بشير مفتي


إذا عدت إلى الخلف، أي إلى بداية التسعينيات، وأنا شاب مراهق اكتشف سحر الأدب وذاب في نعيمه، وبدأ يكتب أشياء ذاتية واعترافات وجدانية، تحت قراءات لكتب سردية كثيرة أمتعته، زلزلته، وفتحت عينيه على حب المغامرة والرغبة في اكتشاف المجهول، وغيرت حياته بعض الشيء، أو نقلته من طريقة نظر وتفكير للحياة كانت تشبه طريقة الجميع، لا يميزه عن غيره فيها شيء محدد، إلى طريقة يريد أن يسميها شخصية، أو مستقلة، أو متمردة تدفعه إلى أن يراهن على "الخسارة" في سبيل ربح شيء معنوي كبير، أو يتخيله كبيراً، أليست الكتابة كما يقول الراحل أمبرتو إيكو "متاعاً غير مادي"؟.
سأحاول أن أستحضر هذا الشخص المراهق من جديد؛ إنه في بدايته، وهو يريد أن يكتب فقط، أن يكون له اسم أدبي، مثل تلك الاسماء الكثيرة التي قرأ لها، أعجب بها، وشعر أنها بمثابة عائلته الجديدة التي اختارها عن شغف ومحبة، ولم تفرض عليه من أحد. سيتمكن بطريقة ما من نشر بعض القصص القصيرة على صفحات أدبية لجرائد جزائرية. سيشعر ببعض الفخر والاعتزاز، وسيعرض ما نشره على كل من يلقاه في البيت أو الطريق، فيا للسعادة التي هو فيها، سعادة لا تسعه، لا يقدّر حجمها مهما حاول ذلك، سعادة تفيض وستمس كل من كان يلتقي به، وهو يؤكد لنفسه، أو لغيره، أنه أخيراً حقق الخطوة الأولى... لكنه في أعماق نفسه يدرك أنه لم يحقق أي شيء، أنه دخل في متاهة كبيرة لن يخرج منها سالماً قط، وأن هذا هو قدره الأدبي الذي سيعيش فيه متحرراً تارة ومسجوناً تارة أخرى، منتشياً مرات ومعذباً مرات كثيرة. سيدرك فجأة خطورة الأدب، وصعوبته، ومتاعبه، ويسأل نفسه عشرات المرات ما هذا الطريق الذي اخترته؟ وهل اخترته حقاً أم كما يحلو للكتاب قوله: لقد اختارني الأدب وليس بيدي حيلة لردّه.

كانت أحلام مثقفين شباب يريدون رفع الستار عن معضلات الجزائر التي لا يُفكَّر فيها

جاءتني فرصة نشر مجموعتي القصصية الأولى باكراً. كنت في الثانية والعشرين من عمري، وأنشط في جمعية أدبية جديدة اسمها رابطة «إبداع»، تأسّست بعد انفجار أكتوبر 1988 والذي نقل البلد من نظام حكم الحزب الواحد إلى التعددية السياسية، والسماح بتأسيس جمعيات مدنية مختلفة. فكرت في البداية أن أجمع كل ما نشرته من نهاية الثمانينيات في الجرائد من قصص، ولكن بمجرد أن قرأتها نفرت منها. شعرت أنها لا تملك رؤية ما للعالم، أنها لا تمثلني في النهاية. سألت رئيس الجمعية: كم عندي من وقت؟ قال: شهرين أظن. عكفت حينها على الكتابة قصة وراء قصة. كنت أكتب بروح روائية، وتحت تأثير كتّاب كانوا مؤثرين جداً حينها: كافكا، مورافيا، ميشيما، سارتر، كامي، غسان كنفاني، روايات نجيب محفوظ القصيرة، زكريا تامر... لكن كان تأثير الكتّاب الغربيين أعمق من زاوية الرؤية الفلسفية التي ميّزت تلك القصص، أما العرب فكان تأثيرهم على الأسلوب. ولا أخفي عمق إعجابي بل افتتاني بأسلوب غسان كنفاني حينها، وموسيقى أسلوبه وطريقته في السرد بشاعرية معجزة. لكن بما أنني كنت قارئاً نهماً للمئات من الروايات والقصص، فإن التقليد لم يظهر، بل ظهرت بعض بصماتي الشخصية، وأحسست أنني أعبّر في النهاية عن ذاتي، في ذلك الزمن الجزائري الموحش، والذي كان الأدب فيه إلى وقت قريب يقوم بوظيفة إيديولوجية واجتماعية، وكان على البطل أن يكون دائماً إيجابياً. أما أنا فصوّرته بطلاً خانعاً، قلقاً، غريباً، متوتراً لا يملك زمام قدره، وهو لا يمثل الآخرين، بل يمثل فرديته المعذبة في جحيم وجودي قاتل، في "جحيم الآخرين"، كما قال سارتر يوماً.
صدرت المجموعة في طبعة رديئة، ولكن هذا كان آخر همي. وفي ذلك الوقت كان النشر هو أصعب شيء بالنسبة إلى الكتّاب الجزائريين، حيث كانت الأولوية لتجربة ديمقراطية ناشئة سرعان ما سيفوز بها تيار إسلامي قوي يدفع الجيش إلى إيقاف المسار الانتخابي 1992 (وهي سنة صدور عملي القصصي الأول هذا بعنوان "أمطار الليل")، وتدخل الجزائر إلى عشرية كاملة في دوامة عنف وحشي وإرهاب لا يرحم. وسنجد أنفسنا محاصرين بين الطاعون والكوليرا، أو هذا ما كنا نصف به السلطة والإرهاب، ونضعهم في خندق واحد.
عندما أستعيد تجربة كتابة تلك القصص وأتذكر كيف كنت أحاول أن أكتب شيئاً شخصياً قبل كل شيء، كانت في ذهني أسئلة عديدة: هل القصة هي الفضاء الذي أستطيع أن أعبّر من خلاله عن ذاتي ووجودي؟ أم هي محطة فقط؟ أم هي تجربة ولادة أولى فرضتها ضرورات المرحلة، وظروف النشر المستعصية، بينما كل شيء كان يقول لي إن القصة هي محاولات فقط للوصول إلى الرواية. لا أدري لماذا أعتبر أن بدايتي الأدبية كانت مع روايتي "المراسيم والجنائز" عام 1997 التي ستنشر في جمعية ثقافية أسسناها يومها كرد على اتحاد الكتاب الجزائريين الذي كان يبدو لنا رسمياً فوق اللزوم، أو جمعية "الجاحظية" للراحل الروائي الطاهر وطار الذي كان بدوره يمارس أبويته فوق اللزوم. كنا الخط الوسط، ولكن المتمرد على الجميع، وكنا نرفع شعار الاختلاف ضد كل أشكال الأحادية، وكنا نعطي لأنفسنا أدواراً كبيرة تفوق حجمنا الحقيقي، ولكنها كانت أحلام مثقفين شباب يريدون إزاحة الكوابيس، ورفع الستار عن معضلات الجزائر التي لا يُفكَّر فيها. نعم مع روايتي الأولى "المراسيم والجنائز" شعرت أنني انتقل إلى العالم الأرحب الذي أبحث عنه (هذا لا يعني أنني تخليت عن القصة القصيرة، سأعود لها بعد ثلاث روايات، ثم أهجرها لغاية اليوم)، والفضاء الذي يمكن أن أشخص فيه حالات الذات في تعددها وصدامها ومنظوراتها المختلفة. كنت أول من وظف تعدد الرواة في الرواية الجزائرية التي كان يغلب عليها الصوت الواحد في السرد، ولكنها كانت رواية تواجه الواقع الساخن وعنف اللحظة المأساوية ولهذا غلب عليها المناخ الكابوسي والأحلام التي تسقط، والفرديات التي تواجه كل شيء في حرب خاسرة مسبقاً.
لو سألت نفسي الآن: أي طموح كنت أرغب الوصول إليه؟ لما ترددت في القول: الرواية التي تجمع كل شيء في نص واحد، وتقول العالم بمسراته وعذاباته، لكن كان الطموح أكبر من التجربة والواقع، ولهذا شعرت بالعجز، ولكن في نفس الوقت سأفخر أنني أنجزت شيئاً في مرحلة عنيفة كان القتل يأخذ كل يوم جزائرياً واحداً على الأقل، فصارت الكتابة دون أن تدري فعل صمود وبقاء. لقد ولدت أدبياً من خلال قصص "أمطار الليل" 1992 ورواية "المراسيم والجنائز" 1997، وأنا مدين لهذين العملين أنهما أدخلاني في مغامرة الأدب المستمرة حتى الآن ... أما هل وصلت بعد كل هذا العمر في عرس وسجن الكتابة؟ فلا أظن أنني اقتنعت يوماً بفكرة الوصول.

* روائي جزائري