يُعتبر مصطلح «الثقافة» من أكثر المصطلحات التي خلقت إشكالات متعددة، بدءاً من تعريفه الاصطلاحي وصولاً إلى ما يتفرّع عنه من مناهج ومقاربات نقدية، فضلاً عن اختلافاته الجذرية تبعاً لتباين الحقول الدلالية التي يُستخدم فيها. تطوّرت المفردة من تعريفها اللغوي الأصلي في جذرها الثلاثي (ثقِفَ) الذي يدلّ على التشذيب والتطوير والإدراك إلى التربية والتأديب في المعاني المجازية اللاحقة، وصولاً إلى ارتباطات كثيرة ومحدّدة بعلاقة متباينة مع مصطلحات كالثقافة الجماهيرية والشعبية، وفي سياقات أخرى الثقافات القومية، والعرقية، والجسدية، والثقافة الإعلامية وغيرها.

ومن البديهي أنّ كثراً من المفكرين والفلاسفة قد تصدّوا لمحاولة تعريف وفهم هذا المصطلح وما نشأ عنه من نظريات، بما له من سياقات تحليلية كثيرة، وكل واحد منهم يعتمد مقاربة ترتبط برؤيته ومنطلقه الفكري الذي يستند إليه في منظومته المعرفية. في محاولة لإيضاح أكبر وأكثر عمقاً في هذا الشأن، تقدّم الأكاديمية في «جامعة بغداد» والمترجمة خالدة حامد في دراستها المعنونة «غبش المرايا: فصول في الثقافة والنظرية الثقافية» (دار المتوسط/ إيطاليا)، مجموعة من المقالات والنصوص الثقافية المؤسِّسة المكتوبة بأقلام عشرة كتاب، لكلٍّ فيهم توجهاته ومقاصده المعرفية الخاصة به.

العمل على بناء «وعي زائف» خدمةً لمصالح اقتصادية

صدر الكتاب بتوطئة تمهيدية للمترجمة، أوجزت فيها فحوى النصوص التي اختارتها، مشيرة إلى أنّ مفهوم الثقافة يحمل بين طيّاته إضاءة على السيرورة البشرية، في محاولة فهم أنفسهم بوصفهم أفراداً وجماعات متداخلة، فضلاً عن أنّ المترجمة عملت على نقل النصوص بلغة سلسة واضحة لا ارتباك في صياغتها، وقد ذُيِّلت بهوامش لكثير من المصطلحات والأعلام والأفراد والأماكن والحركات الثقافية والإشارات التوضيحية في بعض المواضع. وبالعودة إلى النصوص المترجمة، يتقدّمها «تحليل الثقافة» للمفكر والناقد الإنكليزي ريموند وليامز. المقال مستلّ من كتابه «الثورة الطويلة»، حيث يعمد وليامز إلى تعريف الثقافة وتبيان فئاتها العامة من وجهة نظره، مؤكداً على عدم صوابية الاستناد إلى تعريف واحد لها، إذ ينقل عنه في مواضع أخرى قوله: «لا أعرف كم مرة تمنيت لو أنني لم أسمع بهذه الكلمة اللعينة» (أي الثقافة)، في تصوير واضح لما يشكّله هذا المصطلح من التباس في مجرّد حصره مفهومياً. بعد ذلك، تعرض لنا المترجمة مقالاً تأسيساً مشتركاً بين ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر بعنوان «صناعة الثقافة: التنوير بوصفه خداعاً جماهيرياً». يعتمد الكاتبان هنا مفهوم «صناعة الثقافة» كتوصيف لوسائل الإعلام باعتبارها مؤسسة اقتصادية تخضع لاعتبارات السوق، وبالتالي لسلطة الطبقة الحاكمة وتوجهاتها في خلق أشكال «وعي زائف» خدمةً لمصالحها الاقتصادية البحت. وقد عملت «صناعة الثقافة» هذه برأيهما على «تطويع الأشخاص، بوصفهم نموذجاً، يُعاد إنتاجه، في كل منتوج بلا كلل»، بحيث يصبح كل عمل فني استهلاكياً مُداراً بالعقلية النفعية الاقتصادية. الدراسات الثقافية وإرثها النظري لستيوارت هول، هو المقال الثالث الذي يضمه الكتاب. هنا، يعود هول إلى الدراسات الثقافية ومساراتها وتمثلاتها تاريخياً، خاصة البريطانية في صراعها مع الماركسية وتأثرها بأفكار غرامشي. وارتداده التاريخي هذا يهدف إلى فهم واقع الدراسات الثقافية السائدة في زمنه ومستقبلها كذلك. النصوص المترجمة تضم كذلك: «ثقافات» لكليفورد غيرتز، و«الثقافة والهيمنة الأيديولوجية» لأنطونيو غرامشي، و«الذوق الفني ورأس المال الثقافي» لبيار بورديو، و«ممارسة الحياة اليومية» لميشيل دي سيرتو، و«خبرة الثقافة» لمايكل ريتشاردسون، و«ثورة القيم: الوعد بتغيير متعدد الثقافات» لبيل هوكس، و«الثقافة في أزمة» لتيري ايغلتون. في كل واحد من هذه المقالات، يعرض الكاتب تصوّراته الخاصة لمسألة أو قضية ثقافية، هي انعكاس للرؤية الذاتية المنطلقة من همومه المعرفية، القائمة في جزء كبير منها على الربط والمقارنة والتحليل والدرس التاريخي. وكما يُظهر عنوان الكتاب «غبش المرايا»، فإن المقالات المترجمة تهدف إلى تعريفٍ وإيضاح لانعكاسات المرايا التي تُمثلها كل مقاربة قدّمها كاتبو المقالات، بما تمثله هذه «المرايا» من صور متعددة للذات الثقافية، إذا صحّ الوصف. لا شك في أنّ المادة المترجمة في الكتاب تندرج في سياق تعريفي لا غنى عنه يتصل بالقضايا الثقافية النقدية، وتقدّم مدخلاً مهماً إلى أفكار كل واحد من كتّاب المقالات، إلا أننا نفتقر عربياً إلى مقاربة جليّة لموضع دراسات مماثلة للتي يضمها الكتاب، من حيث فمها وتفعيلها في السياق الثقافي العربي، المتسم بالاستهلاك في معظمه، فضلاً عن تردي الواقع المعرفي عربياً، ما يجعل محل هذه الدراسات لا يعدو كونه تراكماً في ظل ضبابية الوجهات الثقافية النقدية خصوصاً.