المؤلف مُهدىً إلى اللاجئين الذين قضوا في البحر المتوسط وهم في طريقهم إلى أوروبا، وإلى الثلاثة آلاف يوناني الذين انتحروا بسبب سياسات التقشف (التي فرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان، وقضى بالتالي على استقلالها - ز م). «ثمة شبح يطارد أوروبا، إنه شبح «الشعبوية»، ترد هذه العبارة في مقدمة الكتاب لتلخّص مختلف ومواده، وتذكّرنا بافتتاحية «البيان الشيوعي» الصادر قبل قرنين من الزمن، وجاء فيها «ثمة شبح يطارد أوروبا، إنه شبح الشيوعية».

نمو السوق الأوروبية وتحولها إلى ما يسمى الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مختلف التطورات الاقتصادية التي خضعت لها دول الاتحاد وانضمام دول جديدة بعد هزيمة المعسكر الشيوعي، والانحدار الاقتصادي الذي واجهته بفعل الانتقال إلى الاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي إضافة إلى العولمة، أثرت كلها عميقاً في التركيبات الاجتماعية والتمييز الطبقي، وأدى إلى تغير في المفاهيم الفكرية والقواعد المسلكية. ومن هذه التأثيرات الجديدة نمو اليمين المتطرف الجديد في مختلف أقاليم أوروبا شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.

تتوقف الأبحاث عند الاضطرابات في إيطاليا وفرنسا والنمسا والدنمارك وسلوفينيا وبلغاريا واليونان وبريطانيا

صعود اليمين المتطرف وما تسمى الشعبوية في دول أوروبية محددة مثل إيطاليا (الفصل الثاني) وفرنسا (الفصل الثالث) والنمسا (الفصل الرابع) والدنمارك (الفصل الخامس) وسلوفينيا (الفصل السادس) وبلغاريا (الفصل السابع) واليونان (الفصل الثامن) وبريطانيا (الفصل التاسع)، يمثّل موضوع هذا المؤلف الذي شاركت في كتابته مجموعة من الباحثين المتخصصين جاؤوا من تلك البلاد والمجتمعات.
لكن لماذا دراسة صعود اليمين المتطرف والشعبوية وبحث ذلك في كل بلاد على حدة؟! سؤال نعثر على إجابات مختلفة عنه في المقدمة النظرية المهمة التي تحوي مختلف الآراء بخصوص كيفية تعريف اليمين المتطرف والشعبوية بمختلف تفرعاتها، والفاشية قديماً وحديثاً، دوماً وفق المؤلَّف، إذ إن صعود اليمين المتطرف في دول أوروبية متباين إلى حد ما في الأسباب والظروف الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والخلفية التاريخية.
لذلك، فإن هدف المؤلف تقديم فهم نقدي للتوجهات الأوروبية الحالية والأخذ في الاعتبار الظواهر المعقدة التي تتجمع تحت مسمى الشعبوية، مع التركيز على نحو خاص على الشعبوية اليمينية. مختلف أبحاث المؤلف تناقش كيفية جعل «الشعبوية» مفهوماً حسياً وملموساً: هل هي منظومة قيم أم إيديولوجية أم أنه أسلوب سياسي أم طريقة سرد؟ وما علاقة هذه المفاهيم بالعصبية والعنصرية ورفض الأوربة (euroscepticism) أو معاداة النظام (anti-establishment).
لقد قاد تبني بعض الأحزاب متباينة الأهداف، المنظومات الفكرية والسياسات الشعبوية، الباحثين إلى وصفها بأنها الحرباء، أي المتقلبة والمتلونة. هذا ما دفع الباحثين إلى تقصي الشعبوية في الدول آنفة الذكر، متباينة المسارات والتواريخ والتجارب والقوانين والنظم الحزبية. يلفت المؤلف الانتباه إلى حقيقة أن المصطلح «شعبوية» بدأ يستخدم في ثمانينيات القرن الماضي للإشارة إلى استحضار التغير في الإيديولوجيا السياسية عبر مزجها ببلاغة بهدف السيطرة على عقول الجماهير. وهذا بدوره قاد ــــ وفق بعض البحاثة الذين تعرضوا للمادة، ويستعين بكتاباتهم بعض البحاثة ــــ إلى نمو تقسيمات مثل النيو- شعبوية والشعبوية الجديدة والشعبوية القومية والشعبوية الأوروبية وغيرهم.
من الأمور التي يبحثها المؤلف في كل بلد على حدة، مدى ارتباط الشعبوية بالعنصرية وبالعصبية (nationalism) ما يعكس فكر استبعاد الآخر. كما تبحث مختلف إسهامات الكتاب في مدى قوة القيم المحافظة في الدول الأوروبية. على سبيل المثال، يؤكد اليمين الفرنسي والسلوفيني والإيطالي على القيم الكاثوليكية، بينما يؤكد اليمين المتطرف في بلغاريا واليونان على مرجعية القيم الأرثوذكسية، وهكذا. وقد شدد البحاثة على طبيعتين للشعبوية هما كاريزما القائد واستخدام بلاغة خطابية محددة.
بالتالي، فإن هدف هذه الأبحاث هو إلقاء الضوء على أطر غير واضحة المعالم للأحزاب الشعبوية في الدول موضوع البحث، وتوضيح الاختلافات بين التجارب الشعبوية في أوروبا الوسطى وشرقي أوروبا من جهة، ومثيلاتها في غربي أوروبا من جهة ثانية، إلى جانب استحضار عوامل جديدة لفهم الاستمرارية والانقطاع في العلاقة مع الماضي التسلطي ومع العصبية، والبحث في العلاقة بين الشعبوية من جهة والديمقراطية [!] والسلطة من جهة أخرى، بالإضافة إلى الربط بين الشعبوية والجنسوية والعنصرية نظرياً وفعلياً، وفي كيفية تأثير الخطاب الشعبوي في المشهد السياسي والثقافة السائدة. أضف إلى ذلك توضيح مدى تأثير الأحزاب الشعبوية في جدول أعمال الاتحاد الأوروبي من منظور القوانين المناهضة للعنصرية والمساواة بين الجنسين، وأخيراً، توفير أدوات للسياسيين تساعدهم على مكافحة هذه القيم والحفاظ على قيم الاتحاد الأوروبي.