يوسانو أَكيكو

ترجمة وتقديم: أحمد لوغليمي*

بازوليني Pasolini كان يقول إنّ علينا أن نَعْبُرَ ثمّ نتخطى كل الفنون والثقافة حتى نتمكن من العودة إلى بساطة الأطفال، إلى صفاء القلب والفكرة. يوسانو أكيكو من الشعراء الذين تمكّنوا من ذلك. كتب عنها الناقد الياباني سايتو موكيشي مسحوراً: «أكيكو تكتب مثل صبية تتحدث بسرعة...».
يوسانو أكيكو (1878 ــ 1942) شاعرة يابانية، ارتبط اسمها بالجرأة والموهبة، من أوائل المدافعات عن حقوق المرأة في اليابان، تبهر قارئها بسحر وقوة وشفافية قصائدها. كانت أشهر شاعرة هيمنت على المشهد الأدبي الياباني منذ 1901. دورها كتحريرية وحساسيتها الإبداعية سيجعلان منها وجهاً عظيماً في تاريخ الشعر الياباني والحركة النسائية.
في عام 1904، في أوج الحرب الروسية ــ اليابانية، نشرت قصيدتها الشهيرة والطويلة: «أرجوك، أخي، لا تمت» تعنّف فيها الإمبراطور لتقول لا للحرب. سنوات في ما بعد ستطرق في قصائدها موضوعاً آخر كان من التابوهات في اليابان المحافظة حينها؛ الحمل والوضع والأمومة.
سترحل برفقة زوجها الشاعر يوسانو تيكّان (1873ــ 1935) إلى فرنسا التي ستكتب عنها قصائد تانكا عديدة.
اشتغلت بالصحافة، بالدفاع عن المرأة، وبتدريس الأدب في المعهد الثقافي «بونكا غاكوين» في طوكيو. كتبت عشرات الآلاف من قصائد التانكا وقصائد الشعر الحر في 27 عملاً شعرياً. نشرت أيضاً رواية سيرة ذاتية، والعديد من قصص الأطفال. أعمالها الكاملة تقع في عشرين مجلداً.
دقتها في التعبير عن انفعالاتها وعواطفها ببساطة، جارفة ومبهرة، قدرتها على اقتناص الأحاسيس التي تستفيق بحساسية وموهبة، مزجها في نصوصها بين الحبّ، فن الرسائل، الرسم، والموسيقى تحمل القارئ في دوامة خفيفة لهذا الكونشيرتو المدوّخ.



قصائد تانكا


ـ 1 ـ

عَبْر أمطار الرَّبيع
جئتَ مبلولاً حتّى بابي
وجهي يفْشي نفس الفَرح
الذي تنثره هذا المساء
شجرةُ التّفاح المزهرة.

ـ 2 ـ

جَدْوَلٌ صغير
يَنْبع من المروج
ويتلوّى نحو الجنوب،
آه، كم هي متناغمة
هَيْئَتُكَ والحقول الخضراء!

ـ 4 ـ

بطيء مجذاف
عودتك في المساء أيها الرّاهب.
أيُّها أكثر عدداً
ضمن أزهار اللوتس هذه،
الحمراء أم البيضاء؟

ـ 5 ـ

نحو الغرب
تحمل الريح شعرها المنسدل
وسط الأغصان الشابة
بينما هنا
روعة قوس قزح صغير.

ـ 6 ـ

كرة الحرير
التي كنت أخبئها في كُمِّي
سقطت أمامهم:
"ليست لي" قلتُ،
وجريت وأنا ألتقطها.

ـ 7 ـ

كيما أريح
عينيكَ المريضتين،
وأنت في حديقتك، معلّمي،
سأجعل أزهار أقحوان بيضاء
تنمو في حديقتي.

ـ 8 ـ

ألا تراها أنت،
أيها الراهب ذو الجبين الصّافي؟
واقفة في هذا الليل
قرب شجرة التّفاح المزهرة
أحلامه الربيعية؟

ـ 9 ـ

غناء عندليب
في أصبوحة جبل كيوطو
الهادئة هذه
وديعٌ هو حبّ من
يلمس برجليه أزهار الكاميليا.

ـ 10 ـ

عليكِ أن تتعلمي
كيف تسكبين كل الثمالة
في دنان الربيع!
يا أزهار المغنوليا
المزهرة الخجولة.

ـ 11 ـ

وهو يستدير
لأجل أن يطوي أكمامه
لريح الربيع
التي تخفق بقوة يقول:
"لحظة، من فضلك".

ـ 12 ـ

من بين أوراق الخيزران
الأربعة هذه، السّاقطة على الماء،
تلك التي تحمل على ظهرها
أزهار الخوخ الوردية
هي الأبطأ في الرحيل.

ـ 13 ـ

حينما كنتُ أنتظركَ
محفوفةً بالأعشاب البرية
والزَّنبق المزهر
حتى الأفق الذي يَبِين منه قوس قزح
كان عطراً.

ـ 14 ـ

ورقة على الماء
ألتقطها، مُبَلِّلَةً كُمِّي!
عبر هذه القطرات الحمراء
أَلْتَسْقُط على أزهار النّيلوفر
أعلنُ رقّتي.

ـ 15 ـ

معبد ياباني في المساء،
في ريح الربيع
تطّاير أزهار الكرز
التي سأصنع منها قصيدة
على أجنحة يمامة.

ـ 16 ـ

أوه يا أزهار الخوخ،
يا من تأتين حتى على
حُمْرَةِ أزهار الخريف هذه
لتتواضعي قليلاً،
حتى لا يعاقبك الله!

ـ 17 ـ

مالئاً المساء،
جرس شمال ساغا
يحمل صداه
على الريش النّاعم للبطّ
الذي يلبد ضمن الأزهار.

ـ 18 ـ

لدُعابات
ماء الجدول النَّزِق
يبتسم بوذا،
فيكتشف في فمه
أزهار المروج البيضاء.

ـ 19 ـ

من يستطيع إذن أَنْ يَفْهَم
القلق المُلْتَبِس الّذي يَرُجّ
قلبي رغماً عني
مثل الفوانيا الحمراء
على فستاني الرَّثّ.

ـ 20 ـ

أوائل الربيع
لهذين اليومين في كيوطو
وحيدة في الجبل
حيث شعري المتشابك
يتحدّى أزهار الخوخ.

ـ 21 ـ

لأجل معاقبة الرجال
على آثامهم الكثيرة
مُنِحتُ إهابي الأبيض الفضي
وشعري الطويل،
الأسود، النّاعم.

ـ 22 ـ

يَعْبُرُ عَلَى مَهل
ولكن ما إن يرتفع الضباب
حتى يختفي،
بينما بجانب الجرس
كان المساء يرنّ بحزن.

ـ 23 ـ

حلّ الخريف،
لأي شيء تشبه
حياتي،
لِأَزْهار الفوم الصغيرة هذه
أم لأعشاب الخُبّاز الهشّة.

ـ 24 ـ

بحركة واحدة
صرتُ على ضفة السّاقية
وبين الصفصاف الأخضر،
أقلُّ سُرعةً مِنْ قلبي
جَرَيَانُ الماء.

ـ 25 ـ

ما أن انحلّ
قوس قزح الربيع
عن خيط الحرير
حتى شاعت في الفجر
نكهة إلهة جمال حائرة.

ـ 26 ـ

مثل هِبَةٍ سماوية
هناك، أريجُ وبهاءُ
مساءاتِ الرَّبيع
هل تعدونني بأن تصنعوا منها
ديوان شِعر؟


* شاعر ومترجم مغربي يقيم في إيطاليا