرحمة التي جعلتها مع الوقت صفة من الصعب التحلي بها إذا تعلق الأمر بها!
هي تحكي كثيراً بزهو عن تلك الحادثة القديمة، التي لا أذكرها، عندما كنت في الصف الابتدائي، كانت على قناعة لا يمكن أن يزعزعها أحد، بأن معلمتي العاقر تخطط للاستحواذ عليّ. وهي، استطاعت بتصرفها أن تحبط هذه المؤامرة. كنت أندهش من إطلاقها هذه المصطلحات الضخمة على مشاعر المعلمة وتعاطفها معي. منذ أن حضرت لتصطحبني، ووجدتني أنادي المعلمة بـ"ماما" مسها جني، نقلتني من المدرسة إلى مدرسة أكثر بعداً، وواظبت على الحضور يومياً قبل انتهاء موعد الانصراف، على الرغم مما ستعانيه يومياً، لا لشيء إلا لتراقب علاقتي بالمعلمة الجديدة، وتضع ما تراه من عراقيل بيني وبينها. لم أكن أراها بعيني في هذه الأوقات، بل كنت أراها بعيني المعلمة والتلاميذ، كانت تبدو كامرأة مصابة بلوثة مباغتة، يبدو شعرها منكوشاً، ونظراتها زائغة، كلما غافلت الناظرة وخالفت التعليمات، وتسللت إلى الدور الثاني دون أن يدق حذاؤها أرضية الممر. نرى نصفها فقط وهو يطل بحذر من جانب الباب، وإذا اكتشفت المعلمة وجودها لا تبرر موقفها. على الرغم من إحساسي بالخزي مما كانت تفعله كنت أنحاز لها وقتذاك. ربما لأقلل من وقعه على من يراها. الآن أندهش: كيف استطاع عقلي الصغير الوصول إلى تلك الطريقة! بل والتكيف معها، ولماذا لم أكرهها عندما ادعت أمام المعلمة أنني أعاني من بعض التوحد، ومن الأفضل عدم التقرب إلي كما قال الطبيب!
أملت رأسي قليلاً، كيلا يلحظ أي من الحاضرين توتري، همست في أذن عمتي: "أرجوك". فهمتْ ما أرمي إليه. قامت بجذعها الممتلئ، واتجهت إلى غرفة أمي، تلك الغرفة التي لم تبرحها منذ الصباح، بعد أن أرجأتُ إخبارها بقرار زواجي حتى اليوم الأخير، وفاجأتها بحضور يحيى والقليل من الأصدقاء، وعمتي التي أطلعتها منذ اللحظة الأولى على خطتي فباركتها. لم أقل لها سوى جملة واحدة: "سأتزوج الليلة". تركت فمها مفتوحاً من فرط الذهول، وغادرت الغرفة فور إخبارها. عدت إلى جمع أشيائي القليلة تأهباً للرحيل، غير عابئة بصدمتها، ورغبتها في الاحتفاظ بي تحت سقف رقابتها المحكمة، مدعية حاجتي الماسة إلى حماية.
داهمتني مخاوفها الجديدة كعاصفة لم يستعد لها، كانت تحذرني من شطاف الحمام، عله يخترق غشاء بكارتي إذا لم أحتط بما فيه الكفاية، وبعد انتظام دورتي الشهرية، كانت تدون موعدها في دفتر، إذا تأخر وصولها تحيطني بنظرات الشك! تظل تستجوبني عن أسباب تأخرها، تمعن في كمية الطعام التي أتناولها، وهل تأففت من اللحم أم لا. وإذا أخبرتها بوصولها وانتهائها تشك في كلامي، وتبحث في ملابسي الداخلية عما يؤكد قولي! كنت امتلئ غضباً منها، لكني لم أكن أجرؤ على مضايقتها، كانت تبدو في كثير من الأحيان امرأة مسكينة، تفزعها أشياء تافهة. بعد عدة أيام من زواجي، يوم أن أغمى علي، عندما ضغطني زوجي بين السرير وبينه، مصراً على فض عذريتي، اندهشت وسألت نفسي: هل كانت تبحث عن سبب يقمعني ويجعلني أذوي من الخوف أمامها، أم كانت تعتقد أن اندفاع المياه بإمكانه إزالة هذا الحاجز المنيع؟!
عادت عمتي في هدوء كما ذهبت، نظرت إلي بعينين ملأتهما الحيرة، أدارت رأسها ببطء كأنها تقول: "رفضت". أعرف أمي، عادة هي تنقل مشاعرها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تسبغ رعايتها كاملة وتسحبها إذا غضبت كاملة أيضاً، لا تراني أمامها، لا تتعقب مكاني عند خروجي كالمعتاد، ولا تشاركني الطعام، على الرغم من قيامها بإعداده. كأنها تقوم بالواجب فقط! كيف تخاف علي إذن في وقت ما بهذه الطريقة ما دام لديها القدرة على نسياني هكذا؟
"لن تخرج من غرفتها"
نعم لن تخرج، حتى إذا اكتشف يحيى غيابها، إذا دخل إلى غرفتها ورجاها! عندما مات زوجي، وعلى عكس ما أتوقع، كنت أشعر بفرحها السري. كانت تخفي إحساسها بالراحة، تسألني عن خططي المستقبلية، قبل أن تكمل وفاته أسبوعاً، وقبل أن أجيب تضع تصوراً وتقول: "بقاؤك بمفردك سيجلب عليك المتاعب" تصعب على وضعي وتكمل: "أنت لم تنجبي" تتحدث بصوت هامس كأنها تسرب الفكرة إلى رأسي: "يجب أن تعيشي معي.. تنتقلي من هذه الشقة" لم تصبها الشيخوخة للدرجة التي تجعل في موت زوجي سنداً لها. كلما ازدادت سنوات عمرها جف عودها وازداد قوة. حتى ملامحها، كانت تزداد قسوة وتجهما! لم أفهمها قط، عندما كنا نبيت عندها بعد إلحاحها كانت تتلصص علينا. لمحت شبحها الأسود خارج باب الحمام مرة وهو يتوارى، أثناء استعانة زوجي بي لأليف له ظهره، لم تصب بالخجل عندما استفسرت إن كانت تتلصص أم هُيّئ لي، بل أصيبت بالإحباط عندما أخبرتها بالسبب الحقيقي لوجودي معه أثناء استحمامه. لم أصدق في البداية، لكن تكرار ضبطها جعلني على يقين. كنت طوال الوقت أشعر أنها تراقبنا: إذا احتضنني، وإذا لحقتُ به في الغرفة. أراها تبتسم، ترغب في وقت لاحق معرفة إذا كان ضاجعني في هذه الليلة أم لا. أستشعر رغبتها في معرفة التفاصيل، إذا تجاوزت لموضوع آخر يصيبها الضيق. تطفو الفكرة القديمة: هي تريد أن تعيش حياتها من خلالي، حُرمت من الكثير. مات أبي قبل أن تكمل الخامسة والعشرين. كنتُ صغيرة، قالتْ جدتي: "رسالتك أن تربي ابنتك وكفى". نفذت الوصية ولم تتزوج. وتحولت إلى كائن مخيف مشوه من الداخل، يمارس ساديته علي وحدي.
أتذكر ما قالته عمتي منذ عامين: "حتما هي تفرح إذا مارستِ حياتك.. على أن يكون كل شيء تحت عينيها". أجبتها وقتذاك: "إذا تمردت تنقلب إلى النقيض". تريد أن تكون وأنا شخصا واحداً، له حياة واحدة، أنا بالفعل وهي بممارسة الخيال. لم ألجأ لطبيب نفسي ليشرح لي حالتها. عمتي، هذه المرأة التي ساندتني كثيرا، عندما كنت ألجأ إليها سرا للحصول على جرعة حنان، وكيلا تكتشف أمي اتفقنا ألا توليني عناية تذكر أمامها فحسب، بل تتجاهلني أيضا.

■ ■ ■


لم تبد حركة، حتى بعد صفع الباب ودخولي، كانت جالسة، يداها على مقبضي الكرسي، تلف شالها الكروشيه حول كتفيها وتحملق فيما وراء النافذة، ظللت واقفة عند الباب، لا أجرؤ على الاقتراب منها، قلت لها قبل خروجي في الصباح: "سأتزوج يحيى.. وسأذهب لأقيم معه في بيته البسيط عند حافة المزرعة". لم تجب. شككت أنها لم تسمع ما قلت فأعدته مجدداً، لكنها آثرت الصمت. يحيى يحبني، قال إنه سيدعوها لتقيم عندنا كل حين، على الرغم من خوفها من الزواحف. لا أريد لأيامي الإيقاع نفسه الذي اختارته خوفا من جدتي.
"ماما" ناديتُ بصوت أعلى، وأنا أضع يدي على أكره الباب. قد يسمعني يحيى ويجيء مهرولا. بإمكاني العودة إليهم بالخارج والتعلل بأي شيء. أصابتني رجفة وناديتها بصوت هامس: "ماما" لكنها لم تبد أية حركة..
*كاتبة مصرية