انطلاقاً من تعريف دائرة المعارف البريطانية لـ«النوفيلا» novella، التي نشأت في إيطاليا في القرون الوسطى، على أنها سرد قصير، محكم البناء، تشتمل على شيء من التعقيد لناحية جودة البناء الفني وترابط عناصره، يمكن تصنيف رواية ألبرتو مانغويل «عاشق مولع بالتفاصيل» الصادرة بالعربية (دار الساقي ـ ترجمة يزن الحاج) بأنها تنتمي إلى هذا الجنس الأدبي. هي تحقق شرط الحجم الذي اشترطته تعريفات أخرى لهذا النوع من الكتابة، بحيث تأتي «النوفيلا» أطول من قصة وأقصر من رواية، وهو ما يتحقّق، ظاهرياً، في ترجمة «عاشق مولع بالتفاصيل» التي لم تتجاوز 94 صفحة من القطع المتوسط، إلّا أنّها بعد الانتهاء من قراءتها، تضرب عرض الحائط بكلّ التعريفات الأكاديمية. يمتدّ أثرها طويلاً، وتبدأ تفاصيلها بالتكاثر والتوالد في رأس قارئها، ما يجعلها، في مخيلته، تأخذ حجم رواية طويلة، دون الاكتراث إلى استنادها أصلاً إلى حدث قصصي بامتياز يمكن سرده بأسطر قليلة.
شهادات تمنح الحكاية أسلوباً موسوعياً، وبورخيسياً بامتياز

بهذا الأسلوب الموزاييكي، يبني مؤلف «يوميات القراءة» روايته، التي يعود بأحداثها إلى مدينة بواتييه، الفرنسية، نهايات القرن التاسع عشر، وهي تحاول إخفاء ندوب الحرب «خلف مظاهر خادعة باهتة» ليستلّ منها حكايةً، ربما ما كانت لتمثّل لغيره أكثر من تفصيل باهت يمكنه أن يعبر في الحياة دون اهتمام. وبذلك يتماهى مانغويل مع موهبة بطله أناتول فازانبيان، المولود لعائلة عانت إرهاب الثورة، فشبّ وسط كآبة حوّلته إلى شاب كئيب يعمل في حمّام عمومي، لا يستطيع التمييز بين أمّه وأبيه، المتماثلين بكونهما ملتحيين وأشيبين، رغم موهبته الاستثنائية بالتقاط التفاصيل من الأشكال الكليّة.
يكتب مؤلف «المكتبة في الليل» روايته بمزاج قارئ، هو المعروف بكونه واحداً من أشهر القرّاء في التاريخ، عمل لأربع سنوات متواصلة كقارئ لبورخيس، قبل أن يتحوّل إلى مؤلف موسوعي وروائي. يستفيد مانغويل من خبراته كلّها في بناء روايته، فيأتي السرد موزعاً بينه كراوٍ، وبين وثائق وشهادات تمنح الحكاية بعداً تاريخياً، وأسلوباً موسوعياً، بورخيسياً بامتياز. لا يختلف فازانبيان، من وجهة نظر مانغويل، عن غيره من البشر الموهوبين، فلدى كلّ إنسان موهبة استثنائية قد لا ينتبه إليها بمفرده، ومن هنا كان لحضور العجوز الياباني كوسكابي الدور الأبرز في تطوير موهبة فازانبيان، ولكن هذه المرة دون أن ينبهه إليها. لقد قدّم له الأداة، التي لم تكن غير الكاميرا الفوتوغرافية، مع بداية ظهورها. وما الذي يمكن أن يحتاجه فازانبيان كمعنى لحياته أكثر من الكاميرا؟! هو الذي قال لقندلفت الكنيسة، في التاسعة من عمره: «لا أؤمن بالأمور الخفيّة»، مؤكداً مقدرته على رؤية الهواء، بسبب ذرّات الغبار، وقراءة الأفكار من طريقة ارتعاش الوجه أثناء التفكير.
إن كان «البلازون» من حيث هو نمط من الشعر الموزون، الذي كان ينظم في تلك المنطقة من العالم لامتداح شخص أو أمر ما، وتحديداً أجزاء من جسد الأنثى، هو المصطلح الأقرب لمقاربة موهبة فازانبيان، فإنّ الموزاييك، بحسب الراوي، يمكنه مقاربتها أيضاً، رغم كونه معاكساً للبلازون، إلّا أنه في الحقيقة لا يخفي طبيعته المقسّمة، ما يعني رغبة صانعه التنبيه إلى الأجزاء في خدمة الكيان الكلي. إنّه إذاً الشكّ في الصورة الكليّة، والانسياق خلف التفاصيل، التي يمتلك كلّ تفصيل منها كياناً كليّاً، هو ما تحوّل إلى دافع لدى فازنبيان لاستخدام كاميرته في التقاط تلك الأجزاء المبعثرة من أجساد المستحمين، عبر شقوق الباب. لا يندرج عمل فازانبيان في إطار التلصص، كونه يحصل على صور لتفاصيل مجردة من أجساد يجهل شكلها الكلّي، ويجهل صاحبها وجنسه، مما يعني تحوّلاً في مفهوم الرغبة لديه لتغدو كتلة من الإغواءات الجنسية اللانهائية، واحتمالات إيروتيكية متعددة «تتحول وتتجمع بتقلّب موشوري لوني»، ما يجعل فازانبيان ساعياً خلف لذّة لا تنتهي، متخليّاً عن فكرة الجسد الواقعي لصالح الصورة التي تدوم إلى الأبد.
يمتلك مانغويل إلماماً واسعاً بالقارئ، كمفهومٍ أنجزت حوله مجموعة كبيرة من الكتب الموسوعية، ما يجعل كتابته الروائية مبنيّة بحيث تحترم ذلك القارئ المفترض، بتنوعاته اللانهائية، وبعيدة عن إغوائه بحدث مبهم ينتظر نهايته. يفصح مانغويل منذ الصفحات الأولى عن نهاية مأساوية طالت بطله الذي ترك خلفه بعضاً من يوميات يستعين بها الراوي ليخبرنا تفاصيل الحكاية، وليس ليسرد لنا قصة كان بإمكانه سردها، كجسدٍ كليّ، بكلمات قليلة. يؤكد صاحب رواية «عودة» بذلك على أنّ الكتابة الروائية، الحقيقية، مماثلة في العمق لموهبة بطله من حيث هي غوص في تفاصيل وأجزاء لكلّ تفصيل منها بنيته الكليّة، التي تتضافر مع الأجزاء الأخرى مكثّفة متعة القراءة. يتحوّل القارئ إلى شريك للكاتب، يتابع وحده، بعد الانتهاء من القراءة، إعادة تركيب تلك الأجزاء لتنضج الحكايات في رأسه، فيحوّله مانغويل بذلك إلى «عاشق مولع بالتفاصيل».