ترجمة: نوفل نيّوف


أنت كلب.
جلدك الأجرب، لعلّه كان أبيض. على ذيلك، في خصلات الشعر المتهدِّلة، استقرّت عُقَدٌ شوكية إلى الأبد. لك أُذُنٌ كبيرة مقلوبة، وما من حيلة لك حتى لإصلاح هذه الأذن.
ليس لديك كلام: تستطيع فقط أن تنتحب زاعقاً حين يضربونك، أن تهرَّ حتى يبحَّ صوتك عندما يأمرك صاحبك، وأن تعوي في الليالي على الهلال الأخضر المُرّ.
أمّا العينان... لماذا لك هاتان العينان البديعتان؟
ترفع عينيك إلى فوق، تنظر في صميم أعمق أعماقي، نتكلَّم بعيوننا صريحَين، وأنا أعرف: أنت قديمٌ، حكيمٌ، أحكمُ منّا. لعلَّك كنت ذات يوم إنساناً، وستكونه من جديد. فمتى ستكونه؟
كان صاحبك الأشيب يقيّدك بجنزير، في خُمٍّ قذر. كنت تلعق الغسَالة من قصعة قذرة. تقضم ما يبقيه صاحبك من عظام. وبحميّة تحرس داره.
أنت تذكر: النهار الحارّ، عربة الخيل وسط باحة الدار، حمّلوها سجّادات وسماورات ورحلوا. كنت تنتظرهم. وكانت دجاجة الحبش الحمراءُ العرفِ تتمشّى في باحة الدار جيئة وذهاباً، تنظر بعينٍ واحدة إلى طائر الحَوم فوق، وتجمع صيصانها تحت جناحيها. وكان ظلُّ عربةُ نقل الماء يغطّي الخمّ: لم تكن عربة الخيل قد عادت بعد. تذكر أيضاً: في الصباح التالي انقضضتَ على فرْخ حبَشٍ أحمر العرف والتَهمْتَه بلمْح البصر، لم يبقَ منه إلا ريشٌ أبيض ملطَّخٌ بالأحمر عند الخمّ.
وكيف بعد ذلك انهال صاحبك بكرباجه ذي الجديلتين على عينَيك. كان قريباً جدّاً خطْمُه - المبقَّع بالشيب - المحقون، ولكنّك لم تنقضّ عليه، لأنه صاحبك. فقط كانت دموع الكلاب الذليلة تنهمر من عينيك، تشقّ أخاديد صفراء من زوايا عينيك نحو الأنف.
وفي الصباح، هل تذكر؟ ـ كنت تلصق خطمك بالأرض، تضمّ ذيلك بين رجليك، وتحبو في الوسخ لاستقبال صاحبك، متمايلاً بمؤخِّرتك، وتلحس يدَه. ولمّا طبطب على كتفك بلطف استلقيت على ظهرك مسروراً ـ لقد سامَحَني! ـ ورحت تزمّ عينيك وتلوِّح بقوائمك، تقرقع بجنزيرك وتفصح عن عارك كلّه.
كنت تقيس الوقت بما بين قصعة من طعام الكلاب وقصعة أخرى. لقد اصفرَّ نبات الخبّيزة من القيظ. الشمس ـ ذلك الكلبُ الأحمر ـ فاغرةً شِدقها تصبّ لهيبها عليك تماماً. عاجزاً عن أن تخلع عنك جلدك الأجرب تختنق، تستلقي قريباً من خمِّك مثل ميتٍ، وحدَه لسانُك الممدود كان حيّاً لا يكفّ عن اللهاث.
ثم جاء إلى باحة الدار ـ هل تذكر؟ ـ جروٌ بشريّ، سقيم، أجرب.
أنت نسيتَ كلَّ شيء، لقد تقوّستَ ووقف شعر جلدك، كان الطوق يخنقك، مبحوحاً مسعوراً رحت تنبح راغياً: كان الأجرب غريباً، كان عدوَّ صاحب الدار، وإن راح معه يلقي نظرة على خمّ الدجاج، وعلى المخرَج، وحظيرة عربة الخيل.
بعد ذلك لم ترَ صاحبك الأشيب: لقد اختفى على نحوٍ غامض، مثلما كانت تختفي الشمس في الأماسي وراء حظيرة العربات على نحوٍ غامض بالنسبة إليك. في الصباح ـ هل تذكر؟ ـ أحضر ذلك الأجرب القصعة لك؛ كان في القصعة قطعة لحم نتنة. ابتلعت قطعة اللحم وأنت تغرغر راضياً، ورحتَ تجرّ بطنك في الغبار، مثل دودة، وتزحف لاستقباله، وتلحس يديه، ـ يدَي ذلك الذي كنتَ بالأمس كالمسعور ترغي وتزبد عليه: ولكنه هو، ذلك الأجرب، هو، العظيم، من كان يتحكَّم بالقصعة الآن. ألَيْس سيّان عندك من يملكك؟ المهمّ هو أن تكون القصعة ممتلئة.
صاحبك الجديد كان المبادر. السهرات، هل تذكرها؟ كانت تفوح من الحظيرة رائحة الحليب الطازج، وتخشخش أجنحة الدجاج وهو يتخذ لنفسه مكاناً على الرفوف، فيما كانوا يلوِّحون لك بقطعة سكّر مقضومة ويصرخون: خذها! وكنت ترفع عينيك، كأنما إلى السماء، إلى قطعة السكّر المقضومة، عينيك البشريتين، وترقص بطريقة خرقاء، وأنت تقرقع بجنزيرك، على قائمتيك الخلفيتين بسبب قطعة السكَّر المقضومة. هل تذكر السهرات؟
في الزريبة كانت البقرة تتنهّد بخشوع، وتقضم أوراق الشوندر الحلوة. أمّا أنت فكانوا ـ لكي يتسلّوا ـ يحرِّرونك من الجنزير ويطلقونك على القط: هاتِه! وذات مرّة ـ أنت تذكر، ولن تنسى أبداً: انحصر القطّ في شقٍّ ضيّق تحت السور، وبقفزة واحدة خطفتَه! كنت تهرّ وتلوِّح برأسك وأنت تمزّق بطن القطّ وتنهشه، فيما كان الأجرب يقهقه، وطيور الأوز والحبش والدجاج تقوقئ مذعورة في الخمّ. بعد ذلك كنت متعَباً، قرب باب الخمّ، تقرقع بجنزيرك وتمصّ قطعة السكّر المقضومة. ولكنّ عينيك كانتا مزمومتَين كي لا يُرى أنهما شبيهتان بعينَي إنسان، وكنتَ تتنهّد طول الليل: علامَ كنت تتنهّد؟
من قصعة إلى قصعة كنت تقيس الوقت. عالَمك الكلبيّ ـ الخمّ ـ عربة نقل الماء، وحظيرة عربة الخيل ـ كانت تغطّيه سماءٌ رماديّة، خريفيةُ الرطوبة: كنت تتبلّل طائعاً. كانت الشمس تطلّ في ثلاث دوائر قانية شديدة البرودة ـ قانيةٍ مثل دمِ قطٍّ ممزّق: كنت ترتعد مثل سمكةِ القدِّ من البرد. طائعاً كنت تتنقّل بالخصلات المتجمّدة على جلدك: كانت تَخِزك فلا تستطيع الاستلقاء ـ طائعاً كنت تتنقّل بها إلى أن يذوب عنها الجليد، إلى أن تغرغِر الجداول وهي تتململ مثل السَّحالي، وتجرف كُتل روث الحيوانات بعيداً عن باحة الدار. بعينيك ـ البشريَّتين ـ كنت تنظر طول النهار إلى الشمس، تتبع الشمس وتدور حول خمِّك، تدور طول النهار وتقرقع بجنزيرك الصدِئ. والتفَّ الجنزير وتداخل حول رقبتك فقفزت بقوة وانقطع الجنزير.
وقفتَ ثانية واحدة مصعوقاً ـ آخ! ـ وانطلقتَ مندفعاً. عبْر السور، عبْر أكوام الثلج الآخذ بالذوبان، ببطنٍ بَليل ـ موجة بخارٍ عاصفة ـ اندفعتَ، سكرانَ من الشمس، من الحرّيّة، من دخان الأرض الضبابي المرئيّ بالكاد طالعاً من تحت الثلج. وفي مكانٍ ما تحت قشر الليلك العاري الذي لا يزال بعدُ أسوَد، في مكانٍ ما ليلاً في زقاقٍ، فوق أكوامِ رمادٍ دافئ، بين سكارى بالربيع وبالحرية...
لم يكن هناك قصعة، لم يكن هناك شيء لقياس الزمن: ربما هو النهار، ربما هو الهلال. ولكنّ هذا لم يكن نهاراً: إذ ما أشدَّ ما كان الجوع يقلِّب في بطنك المصارين.
وأنت تذكر: الريح تحمل عطر براعم الليلك المُرّة، على السور صخبُ غربانٍ أهوج. بخاصرتك المتسلِّخة تلتصق بالسور الأكثر بَللاً، داسّاً ذيلك بين رجليك، تتجرجر وتتجرجر. الجنزير المقطوع يقرقع على الأرض.
في باحة الدار أحاطوا بك مقهقهين: أهاـ ا! فاستلقيت قرب خمِّك القديم ومددت عنقك. ألبَسك الأجرب طوقاً جديداً لمّاعاً ـ مع جرسٍ ظريف رنّان ـ وجنزيراً جديداً. قرّبوا القصعة من خطمك ـ فيها قطعة لحم ضخمة منتنة. ألا تذكر؟ ـ رحت تلتهمها، تعضها، تمزقها حتى انتفخْت.
ثم طبطب الأجرب على كتفك بلطف، فانقلبت على ظهرك ورحت تلوِّح بقوائمك الأربع جميعاً، تقرقع بالجنزير والجرس الظريف المعلَّق بالطوق. شرعت تلعق يدَي صاحبك. أكلت بنَهم حتى التخمة ـ وماذا يهمُّك الجنزير؟ فأنت كلب عديم الأصل.
ليس عندك كلام. تستطيع فقط أن تعوي منتحباً، حين يضربونك، أن تستميت بعضِّ من يأمرك صاحبُك، وأن تعوي في الليالي على الهلال المُرِّ الأخضر.
ولكنْ، لماذا لك هاتان العينان البديعتان؟ وفي عينيك، في قاعهما، هذه الحكمة البشرية الحزينة؟
1917
* يفغيني زامياتِن (1884-1937) أديب روسي كتب روايته الشهيرة "نحن" سنة 1920. صدرت أوّل مرة في نيويورك بالإنجليزية عام 1924، وبالروسية عام 1952 في نيويورك أيضاً، ولم تنشر في الاتحاد السوفياتي إلا عام 1988. مُنِع من النشر في بلاده عام 1929 فانسحب من اتحاد الكتاب السوفيات. وفي عام 1931 كتب رسالة إلى ستالين طلب فيها السماح له بمغادرة وطنه، واستقر في فرنسا حتى وفاته.