أنا البروفسور جيم Jim، في الحقيقة اسمي جاسم، والدي حمادي صالح الحسن من مدينة الحلّة، جنوبي بغداد، وأمّي صبريّة السلمان من مدينةٍ صغيرةٍ اسمها الحمزة. وقد ولدتُ في مدينة الديوانية حينَ عمل والدي شرطيّاً هناك. والداي العزيزان كلاهما أمّيان، توفي والدي قبل عامين، أمّا أمّي فما زالتْ على قيد الحياة، وهي تعيشُ مع إخوتي وأخواتي السبعة في مدينة الحلّة، الواقعة على مدينة بابل التاريخيّة.

قبل سفري ودراستي في جامعة أوكسفورد، عملت في مهنٍ متعدّدة: بائع سجائر بالمفرّق، صبي مقهى، بائع ماء، بائع صحف، بائع بسطة لمواد طبيّة أغلبها مقويات جنسيّة، بنشرجي، عامل في مخبز، وأعمال كثيرة أخرى.
حصلتُ في عام 1979 على بعثةٍ حكوميّة إلى بريطانيا، وقد درستُ أدب الرحلات في جامعة أوكسفورد، بعدما اشترطوا أن أدخل حزب البعث، وقد فعلت. كانت دراستي أهم من قصة الإيمان بأحزاب سياسية أو نظريات أو أيديولوجيات. هكذا عشت هناك طالباً أولاً على نفقة الحكومة العراقية، ثم أستاذاً جامعياً مستقلاً، بعدما حصلت على المواطنية البريطانية في عام 1990.
تزوجت بأديث بلاكويل، وهي أستاذة أيضاً في الأدب الإنكليزي من مقاطعة يورك شاير في الشمال. وغيّرت اسمي إلى جيم Jim، فأصبحت جيم هاسن ــ وهاسن Hason هو تصحيف للقبي الحسن، بعد رفع الألف واللام وفتح الحاء وتحويلها إلى هاء فتصبح هاسن. بعد ذلك، سميت ابني إدوارد، أو إدوارد هاسن، وابنتي إليزابيث، أو إليزابيث هاسن، وتحولت زوجتي من أديث بلاكويل، من عائلة بلاكويل العريقة، إلى عائلة هاسن ــ الحسن ــ واحدة من أكبر عائلات الجنوب في العراق.
لقد كتبت الكثير من المقالات والدراسات في مجلات راقية؛ منها: مجلة الدراسات الشرقية، الحوليات، مجلة الدراسات الآسيوية، مجلة آسيا وأفريقيا، مجلة العالم العربي والإسلامي في الغرب... وشاركت في العديد من المؤتمرات والندوات... كما استضافتني محطات تلفزيونية عديدة كخبير في شؤون العالم العربي والإسلامي، والشرق الأوسط على وجه التحديد... وهذا يناقض تماماً ما قاله عني البروفسور الإنكليزي أي. جونسون من أنني لست سوى كاتب عالمثالثي... مغرور ومغمور.
هل قرأت هذا؟ لقد كتب هذا الحمار عني في البوكس روفيو، خراء حقيقياً، خراء أكاديمياً، بمناسبة صدور كتابي «الاستعمار وأدب الرحلات». وهو كتاب مرموق ومعروف في الوسط الأكاديمي اليوم، ذلك أني ربطت بين الرحالة الغربيين والمشروع الاستعماري، ألم تسمع بهذا؟ الكل سمع به والكل أعجبه كلامي، ولكنه لم يرق هذا الحمار جونسون، هذا أمر لا شك فيه، كما أن العنصرية هنا معروفة، فما أن تكون من الشرق حتى يهجم عليك الجميع... حتى في الوسط الأكاديمي هناك تراتبية، وعليك أن تعرف نفسك من خلالها، لا تضع نفسك في غير محلك، الهندي يحتقرك متشبهاً بالبريطاني، والبولوني يتنازع السيادة مع البنغلاديشي، والباكستاني مع الهسباني، والكل مسحوق من البريطاني بطبيعة الأمر.
هذا الحمار جونسون يريد أن ينكر جهدي، لأني كتبت عن حياة الرحالة، عن أسماء الأماكن التي مروا بها في رحلاتهم، عن زمن رحلاتهم ومسارها. لقد كتبت عني صحيفة الديلي تلغراف بأني قمت بتحليل نصوص الرحالة بشكل رائع وقمت بتفكيك خطابها. وقالت إني أول من كشف الطرائق التي سلكها الأوروبيّون في رؤيتهم وتصويرهم للأجناس «الأخرى» في الشرق. إنهم يكرهونني لأنني اعتبرت كتاباتِ الرحالة الأوروبيين حول الشّرق الأوسط بأنها ليست «مصدراً تاريخياً بريئاً»، واتهمتهم بأنهم «إمبرياليون» و«عنصريّون». أنت تعرف أنا الآن واحد من أهم كتّاب العالم، وأول عربي تأثر بالنّظريّة الاستعمارية، هل سمعت بها؟ لقد ظهرت هذه النظرية هنا في أوروبا في التسعينيّات، غير أن هذا لم يرق العديدين ولا سيما ذاك الذي يقف هناك عند الطاولة، هل رأيته... ذلك الأبيض الواقف عند المائدة الطويلة إلى جانب البار، يمسك بيده كأس البيرة، هذا الذي يدّعي أنه أستاذ الفلسفة الشرقية في المعهد...
أما أقذر واحدة في هذا الحفل الأكاديمي فهي مسز كرين الضخمة التي تدلت نظارتها فوق صدرها، هل تعرف أنها تتبول في اليوم خمسين مرة. أنا حسبت هذا مرة، وهي تذهب وتعود من التواليت وفي يدها ورق الكلينكس.
أما ذاك الأحمق العنصري جونسون، فهو الذي يقف إلى جانب المرأة البيضاء القصيرة القامة... ذلك الخمسيني الذي امتلأ وجهه بالغضون وهو يفتح زجاجة الواين، لقد جاءنا قبل عامين معاراً من معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية ثم بقي هنا، أما تخصصه كما يقول فهو في التاريخين التركي والفارسي، بينما مؤخرتي تعرف بالتاريخ أكثر منه...
ليس هنا في هذا البار من هو أحسن مني، لقد حصلت على أعلى الدرجات العلمية، وعملت عشرين عاماً من دون توقف، هل لحظت تقوّساً خفيفاً أعلى ظهري، لقد عزاه الطبيب إلى طول عكوفي على المخطوطات القديمة، هل تصدق؟
أما تلك الأميركية السوداء، ليست الطويلة، فهذه تحبنا، أقصد تحب العرب... لا، لا، تلك البدينة، القصيرة القامة، التي ترتدي بزة بلون الصابون، اسمها صوفي سكوت؟
هل رأيتها... نعم تلك! على الرغم من أنها تقول عن نفسها يسارية وأنها تصفف شعرها المجعد المنفوش على طريقة أنجيلا ديفيز، إلا أنها ما زالت تربط بين العرب والإرهاب، والكل يعرف أن الذي يطأها هو يهودي أميركي خمسيني، له وجه صبي، تعلوه نصف نظارة فوق عينين قبيحتين.
أما ذلك الذي يحضر أطباقاً ورقية، وأدوات طعام، ويتجه إلى المائدة، ذلك الذي يسد الطريق كأنه مسز كرين، ويقف خلفها فهو أكثر المحتالين الذي رأيتهم في حياتي دهاء، جاء إلى هذا المعهد قبل عامين، وسرعان ما كشف عن نفسه، إنه مخاتل عجوز، يحاول كسب ودّ الخليجيين عن طريق تصنعه في التودد لهم، وهم يقدمون له المال بسخاء، ظناً منهم أنه يروّج لهم، بينما هو يسخر منهم... أغبياء... أما تلك المرأة البدينة التي تسد الطريق، فهي زوجته تعمل في مكتبة المعهد، وتدّعي أنها تفهم بكل شيء، مثله تماماً، أما ذلك الذي يحاول فتح زجاجة النبيذ فهو... لا أتذكر من هو؟ لا ليس النادل، ربما الذي يفتح الزجاجة هو النادل... لا تؤاخذني، فالشراب بدأ يؤثر على عيني... أقصد ذاك الذي يجلس قبالته... نعم هو الذي أقصده، رجل خمسيني مكتئب الوجه يرتدي قميصاً حريرياً بخطوط طولية زرقاء. كان قد عرفني بنفسه على أنه أميركي، فسألته باهتمام: من أين من أميركا، قال إنه من كاليفورنيا، ولكني بعد مدة عرفت أنه إيراني، وقد غيّر اسمه إلى دنيس... ومع أنه أكاديمي في الواقع ولا علاقة له بالسياسة، ومع ذلك غيّر اسمه، وحين أعلمته بأني عرفت عن أصله، تطرق إلى الحديث عن الصعوبة البالغة التي واجهها في تحقيقه للمخطوطات.
أما رئيس الجامعة، فهو هذا الذي يقف قبالة الرجل القصير القامة، ذلك النحيف الذي يرتدي بنطلوناً بحمالات ملونة، ويضع اليمكا اليهودية فوق رأسه. يقول عن نفسه إنه أستاذ متخصص في الدراسات الشرقية، مؤخرتي تعرف عن الشرق أكثر منه، بصراحة لا أحد يفهم في هذا المعهد سواي… صدقني، الكل هنا حمير...
أما أستاذ الجغرافيا السياسية فيقول إنه ضد النظام الرأسمالي، ولا يشارك في الانتخابات، ولكنك تراه جالساً في الصف الأول، عندما يدعو المعهد أي سياسي يميني حتى لو من الدرجة الثانية، وحين يبدأ طرح الأسئلة، فهو يتملقه أولاً ثم يطرح أسئلة غامضة، الشيطان لا يعرف هوية من طرحها إن كان يمينياً أو يسارياً، لأنه يريد أن يكون أمام الطلاب يسارياً، وعند السياسيين يمينياً... الموضة والمصلحة في كفٍّ واحد... هكذا درج الأكاديميون على فعل ذلك، أما تلك التي تراها تقف أمامه فهي زوجته، جاءت من شرق أوروبا وهي قبيحة لا أعرف ماذا وجد بها ليتزوجها...
أما تلك التي تؤشر بيديها وهي تتحدث، فهي سحاقية... الكل يعرف ذلك، الكل يعرف أنها سحاقية، فأخذت تكتب عن النسوية.
قلت لها مرة: لو لم تكوني سحاقية هل ستكونين نسوية؟
فغضبت مني، وبدلاً من أن تجيبني بصراحة، أخذت تتحدث لي عن الأورغازم، وهي تأكل طبقاً من سلاطة البطاطس بالمايونيز، وقد هدأتها عندما طلبت منها أن أملأ لها طبقاً آخر.
*
بعد دقائق، انتبه البروفسور جيم لي، حدّق بي طويلاً وقال:
- ولكن من أنت حتى أتكلم معك كل هذا الكلام...
-....
أنت أحمق ومنافق أيضاً... من أين أنت؟ ما قصتك... من أرسلك لتتجسس عليّ... كي تستدرجني بالكلام، أنا أعرفك وأعرف أمثالك...
وقبل أن أضع الكأس على الطاولة، وأنهض من مكاني، وألتفت إلى الوراء، كان البروفسور جيم قد سدد نحوي لكمة. وفي تلك اللحظة سقط البروفسور جيم أمام الطاولة متعتعاً من السكر... كان جميع البروفسورات المدعوّين ينظرون إلى ما يحدث بدهشة.

*بعض ما قاله البروفسور جيم هاسون في حفل الافتتاح

أيها السادة: لي الشرف أن أقول لكم إن هذا المعهد، المعهد العالي للدراسات الآسيوية والشرقية، يضم خيرة علماء العالمين الشرقي والغربي، فهنا لدينا العالم أي. جيمسون وهو أحد أبرز المستشرقين والعاملين في حقل الدراسات العربية الإسلامية، وهنا المسز كرين التي كتبت أهمّ الأطروحاتِ في الدراساتِ ما بعد الاستعمارية. أما مدير المعهد فكلكم تعرفونه، إنه الأستاذ دنيس الذي يعد عمله الأكاديمي مثيراً للجدلِ، وقد أصبح له تأثيرٌ مُتنامٍ على الحقول المعرفية المتصلة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، كالنظرية الاستعمارية، ودِراسات ما بعد الاستعمارية، والنقد النسائي، والأنثربولوجيا، والتاريخِ، ... وغيرها.
وللمعهد الشرف أن يضمّ خيرة العلماء، والكتّاب، والمستشرقين، وقد أسهم إسهامات بارعة في التقارب بين الشرق والغرب، بين الإسلام وأوروبا...
أحببت أن أقول لكم إننا نعمل هنا كعائلة واحدة، وهذا مثال حي وحقيقي عن هذا التلاقي العلمي الكبير، والأساس الأخلاقي الذي يجب أن يسود في العالم.


* كاتب عراقي