حين أقرأ أخبار النعي أنتبه دوماً إلى عمر المتوفّى. وأقارن هذا الرقم أوتوماتيكياً بعمري. بقيتْ أربع سنوات، أفكّر. تسع سنوات أخرى. سنتان وأموت. تتبدّى سلطة الأرقام في أقصاها حين نستخدمها لتخمين تاريخ موتنا. أحياناً أعقد صفقات مع نفسي. هل سأكون مستعداً لقبول خمسة وستّين، وهو عمر جنكيز خان عند وفاته؟ وصل سليمان العظيم إلى السادسة والسبعين. يبدو هذا جيّداً، خاصّة في الوضع الذي أنا عليه الآن، ولكن كيف سيبدو الأمر حين أصبح في الثالثة والسبعين؟

من الصعب تخيّل أنّ هؤلاء الناس شعروا بالحزن حيال الموت. مات أتيلا في سنّ مبكّرة. كان لا يزال في أربعيناته. هل شعر بالأسف لنفسه، استسلم للاكتئاب والشفقة الذاتية؟ كان ملك الهون، غازي أوروبا، سوط الله. أودّ أن أصدّق أنّه استلقى في خيمته، ملفوفاً بفرو الحيوانات، كما في ملحمة سينمائيّة دوليّة التمويل، ونطق بكلمات قاسية شجاعة لمساعديه وتابعيه. لا وهن في الروح. لا إحساس بسخرية الوجود البشري، بأنّنا أرقى أشكال الحياة على الأرض ولكنْ يحتلّنا الحزن برغم هذا لأنّنا نعلم ما لا يعلمه حيوان آخر، أنّنا سنموت لا محالة. لم ينظر أتيلا من فتحة خيمته ليتأمّل كلباً صغيراً يقف عند النار، منتظراً أن يحنّ عليه أحد بقطعة لحم. لم يقل، «هذا الحيوان المقرف المليء بالبراغيث أفضل من أعظم حكّام البشر. لا يعلم ما نعلم. لا يحسّ بما نحسّ، لا يمكن أن يحزن كما نحزن».
أودّ أن أظنّ أنّه لم يخف. تقبّلَ الموت كتجربة تنبع من الحياة على نحو طبيعي، مغامرة جامحة عبر الغابة، وهذا يلائم شخصاً عُرف بكونه سوط الله. هكذا انقضى أمره، خدمه ينكشون شعرهم ويمزّقون وجوههم كبادرة إجلال همجيّة، فيما تنسحب الكاميرا من الخيمة وتدور عبر السماء الليليّة في القرن الخامس الميلادي، صافية لا سحب فيها، تبرق حوافّها بعوالم متلألئة.
نظرتْ بابيت من فوق صحن البيض والبطاطس المفرومة المقلية وقالت لي بصرامة هادئة: «الحياة جميلة يا جاك»
- «ما الذي خطر ببالك؟»
- «أظنّ فقط أنّ هذا يجدر قوله».
- «أتشعرين بتحسّن بعد أن قلته؟»
- «أرى أحلاماً مزعجة».
من سيموت أوّلاً؟ تقول إنّها تريد أن تموت أوّلاً لأنّها ستحسّ بوحدة وحزن قاتلين من دوني، خاصّة لو كان الأولاد قد كبروا وانتقلوا للعيش في مكان آخر. هي متصلّبة حيال هذا. كما تظنّ أنّ شيئاً لن يحدث طالما أنّ هناك أطفالاً معتمدين علينا في المنزل. الأطفال ضمانة لبقائنا الطويل النسبي. إنّنا بأمان طالما أنّهم موجودون حولنا. ولكن ما إن يكبروا ويتفرّقوا، تودُّ أن تكون أوّلَ من يموت. بل تكاد تبدو متحمّسة لهذا. تخشى أن أموت فجأة، بطريقة مُنْسَلّة مختلسة في الليل. ليس هذا لأنّها لا تقدّر الحياة؛ بل إنّ تركها وحيدة هو ما يُرعبها. الخواء، الإحساس بالظلمة الكونيّة.
أُخبرها أنّني أريد أن أموت أوّلاً. اعتدتُ على وجودها إلى حدٍّ سأشعر فيه بأنّني ناقص على نحو بائس. إنّنا رؤيتان للشخص ذاته. سأقضي ما تبقّى من حياتي ملتفتاً أتحدّث إليها. لا أحد هناك، فجوة في المكان والزمان. تدّعي أنّ موتي سيترك فجوة أكبر في حياتها مما سيتركه موتها في حياتي. هذا مستوى خطابنا. الحجم النسبي للفجوات، والهاوية، والفراغات. نخوض جدالات جادّة على هذا المستوى. تقول لو كان موتها قادراً على ترك فجوة كبيرة في حياتي، فإنّ موتي سيخلّف هاوية في حياتها، غور عميق هائل. أواجه بعمق كبير أو بصمت. ويمضي الأمر على هذا النحو طوال الليل. لا تبدو هذه الجدالات حمقاء في وقتها.

* «ضوضاء بيضاء» لدون ديليلو: «دار التنوير» ـــ ترجمة يزن الحاج ـ 2016