يمثّل صدور «60 مليون زهرة» (الفارابي) للكاتب الفلسطيني مروان عبد العال حدثاً أدبيّاً جديراً بالاهتمام. وقد اكتسب الحوار فيها، باعتباره بؤرة لتولّد الدلالات الكبرى للنص، أهمية فنية ومضمونية استثنائية. في الرواية يستحيل الحوار استعارة مركزية تجمع شتات الشخصيات والذكريات والرهانات حول النصب التذكاري للجندي المجهول، في ساحة عامة لغزة المحاصرة. يُعرّف الحوار باعتباره مجالاً للتعرّف إلى الذات والآخر، وتحقيق كيان الإنسان، قولاً وإنصاتاً، تأثراً وتأثيراً. يكتسب الحوار في الرواية أهمية تكوينية في نسيج النص وتخييلية إبداعية، في مستوى المضمون. من خلال أشكاله ونسب حضوره ومواضع استعماله، يمثّل مجالاً للتفاعل بين الشخصيات وتعبيراً عن عوالمها الباطنية، ومشتركاتها الموضوعية المرجعية.

ورد الحوار على أشكال تحقّق مختلفة. لكننا سنهتم بشكلين رئيسيين، هما الحوار الباطني والحوار المباشر. يعبر الحوار الباطني عن وحدة الصوت لأنّه لا يعكس التواصل بين كائنات مستقلة بذاتها. إنّه انعكاس للداخل والباطن، في مواجهة الخارج والظاهر، ليكون الخطاب ذاتياً لطرف واحد مكتف بإنّيته. ولعلّ حجر الزاوية في كلّ هذه التمايزات يتمثل في القول بأنّ المخاطبة أو المداخلة (Intervention) وحدة «مونولوغيّة» والمبادلة وحدة حوارية. يكون الحوار المسرّد في شكل طرادة (Tirade)، المخاطَب فيها الذات نفسها، أو شخصيات واقعية أو متخيلة حاضرة في السياق المقامي أو مستحضرة من المخيّلة. وكثيراً ما يعبّر الحوار الباطني عن أزمة تواصلية في السياق الواقعي أو الروائي التخييلي. ومن علامات ذلك، اقتران الحوار الباطني بمؤشرات لغوية، وبهذا يمكن أن نؤوّل الصمت والحوار الباطني في الرواية بوصفه تعبيراً عن الفعل الاستعماري في الشخصيات. وارتباطاً بذلك، يأخذ الصمت أكثر دلالاته تجريداً، حين يعبّر عن مستويات تفاعل مختلفة، لأبطال الرواية مع واقع الاحتلال والتجزئة والحصار والحواجز. وقد يكون الصمت أبسط تلك التفاعلات وأكثرها عفويّة وبداهة، ولكن الكاتب يُؤّل الصمت، في علاقة بالقمع تأويلاً مختلفاً وأكثر قسوة، فـ «القمع المبطّن ليس عدم تمكّنك من النطق. بل عدم الاهتمام بما تنطق». نلاحظ هنا أنّ البعد التخييليّ في الرواية والجانب العجائبيّ فيها، استندا إلى ما تتيحه الشخصيات الرئيسية في النص، التي تعاني من الوسواس والهذيان والخوف من إمكانيّات على عقد صلات مبتدعة مع شخصيات حاضرة أوغائبة، صديقة أوعدوّة، من عالم البشر أو الحجر أو الحشرات.

بناء رمزيّة جماعيّة مختزلة لحلم الجماعة في التحرر

ولكن هل استسلمت شخصيات الرواية إلى هذا الحصار المفروض عليها؟ هل قنعت بعالمها الباطني واستسلمت للحواجز المقامة بينها؟ إذا تتبعنا الحوار المباشر في الرواية، نلاحظ ضعفاً لنسبة حضوره، مقارنة بالسرد، إضافة إلى أن عدداً من الحوارات يتشكّل من مداخلة بلا ردّ، وعدداً من المخاطبات المبادرية لا يعقبها جواب. «ما إن أنهى كلامه حتّى أجهشت بالبكاء، لم يرمقها حتّى بنظره واستدار الفتى مغادراً». ومن ذلك أيضاً تلك الرسائل التي تواصل الورود من دون ردّ والتقارير التي تكتب إلى شخصية وهمية.
لكن هل خضعت شخصيات الرواية للفعل الاستعماري المدمّر؟ هل انكفأت على نفسها واستسلمت للوسواس والهذيان والصمت؟ لا يبدو ذلك. الرواية في وجه من وجوهها، هي صراع ضد الصمت والتدمير والقطائع المفروضة على العلاقة التواصلية بين الشخصيات، «لأنّ الصمت ليس خجلاً ولا عجزاً، إنّما ترقّب للحظة الانفجار». إنّه برهة التفكير والإعداد والاستعداد للفعل التواصلي المقاوم. لذلك تتحوّل الرواية إلى فضاء تواصلي، إلى محاورة لغوية وفعلية وعملية واستعارية رمزية. وهنا تسقط التراتبيات الواقعية الحسية الفجة، فتسقط معها منطقية البنى النصية للمحاورات النموذجية أو الطرازيّة. ولذلك يأخذ الفعل الحواري التواصلي أشكالاً لغويّة وغير لغوية، باطنية أو شفوية وكتابية أو جسديّة. وقد تكون العلاقة التواصلية الحوارية باللغة أو الموسيقى والرقص. وهنا تماماً يحضر نصب الجنديّ المجهول، مُحاوِراً ومُحاوَراً، ليمثّل تجسيداً رمزيّاً للذات الجماعية المنصهرة في التمثال الرمز المقاوم. إلاّ أنّ الكاتب، بعد أن يبني على امتداد النصّ، هذه الرمزيّة الجماعيّة المختزلة لحلم الجماعة في التحرر والانعتاق، يرى أنّ البطولة الحقيقية تتركّز في الشخصية الفلسطينية الواقعية. فقد شكّك الفتى بأن يكون الجندي المجهول رمزاً للبطل، فيحدّثه قائلاً: «إنّ رمز البطولة هو نحن، كوننا ما زلنا أحياء نعزف ونغنّي ونرقص رغم الألم». ولكن، هل يمكن أن ننتقل في قراءتنا لـ «60 مليون زهرة» من النظر في حوار شخصيات النص، إلى الحوارية التفاعلية بين مفرداته الرمزية المولّدة للطاقة الإبداعيّة في الرواية؟
سعى الكاتب إلى خلق استعارة كبرى استندت إلى علاقة حوارية تفاعلية بين عدد هام من المفردات الرمزية مثل: الجندي المجهول، والزهر، وأبناء العنقاء، ورجال الرمال، وطائر النار التي شكّلت شبكة مفهومية – رمزية مولّدة للمعاني والدلالات. من مرتكزات الإبداعية في الرواية، ثراء الأطر العرفانية المرجعية المشكلة للشبكة الرمزيّة. إذ تتداخل في النص الأطر التاريخية القديمة (أليسار، هانيبال...) بالأطر الخرافية - الأسطورية (العنقاء، دليلة، شمشون،...) مع الأطر الواقعيّة (فلسطين، غزة، مصطفى حافظ، الحواجز...) مع المرجعيات التخييلية والذاتية التي انصهرت في بوتقة الواقعية السحرية، فتفجّرت الدلالات والمعاني من خلال التفاعل القرائي الخلاّق مع أطر القراء الذهنيّة وذاكراتهم الموسوعيّة. هذا الترابط السياقي ضمن شبكة الرموز داخل النص، وهذا التفاعل بالحوار أو التقاطع أو التوالج، هو المولّد للتعددية الدلالية في الرواية. تمكّن الكاتب من اتقان «اللعبة النصيّة» التي ولّدت «متعة نصيّة» ضمن عالم روائي سحري تقاطع فيه الواقعي بالخرافي والعجائبي. هكذا من المقاربة الأولى لـ «60 مليون زهرة»، تتبين أهميّة التجربة الروائيّة لمروان عبد العال الذي تمكّن بفضل إمساكه بتقنيات الكتابة وثراء ثقافته الفنية من تأسيس استعارة جديدة في الأدب العربي هي استعارة الزهرة الحريّة، والحبّ والحلم والحياة، المرأة والمقاومة والوطن، ليبني «60 مليون» حلم بالحريّة.