نسيج الأسماء



منذ كتابي الأول «نسيج الأسماء» (1989)، لم أطلق على أي من كتبي القصصية اسم قصة بعينها، وكان السبب قي البداية عدم تفضيل تمييز إحدى القصص باختيار عنوانها للكتاب كله، وخاصة أن الشائع في التلقي اعتبار هذه القصة المختارة أفضل قصص الكتاب، أو يجب الانتباه إليها أكثر من غيرها. اخترت عنواناً يصلح لأن يكون دالاً على تجربة الكتاب. وتدريجاً، تبلورت لديّ فكرة كتاب قصصي «السرائرــ شخص غير مقصود ــ في مستوى النظر»، وليست مجرد مجموعة قصصية تضم ما يتوفر لديّ من قصص. كتاب يتشكل عالمه من علاقات القصص بعضها ببعض ومن دلالة ترتيبها المقدم في الكتاب، ويصير العنوان أقرب الى خريطة تتضح معالمها من قصة الى أخرى. وإن ظلت كل قصة تحتفظ بإمكانية قراءتها منفردة، ولا تتكئ على فكرة الكتاب لتبرر عدم اكتمالها. لذلك ما زالت هناك قصص نشرت في دوريات ولم تجد لها مكاناً في كتبي القصصية، ولو أدرجت فيها، كانت ستبدو مثل ضيوف دخلوا بيتاً خطأ ورغم ذلك يتظاهرون بأنه البيت المقصود.

ساعدني الاستمرار في كتابة اليوميات سنوات طويلة على الانتباه إلى أنه داخل ما هو عادي تكمن غرابة ما

نشرت «دار الغد» مجموعتي الأولى «نسيج الأسماء». وكان يديرها الشاعر والمناضل اليساري كمال عبد الحليم صاحب قصيدة «دع سمائي فسمائي محرقة/ دع قنالي فمياهي مغرقة» التي صارت أغنية مشهورة أثناء العدوان الثلاثي. وقد نشرت الدار الأعمال الأولى لكثير من المبدعين، ولا أتذكر أنه كان مشغولاً بتعريفنا أو تذكيرنا بتاريخ نضاله أو دوره في الحزب الشيوعي المصري، بل كان مهتماً بالتعرف إلينا وإلى أعمالنا الإبداعية المختلفة تماماً عن قصائده. بدا مثل مناضل قرر أن يستريح ويعيش لحظته الحاضرة من دون أن يثقلها باجترار ما مضى.
كتب المبدع الكبير إدوار الخراط عن قصص «نسيج الأسماء» قبل صدور الكتاب. ونشر دراسته عنها وعن "مدائن البدء" لناصر الحلواني في مجلة فصول، تحت عنوان "آليات القصة القصيدة". وأعاد نشرها مع دراسته عن كتابي الثاني «السرائر» في كتاب «عبر النوعية» الذي احتفظ فيه بهوامش توضح تواريخ وأماكن نشر قصص كتابي الأول. فقد كان إدوار ــ حسب عادته الفريدة التي اتّبعها مع كثير من الكتّاب ــ يجمع في ملف خاص قصصي التي يطالعها في المجلات، ويسجل فيها أو في ورقة صغيرة الأفكار التي تخطر له أثناء القراءة تمهيداً للكتابة عنها. نشرت مقتطفات من الدراسة في غلاف الكتاب الأخير، ومنها «اللغة ــ هنا ــ شأنها شأن العملية السردية كلها، تحكي عن الجوهري، وتلتقط الدقائق الضرورية وحدها. تسدد بقعة ضوئية أساسية مركزة كثيفة غامرة تتحرك معك وتترك كل شيء آخر في الخفاء. توحي به ولا تبوح كل البوح». ورغم سعادتي بالدراسة، إلا أني لم أسعد كثيراً بمصطلح القصة القصيدة، ورأيت أنه يشوش على قراءة القصص، ويركز على ملمح فيها حاجباً بقية الملامح، ويجعل القارئ مقدماً يبحث عن حاصل الجمع بين الاثنين: قصة وقصيدة، ولا يتلقاها كأعمال تندرج في القصة القصيرة ويستكشف بنفسه اختلافها عن طرائق أخرى في كتابتها. وذكر إدوار عدم سعادتي وارتياحي للمصلح في كتابة «أصوات الحداثة». لكن يجب الإشارة الى أن النصوص ذاتها هي التي كانت تلهم إدوار المصطلحات التي اقترحها رغبة في مناقشتها لا التسليم بها، ولم يكن يصرّ عليها أو يفرضها على نصوص تالية للكاتب إذا وجدها ارتحلت إلى مناطق أخرى مغايرة في الكتابة. وهذا ما يتضح في دراستيه عن روايتَي: «تصريح بالغياب» (1996) و«أن ترى الآن» (2002).
ثلاث عشرة قصة كتبتها بين عامي 87 و89، الشخصيات فيها مشغولة بسر قد تبوح به إلى آخر أو يظل كامناً داخلها. في قصة «ويوغلن في الحفر» الشخصية تكشف حكايتها مع تلك القطعة الحجرية التي تخبئها منذ سنوات، والمنقوش فيها فتاة فرعونية يظهر ثوبها الشفاف جسدها وتبدو كأنها ترقص، وفي «شطآن» يتبين سر المركب المطوي شراعه والموشوم فوق الصدر. وفي «ملء المدى»، يستغرق الراوي في تخيلاته وأفكاره عن الزجاجات التي تلقى في البحر حاملة رسائل. وفي «وبينهم يكون الجد»، يشرح الجد للحفيد سبب عدم كتابته الشعر هو وأصدقاؤه، واكتفائهم بحفظ آلاف الأبيات الشعرية التي كانوا يتبارون بها في ما بينهم. استلهمت شخصية الجد من أبي الذي ظل حتى وفاته في عمر الثمانين قادراً على تذكر قصائد حفظها في شبابه. وحينما لا تسعفه ذاكرته بأبيات، يظل يحاول تذكرها خلال مشاغله طول اليوم، وغالباً ما كان ينجح، ويرددها فجأة بصوت عال رغبة في أن يشاركه الجميع الفرحة بتذكرها. تفاصيل كثيرة استلهمتها من حياة أبي في هذا الكتاب وكتاب «السرائر» الذي نشرت فيه جزءأً من رسالة كتبها في شبابه يشرح كيف استطاع شخص التسبب في قطيعة بينه وبين أسرة فتاة كاد أن يتزوجها. عثرت على نسخة بالكربون من الرسالة في أحد أجزاء «لسان العرب»، وابتسم أبي حينما قرأ القصة، لكنه لم يستغرق كعادته في حكي ذكريات عن هذه الفترة أو في التعليق على القصة، بل استغرق في قراءة الرسالة الذي ظل يبحث عنها طويلاً.
في قصة «ما يسطرون»، يزور الراوي خطّاطاً كان صديقاً لأبيه، ومن خلال الحوار يتبيّن أنه منذ إصابة يديه بارتعاش، توقف عن إكمال كتابة السور القرآنية. كل سورة في ورقة كبيرة حروفها منمنمة تصعب قراءتها بالعين المجردة ولا يتضح فيها غير اسم السورة. ويتمنى لو استطاع استعادة كل تلك السور التي كتبها وصارت معلقة على حوائط بيوت كثيرة؛ ومن بينها سورة «تبارك» الموجودة في بيت الراوي. وفي نهاية الحوار، يعطيه عدسة مكبرة ويطلب منه قراءة سورة «نوح» المعلقة على الحائط. ويكشف له أن حياته مكتوبة في تلك الأوراق. كل سورة جزء منها «في سورة تبارك حكيت عنها كثيراً. ضمتني في حنان بعدما تركت بيت أبي، وفي سورة «ص» كتبت لحظة موتها... لم أشعر بالذنب أبداً. كنت أعرف أن هذا المصحف هو الذي يعطيني القدرة على الكتابة. وفي البدء وفي الختام لا أحد يعلم. الكل يوقن أنها الحقيقة». ظلت سورة «تبارك» معلقة سنوات طويلة على الحائط في بيتنا، وكثيراً ما اقتربت منها وأنا صغير لأحدق في تلك الكلمات المكتوبة بشكل جميل رغم صغرها الشديد. وأحياناً كنت وأصدقائي نتسابق من منا يستطيع قراءتها من أبعد مسافة ممكنة. ظللت أحسّ بأن في تلك السورة المعلقة قصة تُحكى. وفي يوم رأيت أخي يسرع ليلتقطها قبل أن تقع ويتهشم بروازها، فبدت لي شخصية الخطاط وحياته التي يخفيها في تلك السور القرآنية الموزعة بين البيوت.
حينما أقرأ «نسيج الأسماء» الآن، أجد أنني خطوت خطوات بعيدة عن طريقة كتابتها. تلك الطريقة التي تحرص فيها لغة السرد على أن تلفت الانتباه إلى نفسها، وإلى حشد كل إمكانياتها من أجل إظهار السر الذي تُضمره الشخصية، والتأكيد على تعدد دلالاته من خلال الاستعانة بالمجازات، وذكر مقتطفات من أعمال أخرى مثل «المواقف والمخاطبات» للنفري و«كليلة ودمنة» للتأكيد أكثر على تعددية السر وعمقه. طريقة كانت تحتفل بعثورها على تلك الأسرار وتعلن فرحتها بكل الطرق. الآن أرى إذا كانت لدى الشخصية سر، فيمكن أن يظهر في حوار كلماته مألوفة في الحياة اليومية. ويصير السر متاحاً في ما حولنا من تفاصيل صغيرة، لكننا نغفل عنها أو لا نصدق أنها تتضمن شيئاً آخر غير ما اعتدنا رؤيته. وساعدني الاستمرار في كتابة اليوميات سنوات طويلة على الانتباه إلى أنه داخل ما هو عادي تكمن غرابة ما، ولا أقصد شيئاً عجائبياً أو مفارقاً لقوانين الواقع، وإنما الذي نعيشه يومياً ولا نستطيع تصنيفه ووضعه في خانة من الخانات المتعارف عليها.