تلقّت الكاتبة والأكاديمية النيوزيلندية روز مارتن تدريباتها الأولية في «مدرسة الرقص النيوزيلندية» (new zealand school of dance)، وراكمت خبرات أكاديمية وتطبيقية في كل من استراليا ولندن وكندا واليابان، وعملت مع فرقة «باليه نيوزيلندا الملكية الراقصة». تملك مارتن أيضاً خبرة تدريس واسعة حصّلتها في «مركز القاهرة للرقص المعاصر»، و«فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية» في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إلى جانب «الجامعة اللبنانية - الأميركية» وغيرها.

أولاً ملاحظة بخصوص اختيار الكاتبة الموفق لمصطلح «جنوب المتوسط» بدلاً من استعمال «الشرق الأوسط»، الذي رأت فيه انعكاساً لتقسيم العالم من منظور المركزية الأوروبية. الآن، نعلم أن الحديث في بلادنا في موضوع الرقص، والراقصة (والراقص أيضاً) محفوف، في أغلب الأحيان، بمختلف المشاكل والأفكار النمطية والأحكام المسبقة؛ وكلنا يعلم المضمون السلبي الجارح للنعت «رقاصة»، لذا نستخدم المصطلح «راقصة». نقول هذا، لكننا نلفت الانتباه إلى أن المجتمعات العربية، بمختلف قطاعاتها، لا ترى مشكلة في أداء ما يسمى الرقص الشعبي أو البلدي، وفي بلاد الشام بالدبكة. مع ذلك، نعلم بوجود فرق رقص عربية عريقة، في مصر، قبل عقود، وفي لبنان وسوريا، منذ عقود. لقد مرت بلادنا في السنوات القليلة الماضية بأحداث جسام، لا شك في أنها أثرت على نحو كبير في نظرتنا إلى كثير من الأمور السياسية والثقافية. وفي قلب هذه التغييرات والتطورات، أي الثقافة والسياسة والرقص، تتداخل عوامل منها الرقابة والمراقبة والاحتلال والضوابط والشكوك والحدود والحرية والاختيار.
لكن هل تقود كل أدوات التحكم هذه إلى إبداع متجدد أم إلى موت الثقافة الإبداعية سريرياً؟ الراقصة لانا ناصر تقول: انظروا إلى إيران مثالاً. اختارت الكاتبة استعراض هذه الأمور بالعلاقة مع الرقص والراقصات تحديداً، بعيداً من الصور النمطية للمرأة العربية في وسائل الإعلام/ التضليل التي تصورها ضحية سلبية للاضطهاد، وأن من مهمات الغرب تحريرها!
وبحكم خلفيتها الأكاديمية والوظيفية، اختارت الكاتبة البحث في التغيرات التي مرت بها بعض بلاد «جنوب المتوسط» من خلال الرقص والراقصات، مؤكدة في الوقت نفسه أن دور هذا الفن في الأحداث لم يظهر على نحو جلي. أما منهجيتها، فهي اللقاء المباشر عبر الإنترنت بمجموعة من الراقصات العربيات هن: ندرة عساف (لبنان)، نورا بكر (فلسطين)، داليا العبد (مصر)، هالة حسن إمام (مصر)، رانية قمحاوي (فلسطين، مقيمة في الأردن)، نادية خطاب (فلسطين)، دالية ناعوس (لبنان)، لينا ناصر (فلسطين، مقيمة في الأردن)، ومي سعيفان (سوريا).

نتعرف إلى مشكلات الراقصات في فلسطين مع العدو الإسرائيلي

المؤلَّف الثري بالمواد البصرية، يعرض بورتريهات لنساء يناضلن، عبر ممارسة الرقص والتمسك به، ضد الرقابة والاحتلال، والحدود. لا تتدخل روز في الحوارات التي دارت باللغة الإنكليزية، بل تقدمها من دون أي تغيير، مفسحة في المجال لكلام المتحدثات. هذه الأصوات تتكلم عن التجارب في فضاءات مضطربة، أو تحت الاحتلال، أو الخاضعة للنظم المهيمنة؛ لكن بعض البحاثة يرون أنّ ثمة إشكاليات مرافقة لاستعمال اللقاءات مرجعاً، تقول الكاتبة التي تورد آراء مختلف الأكاديميين الذين تناولوا هذا الجانب والمنهجية بالبحث، لكنها تتمسك بمنهجيتها (ص 24-25).
أما سبب اختيار الكاتبة اللقاء مع النساء، فهو رغبتها في تقديم صور معمقة في التجارب والقصص، ومنهجية اللقاءات تميل على نحو قوي إلى المقاربة الإثنوغرافية، وتسمى «اللقاءات الإثنوغرافية». هدف العمل تقديم قصص ثماني راقصات، من دون أن يعني هذا أنّ هذه الأصوات تمثل كافة الراقصات في منطقة جنوب المتوسط. إنها قصص أفراد، جرت في زمان ومكان محددين.
في لقاءات المؤلَّف، نقرأ مواقف سياسية واجتماعية وثقافية وطنية أو غربية. كل متحدثة تعلن موقفها من الرقص، وسبب حبها له، وموقعه في حياتها. من غير الممكن إيراد كافة الآراء هنا، لذا نختار نماذج قليلة تعكس، في ظننا، الاتجاه العام في هذا الخصوص. الراقصة هالة إمام تقول إنّ تغيير المجتمع يحتاج إلى خطوات صغيرة، مثل تعلم القراءة والكتابة، وعلى كل فرد اختيار الواسطة التي يراها مناسبة للتغير، ومن ذلك الرقص. وهي التي وقّعت مع مجموعة من الزميلات والزملاء، على إعلان الحقوق الأساس للراقصين في مصر بعد الانتفاضة الشعبية على نظام حسني مبارك (لم نتمكن من العثور على الاسم الرسمي العربي للإعلان، لكنه مسجل بالإنكليزية: Basic Rights for Egyptian Dance Artists, DREAD, A Manifesto). تتحدّث هالة إمام أيضاً عن تجارب الرقص المختلفة الآتية من الغرب، وما هو مقبول منها، في المجتمع المصري، وما هو مرفوض.
لماذا الرقص؟ تجيب هالة إمام: لا أريد أن يرى المصريون جمال الرقص، بل أن يروا جمالهم من خلال الرقص. عندما أنظر إلى النساء في الشارع، ألاحظ أنهن لا يمتلكن إحساساً بأن لديهن أجساداً. أريد أن يرى الناس أجسادهم وأرواحهم وشعورهم ويقدرونها. إذا نظرت إلى صورة المرأة منذ عهد الفراعنة إلى الستينيات والسبعينيات، ترين أنها مختلفة عما نراه الآن. انظري إلى صور تلك الأيام، ترين أنّ في مشية المرأة رقصاً، وفي طريقة حملها طفلها رقصاً، وفي كيفية تحرك الجلابية رقصاً... في هذه كلها رقص. أما عندما تنظرين اليوم إلى المرأة في الشارع، فإنها تبدو كأنها خجلة من جسدها، خجلة من ثدييها، من عينيها ومن وجهها... ربما العرض الراقص «وش وضهر»، والمقصود هنا المومس والمحجبة، يلخص هذه النظرة (انظر أقسام من العرض في الإنترنت).
عند قراءة الأحاديث مع الراقصات الفلسطينيات في الأراضي المحتلة عام 1967، ومنهن نادية خطاب وشقيقتها لينا التي سجنها العدو مدة ستة أشهر، نعرف مشاكل إضافية تعانيها الراقصة هناك، ليس مع الأهل والمجتمع فقط وإنما أيضاً مع قوات العدو وضوابطه وأنظمته الاستعمارية وتشريعاته العنصرية. هذا ما يعبر عنه العرض «طلَّت» وعرضها الخاص «محاولة يائسة» المتوافرة مقتطفات منهما على الإنترنت.
الراقصة السورية مي ناعوس تحدثت عن تجاربها في مجال الرقص في «فرقة تنوين للرقص المسرحي» و«ملتقى ليمون» ومن قبل في «دار الفنون في دمشق» وفي «المعهد العالي للفنون المسرحية»، وخصوصاً بعد عودتها عام 2004 من الدراسة في ألمانيا، والتناقضات التي واجهتها مع الزملاء والمسؤولين، قبل اندلاع الحرب في سوريا وعليها. لكنها منذ ذلك الحين، غادرت بلادها لتقيم في ألمانيا وتعمل هناك (انظر بعض عروضها في الانترنت).
ختاماً، تؤكد الكاتبة أن اللقاءات تبدو كأنها تعكس صوراً سوداوية عن الواقع، إلا أنها تستعيد أقوال مختلف المشاركات التي تعكس تفاؤلاً مسوغاً. نورا بكر قالت: أشعر بأن مشاركتي في فنون تخلق بعض الفرق، وإن كان صغيراً. وندرة عساف تؤكد أنها مستمرة في عملها، بهدف جعل ثقافة الرقص متاحة للجميع في لبنان. أما رانية قمحاوي، فتقول: إن الرقص يعلم الناس العقلانية والجمال والراحة.