سنقع في الحيرة قليلاً في رسم صورة هذا الشاعر، لكننا سنلتمس في أحد عناوين كتبه المبكّرة بوصلة إلى دروبه المتعدّدة «محمد والذين معه»، ذلك أن محمد مظلوم محاط بأسلافه على الدوام، ليس كقارئ عابر لنصوصهم، بل كمحقّق لتلك الكنوز المهملة من الميراث المحرّم لشعراء مثل أحمد الصافي النجفي، وأبي نواس، صفي الدين الحلّي وآخرين، وصولاً إلى عمله على مسودة نادرة لتوفيق صايغ تحتوي على ترجمته لقصيدة ت.س. اليوت «الأرض الخراب» التي ستصدر قريباً عن «دار الجمل»، كما أنجز «أصحاب الواحدة» موثّقاً «اليتيمات والمشهورات والمنسيات من الشعر العربي»، ثم «رثاء الزوجات» في أنطولوجيا شاملة.

الشاعر العراقي الذي نجا من جحيم الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن المنصرم، وجد فردوسه في دمشق، ولم يغادرها إلى اليوم، وسوف يهديها في محنتها الراهنة «معلّقة دمشق» واصفاً إياها بـ «مكحلة الأعمى». لم يعد إذاً، الشعر وحده من يرسم خطاه، فقد انهمك صاحب «أندلس لبغداد» بتفكيك صورة العراق ما بعد الاحتلال بجملة عناوين إشكالية مثل «الفتن البغدادية»، و«عراق الكولونيالية الجديدة»، و«الطائفة والنخبة الطائفية» كمساهمة في تشريح بنية الشخصية العراقية وتحولاتها من العشيرة إلى الطائفة، نابذاً النبرة التبشيرية التي ألقت بظلالها على المدوّنة العراقية لما سميّ حينذاك «الربيع العراقي». من ضفة أخرى اشتغل على تجاربه الشعرية الجديدة من موقعٍ مضاد، مخضعاً عناصرها لاختبارات إيقاعية تعيد الاعتبار إلى تمازج مختلف الأشكال الشعرية في نصّ يقف على تخوم السرد، مؤكداً على حرية التجوّال التي هي «جوهر الشعر» في مواجهة «الاستبداد الأحادي» لقصيدة النثر. هنا حوار معه حول قضايا الشعر والنقد وتحقيق المخطوطات المنسيّة:
*المفارقة الأولى، أنك أتيت إلى الشعر من كلية الشريعة، كيف حميت رأسك من ثقل عمامة محتملة؟
ـــ ربما ينبغي أن نعكس الترتيب في سؤالك، فالمعنى الأدق هو أن الشعر قادني إلى الشريعة في واحدة من غواياته الغريبة، فقد كتبت الشعر ونشرته في وقت مبكر قبل دخولي الجامعة، والشريعة لم تكن اختياراً، وربما ستكون المفارقة أكثر ظرافة حين تعلم أن قبولي على وفق المعدَّل كان أولاً في أكاديمية الفنون الجميلة! لكن ربما لأنني فشلت في اختبار أن أكون ممثلاً، أو بسبب أن تلك الأكاديمية كانت مغلقةً على من لا يمتلكون وثيقة الانتماء لحزب البعث! ذهبت إلى المكان الذي يسمح به مجموعي العام، ولك أن تتصوَّر دهشة عميد الكلية، دهشة تقارب الاستنكار! وهو يرى طالباً قادماً من كلية للفنِّ، لكي يدرس أصول الفقه، وعلوم القرآن والتفسير، ومدارس علم الكلام! لكن من المهم الإشارة هنا إلى أن العمامة هي مجرد صورة نمطية لطلبة كلية الشريعة، بينما الواقع أن من يعتمرونها كانوا أقليَّةً، وهم أولئك القادمون من مدارس دينية أصلاً، وليس القادمين من المدارس الثانوية العامة. بعض طلاب الكلية كانوا يحضرون الدروس وهم لا يزالون مخمورين من الليلة السابقة في سهرات الأقسام الداخلية للمدينة الجامعية، لهذا ثمة من وصف الكلية في تلك المرحلة بكلية «شنيعة» وليست شريعة! لكنني ما زلت أرى أن العلاقة أكبر من ذلك الجناس بين الشعر والشرع، فحقاً كانت تجربة مفيدة معرفياً وحياتياً. أتاح لي وجودي في قسم الدراسات الإسلامية، أن أطلع بدرجة كبيرة من الاختصاص على واحدة من أهم البنى المهيمنة في التكوين الثقافي العربي. كما أتاح لي التعرف بدقة على الهيكل الخفي لذلك التكوين، والتفريق بين المناطق المظلمة والمضيئة فيه.


■ بالنسبة إلى شاعر عراقي ينتمي إلى جيل الثمانينات يبدو الأمر نوعاً من اللعنة: حرب وحصار وعزلة، كيف اكتشفت نصّك الشخصي وسط هذا الحطام؟
ـــ قبل أن تبدأ الحرب بسنتين، وتحديداً منذ عام 1978، بدأت النشر، وكانت مقطوعات من الشعر العمودي الغزلي، بنكهة رومانسية غنائية لشاب مراهق غير أن شكل القصيدة لديَّ بقي في قلق دائم، ولعلَّه مستمرٌّ حتى الآن. كانت الحرب بما قوَّضتهُ من أشكال تفكير مستقرَّة، داهمت بواكيري وأضفت عليها «رجولة» مبكَّرة، فالحرب في ثقافتنا، كما تعرف، ميدان الرجال! لكنها في المقابل ألحقت بنصي نبرة تشاؤم وربما كهولة قبل الأوان. كما أنها حرَّضت الشكل الشعري واللغة البلاغية إلى ابتكار وسائلها التعبيرية المختلفة، لم تكن الحرب موضوعاً تقليدياً، بمعنى أنني وجدتُ نفسي إزاء شعر يكتب وينشر في سياق التعبئة واستنفار الشجاعة! فيما كان تصوير الخوف الإنساني نوعاً من العار على الفتى! من هنا راحت أسيجة العزلة ترتفع، وتعتكف الروح وتنغلق بخطابها، وتأنس إلى أحلام الباطن. لذلك ستجد في تلك التجارب خاصة في الديوان الأول نكهة سوريالية، وفانتازيا مركبة، وشراسة لغوية، في محاولة لإخفاء الاحتجاج خلف بلاغة صعبة وصور غريبة، ولغة موغلة في الاستعارات والتضمينات والإحالات، وهو ما يمكن قراءته على أنه دريئة فنيَّة لجعل المحتوى الداخلي للقصيدة غير متاح بسهولة للرقيب، وهو ما شكل تحدياً للقارئ والناقد على حد سواء. نقدياً لا يمكن النظر إلى تجربتي داخل العراق إلا على وفق هذه المعطيات التي جعلتْ نصِّي شهادة شخصية عن مرحلة بالغة القسوة. انظر إلى الانعطاف في مستوى اللغة الشعرية وطبيعة التجارب في الشعر السوري بفعل الحرب المستمرَّة منذ أكثر من خمس سنوات، لقد واجهت هذا المأزق قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وأرى نبرة تشاؤم غير معهودة بدأت تتسرب للشعر السوري الراهن. حين غادرت العراق إلى سوريا في خريف عام 1991، كان الحصار قد مرَّ عليه سنة واحدة، ولم تكن آثاره بالحجم الذي ستؤول إليه بعد سنوات لكنني استشعرتُ الحال والمآل الخطير للهوية الفردية والجماعية بفعل هذه التجربة القاسية. وكان المنفى محاولة أخرى للخروج من ذلك الحصار، لكنه في حقيقته، حصار من نوع آخر، فالشاعر المنفي، سيجد نفسه أعزلَ إزاء مصيره الفردي خاصة في حمى التكتلات الكبرى أو الصغرى، كالحزب أو الجماعة المناطقية أو القبلية أو الطائفية، ومع هذا فأنا مدين بشكل ما إلى ما أسميته اللعنة، لأنها منحتني عزلة واعتزالاً كافيين للانشغال بمشروعي الشخصي في الكتابة.

لم تكن كتبي سرديات تبشيرية تتجاوب مع الفكرة المتفائلة عن «العراق الجديد» بل كانت نذيراً عن خرابٍ لا ريب فيه بالنسبة لي

■ دمشق التي لجأت إليها منتصف التسعينيات تبدو وطناً أكثر منها منفى، بدليل استقرارك فيها إلى اليوم، كما أنك أهديتها «معلّقة دمشق» في ديوانٍ كامل، ما هي منزلة دمشق لديك في تسعينياتها وحاضرها الملتهب؟
ـــ حتى قبل أن أغادر العراق مضطراً، كانت دمشق مدينة تلمع في الذاكرة، وبفعل الإرث السياسي المضاد بين البلدين بدت دمشق مدينة محرَّمة، وكان هذا التحريم السياسي يشتعل في الوجدان رغبة في عبور الحدود المحظورة والمشتعلة بالريبة، فبينما كانت مدن أوروبية مثل باريس ولندن، أو عربية مثل القاهرة أو بيروت، هي المدن الأخرى التي تهفو إليها أرواح أبناء جيلي، كانت دمشق مدينتي الموعودة، ومنذ أن وصلت المدينة في صباح خريفي من عام 1991، في رحلة بالقطار من القامشلي إلى دمشق، لا يزال ذلك الصباح هو صورتها الأثيرة لديَّ، رغم توالي الليل والمحن عليها خلال السنوات الأخيرة. ومنذ ذلك الخريف تكشّف لي جمال المدينة بنوع من التجلي فصرت أرى حتى خريفها أجمل من ربيع بقية المدن! لم تخذلني ولم تهتز صورتها التي رسمتها لها عن بعد! بل إنني كنت أستعيد بها، لأكثر من ربع قرن، حياةً حلمتُ بها أو عشتها في زمن ما! لا أدري ربما الأمر يتعلق بخاطر غيبي، كأني عشت يوماً في عصر ما في هذه المدينة، لعلَّ ذلك مصدره تلك القراءات والتواصل مع الإرث الثقافي التليد للمدينة.
في التسعينيات كانت بقايا الهجرة العراقية الأولى إلى الشام لا تزال تشكل حضوراً فاعلاً في المدينة، وتمنحها نكهة أخرى، إلى جانب منفيين من شتى المدن العربية، كان ثمة سياسيون ممن عرفوا بقادة حركات التحرر، ومثقفون هامشيون، وأشخاص عاديون، يلتقون في باراتها ومقاهيها ومنتدياتها وهم يتبادلون أحلامهم وكوابيسهم. الملاحظ في المدينة إنها مدينة تعيد تشكيل خريطتها الثقافية الليلية بسرعة غريبة، تأمَّلْ عدد المنتديات الثقافية والبارات والصحف والمشاريع التي اندثرت، وقامت بدلاً عنها أماكن ومنابر أخرى. فالمدينة لم تفقد بهاءها مع تلك التغييرات، بل انها في ظاهرة أقرب لظاهرة المد والجزر، ولعل أجمل ما في دمشق إنها لم تفقد ليلها وحيويتها، في ظل ظروف المحنة الحالية، وان انحسر سكانها قليلاً، لكنه انحسار سيعقبه مدٌّ جديد بلا ريب.
اللافت هنا إنني أقمت في المدينة عشرين عاماً قبل أن أكتب عنها! وكانت القصيدة/ الديوان في زمن المحنة التي عاشتها المدينة كناية عن محنة بلاد بأكملها. ولذا فالقصيدة ليست مرثية مبكرة للمدينة، كما فعلت في «أندلس لبغداد» مثلاً وإنما هجاء للحرب والعنف اللذين انتهكا أحلامها وأحلامنا جميعاً وإشادة بالقوَّة الروحية الكامنة في المدينة وقدرتها على القيامة والنهوض من محنتها.

■ أطلقت اسم «حطب إبراهيم» على نصوص جيل الثمانينات في العراق، ما هي خصوصية تجارب هذا الجيل، ولماذا اعتبرته جيلاً بدويّاً رغم انخراطه في لعبة الحداثة؟
ـــ تبنّى شعراء هذا الجيل خيار «قصيدة النثر» حتى جعلوها قضيتهم «الكبرى»، ونجحوا في انتزاع اعتراف بأنها شكل شعري شرعي في العراق، بعد أن كان ينظر له على إنه هامشي وطارئ وغريب. وبينما نجح بعضهم في منحها زخماً إضافياً، نكص عنه آخرون، وهذا شيء طبيعي لدى جميع الأجيال في تاريخ الشعر العربي الحديث، وكما تعرف أن المجلات الثقافية والصفحات الأدبية في العراق، لم تكن حتى ذلك الوقت من الثمانينات، تتقبل نشر قصيدة نثر بسهولة، خاصة عندما يرأس تحريرها شعراء تفعيلة راديكاليون كحميد سعيد وسامي مهدي وسواهما. بينما جميع مجايليهم من شعراء «قصيدة النثر» بلا منابر! بل إن أغلبهم في المنفى وبلا وطن حتى. ومع أن ثمة جيلين شعريين سبقا هذا الجيل إلى كتابة القصيدة غير الموزونة، لكن أغلب تلك النماذج كانت تجد طريقها للنشر في منابر عربية، كمجلتي «شعر» و«مواقف» وحتى ذلك الوقت كانت دواوين قصيدة النثر معدودة جداً، إلا أنَّ ذلك كان نوعاً من الهوامش المبعثرة إزاء متن شعري فعَّال ونفوذ قوي لقصيدة التفعيلة، إذ كان أغلب الشعراء الرواد لقصيدة التفعيلة وحتى أساطين الشعر العمودي لا يزالون أحياء. وبهذا المعنى كان للتمرد معنى وليس مجرد مباهاة وتنطّع فارغين. وهي مراهنة كانت صعبة حقاً. وحين نجح عدد من شعراء هذا الجيل في جعل قصيدة النثر تنشر إلى جانب قصيدة التفعيلة في المجلات العراقية المعروفة كـ «الأقلام» و«الطليعة الأدبية» بدا المشهد أشبه بدخول أبناء عاقين ومتمردين بالجينز أو حتى بالشورت لحفل رسمي تقليدي للآباء! من هنا سميتُ تلك المجموعة من الشعراء بـ «الجيل البدوي» وهي فكرة مركبة تتضح تفصيلاتها في متن الكتاب، لكن ما يمكن تكثيفه هنا أنني لم أقصد البداوة بالمعنى التقليدي، وإنما بما تحمله من نزعة تمرد دائمة على الشروط المستقرة للمؤسسات، وفي انعتاقها من هيمنة العقائد بمختلف مفاهيمها السياسية والدينية. إنه جيل النزاع المستمر مع الآباء، والذي ينتعش في الأزمة ليتحوَّل إلى جيل «بطل» في وقت لاحق.

■ في «أندلس لبغداد» وما بعدها، كأنك تبتعد بقصدية عن موجة قصيدة النثر الكاسحة باستعادة قيمة الإيقاع والأوزان والروح الملحمية بنوع من التمرّد على هذه الموجة.
ـــ شخصياً لم أغادر قصيدة الوزن تماماً لكنني حاولت أن أخلصها من رتابة الإيقاع وميراثه المعهود الضاغط القادم من ذاكرة تراكمية. بمعنى أنني كنت أرى، ولا أزال، أن «قصيدة النثر» مقترح إضافي وشكل شرعي آخر يغني الشعر وأشكاله الموروثة والسائدة، ولكنه ليس بديلاً لأي من هذه الأشكال أو دحضاً وقتلاً لها.
ما حدث خلال العقدين الأخيرين أن شكل القصيدة أصبح عقيدة، وانشغل الجدل بالشكل، غافلاً عن السؤال الأهم وهو جوهر الشعر، فتحول البحث عن الحرية والتعدد إلى استبداد أحادي. ومن هنا حاولت أن أقدم درساً من نوع خاص في اختبار «الليبرالية» داخل النص الشعري، وبما أنني كتبت في مراحل تجربتي بالأشكال الشعرية الثلاثة، بالتعاقب، فما الضير أن أحيل هذا التعاقب إلى تزامن؟
ساعدتني المواضيع التي كتبت عنها في اختبار هذا التحاور والتجاور للأشكال، فجميعها موضوعات ذات طبيعة ملحمية قابلة لاستضافة هذا التعدُّد الشكلي: ففي «أندلس لبغداد» و«معلقة دمشق» ثمة تاريخ متشابك لمدن كوزموبوليتية، وفي «إسكندر البرابرة» ثمة الحروب وموجات الغزو التي تعاد وتستعاد منذ طروادة وأثينا وروما، ثم في «بازي النسوان» الذي لا يكتفي بامرأة واحدة فكيف بشكل شعري واحد، و«كتاب فاطمة» حيث قصة حب تنتهي بموت جماعي.

■ الآن هناك موجة شعرية كاسحة في العراق، محمولة على مفردات الحرب وافرازاتها، كيف تنظر إلى هذه التجارب؟
ـــ لم تتغير صورة شعر الحرب كثيراً، رغم أن صيغ الحروب نفسها قد تبدلت، بين حروب إقليمية، وحروب تحالفات دولية، وحروب أهلية! كان الشعر التعبوي والتحشيدي أحد النماذج المتناسلة، أنظر لمواقف عدد كبير الشعراء في العراق وسوريا تحديداً مما يجري وانحيازهم لأحد أطراف الحروب، لتتأكد من التعبئة والتحشيد في أشعارهم! ولهذا لا يكفي أن تستخدم قاموساً عسكرياً: من طائرات وقنابل وبنادق وألغام... الخ لتكتب قصيدة عن الحرب. فهذه صور إعلامية للحرب وليست شعرية تماماً، فيما النماذج التي تنظر للحرب من زوايا أخرى مختلفة هي قليلة أو منحسرة، أعني النماذج التي تتوغَّل في استكشاف الخوف الإنساني والضعف الطبيعي، بدل أن تحتفي ببطولة مزعومة أو «شهيد سعيد!» أو حتى تهول من فعل الحرب نفسها بقصد تصعيد نفعي للمشهد!

■ بعد الاحتلال الأميركي للعراق (2003)، التفت إلى تأريخ الوجع العراقي في «ربيع الجنرالات» و«عراق الكولونيالية الجديدة» و«الفتن البغدادية» و«الطائفة والنخبة الطائفية». ما هو صدى مثل هذه العناوين الإشكالية في الثقافة العراقية اليوم؟
ـــ كما نوَّهتَ في سؤالك فإن هذه الكتب صدرت جميعها بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وكما تعرف فهي لحظة في غاية التعقيد ليس في تاريخ العراق وإنما في تاريخ المنطقة، وتحت ظلال هذا التعقيد استقبلت كتبي الثلاثة الأولى بكثير من الريبة، من أولئك السكارى بنشوة التحرير! إذ رأوا فيها إعاقة مبكرة لما اعتقدوا إنه «عراق جديد» سيكون نموذجاً ديمقراطياً ملهماً لبقية بلدان المنطقة! وحقاً كان نموذجاً ملهماً بالصورة التي نرى فيها الصراعات الأهلية في بقية بلدان المنطقة! لا تنس أن أول جذور ما سمي «الربيع العربي» يعود إلى الاحتلال الأميركي للعراق، الذي أُريد له أن يعبر عن تزامن بين الربيع كزمن، والربيع كفكرة. وعندما اخترت عنوان كتابي الكامل «ربيع الجنرالات ونيروز الحلاجين» قدمت له بمقولة ذات دلالة للحلاج الذي كان يسير مع جماعة حين سمع أجراساً تقرع، ورأى الأكباش تقاد للذبح. فسأل عن الأمر فقيل له إنه عيد النوروز. بداية الربيع، فقال جملته الشهيرة ونحن متى نُنورز؟ وحين سأل ما يقصد أجاب: يوم أصلب! في الخلاصة أن جميع كتبي لم تكن سرديات تبشيرية تتجاوب مع الفكرة المتفائلة عن «العراق الجديد» بل كانت نذيراً عن خرابٍ لا ريب فيه بالنسبة لي!.لهذا وجدت خصوماً لها كشأن الأفكار التي لا تهادن السائد، لكنني أستطيع أن أرى بعد أكثر من عشر سنوات على صدورها، وبعد تفاعلات الأحداث الكارثية في المنطقة، إنني قلت كلمتي في الحكاية القاسية، وإن ما أسمعه الآن من أراء تعبر عن «خيبة أمل» لما آل إليه الوضع، هي من قبيل «النوافل» المتأخرة. بل أن حتى أولئك الذين صنفوا كتاباتي بأنها مضادة لروح «العراق الجديد» راحوا يجترونها في مقالات مبتسرة كنوع من التنصل التدريجي عن تلك المواقف دون اعتذار علني وصريح. وكما تعرف فإن ثقافة الاعتذار منحسرة في ثقافتنا العربية، فيما فولكلور إبراء الذمة المشكولة مستمر.

■ في مراجعاتك للخريطة العراقية الممزّقة، أين تتقاطع سيسيولوجياً وأين تفترق مع علي الوردي في قراءة الشخصية العراقية؟
ـــ لا شكَّ أن علي الوردي مثقف نقدي، تفكيكي، جريء، ففي الوقت الذي كان فيه المنهجُ الماركسي، المنهجَ النقدي السائد في عصره، اتجه نحو منطقة أخرى تجمع بين التراث والانفتاح على الآخر، فإضافة إلى إعادة اكتشاف ابن خلدون، عبر ثنائية البداوة/ الحضارة، كان لمدارس علم الاجتماع الغربية تأثير أساسي في أفكاره خاصة في نظرية التفاعل، إذ جذبته نظرية البحث في وسائل التفاعل بين الفرد والمجتمع التي طرحتها تلك المدارس، من هذا الجانب يمكننا أن نلخص استراتيجية بحث الوردي التي تكاد تتمركز حول مشكلة القبيلة بوصفها العقدة الأساسية التي ترجح الجماعة على المجتمع، وتقلق العلاقة بين الفرد والدولة، بل بين الفرد وهويته الحديثة. لكنني حاولت أن أقارب المشكلة ذاتها من منظور آخر بدا لي أكثر تأثيراً في الجماعات والنخب المحلية العراقية والعربية عموماً، ألا وهو المشكلة الطائفية، التي لم يُولها ذلك الاهتمام الأساسي في بحثه، وصنفها في مجال الاختلاف الفقهي الثقافي الطقوسي، وليس في مجال صراع الهويات الضيّقة، أو لنقل على الأقل أنه كان متفائلاً في مرحلة ما بانحسار النزعات الطائفية لدى الأجيال الجديدة بينما أبدى قلقاً مركزياً إزاء هيمنة القبيلة، لكن كلتا المعضلتين القبيلة أو الطائفة هما من المشكلات المتناوبة على الجماعات الأهلية العربية التي تمنع نشوء المجتمع بمعناه المدني التكافلي.
سميتُ جيل الثمانينات من الشعراء العراقيين بـ «الجيل البدوي» لما يحمله من نزعة تمرد على المؤسسات، والعقائد

■ ما هي الاكتشافات التي أضفتها على أعمال الصافي النجفي وأبي نؤاس، وصفي الدين الحلي خلال تحقيقك لأشعارهم، وما هي الثغرات التي رممتها؟
ـــ سأستفيض قليلاً في ما يخص تحقيقي لديواني الحلي، لأنه الكتاب الذي صدر للتو، بينما صدر الصافي النجفي العام الماضي، وأبو نواس لا يزال في طور الإنجاز.
في الطبعات المتوفرة لديوان صفي الدين الحلي، لا يوجد تحقيق واحد يجمع بين الرصانة الأدبية والأمانة العلمية، رغم تعدد التحقيقات والطبعات، ولهذا أطلقت على تحقيقي «النصوص الصحيحة الكاملة» إذ لم يصدر الديوان كاملاً قبل تحقيقي، في أي من تلك الطبعات منذ صدور طبعته الأولى في دمشق في عام 1880م.
عشرات القصائد ومئات الأبيات، وعدد من الأبواب والفصول والرسائل أسقطت من تلك التحقيقات، ولعل الغرض الذي تواطأت على حذفه جميع طبعات القرن العشرين بلا استثناء، هو باب «الإحماض» ويقع في ثلاثة فصول وهناك من أسقط الفصل الثالث منه و«هذَّب» في قصائد بقية فصوله، والإحماض: مصدر من الفعل «أحمض» وهو تغيير النكهة، وهو مأخوذ أساساً من رعي الإبل كما في المعاجم العربية، فيقال: حمضت الإبل، إذا اشتهت الحموضة فتتحوَّل إليها وتنتقل برعيها من نكهة إلى أخرى من النبات، وقد استعير هذا المعنى من تغيير النكهة لدى الإبل، إلى الانتقال لتغيير النكهة، في العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، وقد تعدى هذا المصطلح حدود العلاقة الجنسية الأخرى بين الرجل والمرأة، إلى الجنس في العلاقات المثليَّة، ومن هنا عدم شيوع هذا المصطلح في النقد العربي عند الحديث عن أغراض الشعر، واستعيض عنه بمصطلح عامٍ: «الغزل بالمذكَّر»
ثمة أيضاً «الحشيشيات» وهي القصائد المكتوبة عن تجربة الحلي مع الحشيشة، وهي تظهر أسبقية لافتة للحلي، في ولوج هذا الباب المحظور منذ وقت مبكر حتى على صعيد الشعر العالمي، ففي الثقافة الأوربية على سبيل المثال يعدُّ «توماس دي كوينسي» الكاتب الإنجليزي الذي عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر واشتهر بروايته «اعترافات مُلتهِم أفيون إنجليزي» أول روائي في الأدب الأوربي يقارب هذا الموضوع، وهي الرواية التي غيَّرت، بشكل نهائي، التصوُّر القديم في الذهن الأوربي عن الإدمان. بينما عاش الشاعر الأنجليزي كولردج، فترة من حياته تحت تأثير الأفيون، الذي كان يتخذه علاجاً قبل أن يغدو مدمناً عليه. ورغم أنه لم يكتب بوضوح عن الموضوع، لكن عدداً من قصائده بخيالها الغريب والخاص كانت، بلا شكٍّ، واقعةً تحت تأثير تلك «الحالة الحشيشية» أما شاعرُنا الحلِّي فقد سبقهما بخمسة قرون. ولعلَّه أوَّلُ شاعرٍ في التراث أدخل موضوع الحشيشة في الشعر العربي، ومن الواضح أنَّ قصائده عنها كانت حصيلة تجربة. فقد استبدل ما سماه حرام الخمرة بحلال الحشيش، واستغنى عن «الكأس» بما في «الكيس» في مجانسة لطيفة حقاً.
ومن المهم الإشارة إلى أنه في عصر الحلِّي ظهرت جلسات الحشيشة في الحياة الاجتماعية في جانب ملتبس منها، وكان ثمة ما يمكن تسميته «تكيَّات النُّخبة» ذلك أنها جرى تكييفها بطروحات الكشف والعرفان، لأنها ارتبطت كذلك بإحدى أشهر الطرق الصوفية في عصره.
ومن جملة المحذوفات من ديوانه: «القصيدة الساسانية» وهي ذات قاموس خاص وغريب، لذلك أعرضت بعض الطبعات عن إيرادها فيما عجزت طبعات أخرى عن تفسيرها، فهي مكتوبة بلغة تخص مجموعة من الهامشيين الذين يعرفون بالمكدّين الذين تحولت حياتهم إلى نوعٍ من النهج الاحتيالي على الآخر، والاعتياش على خداع المحيط الاجتماعي المتحضر لتحصيل الحاجات اليومية منه، وهي حياة أشبه بحياة الغجر، وما يقوم به مدَّعو قراءة الفأل والطالع والكف والبروج إلخ، وتعرف كذلك بلغة الغرباء بفعل تجوال أصحابها بقصد الاستجداء. ولهذا كانت لغتهم لغة اصطلاحية ذات بلاغة سرية وليست معجمية تماماً، فهي نوعٌ من الجفر الداخلي بين أفراد الجماعة، لا تبدو قابلة للانتهاك بسهولة، وتشمل ألفاظاً مستحدثة غريبة، ومعجمها يتجدَّد باستمرار، وهي لغة سريَّة هجينة من أصول مختلفة وخليط غريب من الفارسية والعربية والعبرية القديمة والسريانية.
كذلك زجله المكشوف الذي أغفل عادة للأسباب ذاتها التي تبحث في الشعر عن مساحات واضحة بين الحشمة والتهتك! وبقي مبعثراً في كتابه «العاطل الحالي والمرخص الغالي»!
كتبٌ مثل هذه هي من التراث المحظور، تستدعي جرأة متعددة الأطراف، وأنا مدين في ظهورها وفي أفكار بعضها لتحفيزات آخرين لهذا أهديت تحقيق ديوان الحلي، إلى المستشرق الألماني توماس باور الذي كان من بين من نوّه على المحذوف من أشعار الحلي، وإلى خالد المعالي، الشاعر والناشر الذي حرضته تلك الإشارة فاستهوته المغامرة.