يتعامل هذا المؤلف مع مأساة الشعب الفلسطيني، أي طرده من وطنه وتقاسم أنظمة سايكس بيكو العربية وكيان العدو الصهيوني أرضه، ومحاولة القضاء على أي أثر مادي أو معنوي لوجوده، من خلال دراسة إثنوغرافية تحليلية للموسيقى والموسيقيين، ولأناشيد الثورة والثقافة الشعبية.

الكاتب، أستاذ مساعد للفولكلور والإثنوموسيقى في "جامعة إنديانا" في الولايات المتحدة، تعامل مع مادة المؤلف من منظور تاريخي امتدّ من نهايات العهد العثماني، مع التركيز على ثلاثينيات القرن الماضي حتى ثمانينياته، أي حتى ما يعرف باسم الانتفاضة الأولى. الموسيقى الفلسطينية، في ظن الكاتب، أضحت تشكل الهوية الوطنية الفلسطينية كما تعكسها في الوقت نفسه.

نوطات وكلمات بعض الأغاني الثورية الجديدة والشعبية التراثية

ديفيد ماكدونلد درس الموسيقى الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة عامي 1948 و1967 وفي شرق الأردن، وتبينت من خلال ذلك التحديات النظرية والمنهجية لمتابعة أثر المقاومة فيها، وبالتالي فهم طريقة تعامل الفلسطينيين مع الاحتلال والتهجير من وطنهم، وكذلك محاولات طمس هويتهم كما يحدث في كيان العدو الصهيوني وفي شرق الأردن. بالتالي، إن هذا المؤلف عرض لتاريخ الفلسطينيين وهويتهم الوطنية كما تتبين من خلال أغنياتهم ورقصاتهم الشعبية.
ما يضفي على هذا المؤلف أهمية، كما سابقه الذي يتعامل مع الرقص في فلسطين، هو إظهار استراتيجية النضال الفلسطيني المقاوم وتعدد أوجهه، أي العلاقة والروابط بين النضال الفلسطيني من أجل استعادة حقوقه في وطنه فلسطين، أي الوطنية الفلسطينية من جهة والأغنية الثورية. انطلاقاً من هذا، فإنه عرّف الموسيقى الفلسطينية المقاومة بأنها الاستخدام الواعي لأي نمط موسيقى لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني.
وصول الكاتب إلى هدفه لم يكن سهلاً لأسباب عديدة ومتباينة جغرافياً. في شرق الأردن على سبيل المثال، تعد سلطات نظام عمان أي محاولة لمتابعة أي نشاط فلسطيني، حتى لو كان في مجال الموسيقى أنه أحد أشكال الأرهاب، وأنه تهديد لأمن الدولة الذي أجبر عدداً من الموسيقيين الفلسطينيين على الحذر من التعاون مع الكاتب. أما في ما يخص الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالمشكلة كمنت في عدم رغبة الموسيقيين في السماح للغير بالاطلاع على أسرار أعمالهم. اكتشف الكاتب خطابين موسيقيين في دراسته الميدانية، خطاب المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخطاب المنفى في شرق الأردن.
قسم الكاتب عمله إلى جزءين، أولهما إثنوتاريخي من الفصل الثاني إلى الخامس، والثاني إثنوغرافي ويضم الفصل السادس حتى التاسع. علماً بأنه أثرى المؤلف بمجموعة من المصورات، ومن ضمنها نوطات بعض الأغاني الثورية الجديدة والشعبية التراثية، إضافة إلى كلماتها. يعرض الكاتب مختلف المشاكل التي واجهته في تطبيق اختيارها المنهجي، ويمكن القارئ المهتم وأهل الاختصاص متابعة تفاصيل ذلك في المؤلف. لكن أشار إلى أنّ كون مؤلفه هو الأول في مجاله، فإنه يضع أرضية أبحاث لاحقة في المادة. ومن هذا المنظور، من المفيد عرض فصول المؤلف بما يساعد القارئ في الإحاطة بتفاصيل محتواه، وبالتالي اقتنائه. الفصل الأول "الوطنية والانتماء إلى أدائية المقاوم"، وهو يلي المقدمة. الفصل الثاني "شعراء ومغنون وأغانٍ ـ أصوات حركة المقاومة 1917 ـ 1967". والفصل الثالث هو "النكسة وظهور الأغنية السياسية 1967 ـ 1987". الفصل الرابع هو "الانتفاضة الأولى وجبل أطفال الحجارة 1987 ـ 2000". أما الفصل الخامس فهو "إعادة إحياء ووفود الجديد 2000 ـ 2010". ويحمل الفصل السادس عنوان "أغنيتي ستصل إلى كل الشعب: بلدنا والأغنية المقاومة في الأردن"، والسابع "السجن والنفي ـ الأغنية الفلسطينية المقاومة تتحدث عن السلطة والمقاومة"، والثامن "اتجاهات وأنماط جديد: الهيب هوب من إسرائيل"، والتاسع "الكلمات سلاحاً: مجموعة دام تدخل الهيب هوب إلى الضفة الغربية. ذكر الكاتب العديد من المؤيدين أو الغنائيين الثوريين، ومنهم كمال خليل، وأبو هاني، ونوح إبراهيم، وتامر نفار من فرقة الهيب هوب "دام"، في كل من مدينتي اللد ورام الله المحتلتين، إضافة إلى أسماء فرق عديدة ومنها "فرقة العاشقين" و"فرقة بلدنا" و"فرقة صابرين". في الوقت نفسه، فإنه يحلل مجموعة من الأغاني، ومنها الوطن العربي، و "شرفت يا نيكسون بابا يا بتاع الووترغيت"، و"وين الملايين!"، كذلك يربط في الوقت نفسه بين أداء بعض الفرق وموسيقاها بأعمال مماثلة تعود إلى مارسيل خليفة وأحمد قعبور والشيخ إمام.