تشابك خطوط رواية «ظل الريح» (2001) لكارلوس زافون (منشورات الجمل ــ ترجمة: معاوية عبد المجيد)، وتعالق شخصياتها، ونبرتها البوليسية، لن تمنع القارئ الحصيف من تلمّس مرجعياتها الأساسية، سواء لجهة طبقات السرد أم لجهة الحفر في تاريخ الكتب. اتكأ الروائي الإسباني في عمله الأول هذا على ثراء لغة ثرفانتس في التخييل، كرافعة ثقيلة لبناء عمارته الشاهقة، في خلطة عجائبية من ميراث أسلافه الكبار. العبارة الأولى من الرواية «لن أنسى أبداً ذلك الصباح الذي اقتادني فيه والدي إلى «مقبرة الكتب المنسيّة». حدث الأمر في أوائل صيف العام 1945»، ستحيلنا من دون عناء إلى مفتتح رواية ماركيز «مائة عام من العزلة»: «بعد سنوات طويلة، وأمام فصيل الإعدام، تذكّر الكولونيل أورليانو بوينديا، عصر ذلك اليوم البعيد، الذي اصطحبه فيه أبوه، كي يتعرف على الجليد».
التخييل رافعة ثقيلة لبناء عمارته الشاهقة

ما إن يجتاز الصبي دانيال سيمبيري بصحبة أبيه بوابة المقبرة، حتى يجد نفسه في متاهة كتب «تجوّلت في تلك المتاهة واستنشقت عبق الصفحات القديمة والسحر والغبار لنصف ساعة. وتركت يدي تلامس ظهر الكتب المرتبة في صفوف طويلة، متكلاً في خياري على حاسة اللمس». حاسة اللمس نفسها التي كان يستنفرها دون سواها أعمى مثل خورخي بورخيس وهو غارق في متاهته الأزلية. ستتكشّف الحكاية تدريجاً عن وقائع بوليسية ومطاردات وألغاز، كتلك التي صادفناها في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، بخصوص الكتاب المسموم، إذ يستبدله روائينا بكتاب شيطاني عنوانه «ظل الريح» لمؤلف مجهول يدعى خوليان كاراكس. سنجد ظلال ثرفانتس حاضرة بنسخة عصرية من «دون كيخوته». وليمة من طبقات التناص، يحبكها كارلوس زافون بمهارة، مستخدماً بنية الدمية الروسية في الحكايات المتوالدة، على غرار البنية السردية الموجودة في «ظل الريح». هذه الرواية التي سيشغف بها دانيال، ما يقوده إلى البحث عن روايات أخرى لهذا المؤلف، لكن خبير الكتب القديمة والنادرة جوستابو بورسلوه سيفيده بأن النسخة التي بين يديه هي الوحيدة التي نجت من محرقة كتب خوليان كاراكس، ويساومه على شرائها. لكن الصبي يرفض العرض، ويقرّر اقتفاء أثر بقية كتب هذا المؤلف بمساعدة كارلا ابنة شقيق بورسلوه بوصفها خبيرة بميراث هذا الكاتب المجهول. سيشغف الصبي المراهق بكارلا العمياء، ولن يصحو من حلمه إلا حين يكتشف علاقتها بمدرّس الموسيقى الذي كان يحضر إلى بيتها لتدريبها على العزف. في ثورة هيجانه واحتضاره، سيلتقي متسكعاً رث الثياب يدعى «فيرمين»، وسيقنع والده الذي يدير مكتبة في أحد شوارع برشلونة بالافادة منه في توزيع طلبيات الكتب النادرة. هنا سنتعرّف على كائن آخر غير ذلك المتسكع المهجور، ففيرمين سيتخذ موقع «دون كيخوته» بفروسيته الخرقاء، مسدياً النصائح لدانيال في كيفية مواجهة أعباء الحب واختبار العاطفة، فيما تثقل القبضة البوليسية وأجواء الخوف والكراهية والريبة، على أرواح الشخصيات في ظل المرحلة الفرانكوية، وصعود الفاشية، خمسينيات القرن المنصرم. لا تقل سيرة خوليان كاراكس إثارة عن محتوى كتابه الملعون. كتبه التي انتهت إلى المستودعات بسبب فشلها، واضطراب وضعه العائلي، أبعداه إلى باريس فترة طويلة من حياته. هناك عمل عازفاً في بيت دعارة، لكن ناشره لم يفقد الأمل في الحصول على مؤلفات جديدة، فيوفد مسؤولة النشر نوريا مونفورت إلى باريس للحصول على مخطوط روايته الأخيرة، وتنشأ قصة حب بينهما خلال الأسبوعين اللذين قضتهما في باريس، إلى أن تلتقيه سرّاً في برشلونة، خشية اغتياله على يد أحد ضباط فرانكو الشرسين، لنكتشف أن خوليان نفسه من كان يقتفي أثر كتبه وحرقها، وهو من يتجوّل ليلاً متخفيّاً بقناع إحدى شخصيات روايته، لكنه لن يكتشف سرّ موت حبيبته بينلوب شقيقته اللاشرعية من رجل أعمال كان اعتدى على أمه قبل زواجها بأبيه مباشرة. أما دانيال فسيتزوج من بيا شقيقة صديق طفولته توماس، بعد مغامرات طويلة ومرهقة ومؤلمة. كما سيكتشف أن نوريا هي من أنقذ النسخة اليتيمة من ظل الريح حين خبأتها في مقبرة الكتب المنسيّة التي يحرسها والدها، رغم القطيعة بينهما. ضخامة الرواية وتشعّب مساراتها ومذاقاتها السردية المتعددة، أتت كتعويض عن متاهة مكتبة كاملة، اختزلها كارلوس زافون في مجلّدٍ واحد، مغلقاً الدائرة كما افتتحها، ولكن هذه المرّة سيصحب دانيال الذي صار أباً ابنه إلى «مقبرة الكتب المنسيّة» كي يختار كتاباً نفيساً من رفوف هذه المكتبة، كأن الكتب هنا هي حياة موازية. في روايته اللاحقة «لعبة الملاك»، سوف يستكمل الابن اللعبة، ويختار كتاب «توقعات عظيمة» لتشارلز ديكنز، ليدخل في متاهة أخرى. لن نستغرب إذاً، أن يحظى هذا الروائي الكاتالوني المولود في برشلونة (1964)، والمقيم في لوس أنجلوس، بهذه الشهرة المباغتة، نظراً لثراء روايته معرفياً وبلاغياً، وقدرته على نصب الفخاخ أمام قارئه بتوابل بوليسية، وإذا بالرواية تُترجم إلى 30 لغة عالمية بملايين النسخ، وهو ما لم تحظ به رواية إسبانية أخرى، عدا أمّ الروايات «دون كيخوته».