تقديم وترجمة: الخضر شودار


بدأتْ الكتابة عند آندري دو بوشيه (1924 - 2001) من "شق" أو "فجوة" كما يقول عنه ميشال كولو، كحالة ساحقة يطلق عليها اسم "العالم". ففي أثناء نزهة قام بها أيام مراهقته على دراجته عام 1940 صادف أفواجاً من الهاربين من العدوان الألماني منذ بدايات الحرب. فانتابه شعور بـ «الانهيار». كانت "تجربة عنيفة" بالنسبة إليه. «شرعتُ منذ ذلك الوقت في الكتابة لأول مرة بحافز أن أستعيد شيئاً، أن أكاشفه (كنت في الخامسة عشر)، علاقة، ما إن ظهرت حتى اختفت». ومن ثم ظل العالم بالنسبة إليه هشاً، غير قابل للاستقرار. فالعالم الذي كان يحاول أن يستعيده ضاع إلى الأبد. ما جعل أسرته تهاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية في 1941 حيث سيدرس في بعض جامعاتها ويتخرج من هارفارد ليصبح أستاذاً للإنكليزية إلى أن يعود إلى فرنسا عام 1948.
هكذا ستظهر هذه "الشقوق والتصدعات" التي أصابت العالم في كتاباته الشعرية. التي ترفض التمييز على أساس الجنس الأدبي وتتضمن ما يسميه هو بـ "النصوص" و"القصائد" حيث يظل العبور في ما بينها قائماً باستمرار بعيداً عن أي رغبة في التماثل والانسجام. إذ لا يحدُّ النثري شيء .. فهو يمضي حتى أقاصيه إلى الشعري. وهو لا يكتفي برفض الفصل بين "الأنواع الأدبية" في كتابته وحسب، بل يرفض أيضاً التمييز الكرونولوجي لها، إذْ استهل كتابه "الذي لا يلتفت إلينا" بنص كُتب عام 1965 وأنهاه بنص كتبه عام 1951. و كلاهما يؤطر نصوصاً أخرى لاحقة.
كان كلما خرج إلى مدينة يأخذ معه دفتراً صغيراً يقيد فيه ما يراه او يخطر له. ليجمع فيما بعد بين كتابة صارمة ومسارات المكان محققاً بذلك نوعاً من التواشج الحي بالعالم. ومن هذه الدفاتر خرجت معظم نصوصه الشعرية بعد أن يخضع المادة الخام لعمل بطيء ومعقد. أن يركب من شذرات متباعدة نصاً متماسكاً ومكتملاً. ولا يمنع الاشتغال على تحقيق نوع من التواؤم الاستاطيقي للنص الحفاظ على دفقته الحارة الأولى. فبعد البناء التركيبي الأول يعود الشاعر في الغالب الى تفكيك النص من جديد تاركاً بياضات كعلامة على مواقع الكتابة الباكرة في حدوثها الأول. هذا التباعد بين الكلمات او بقع البياض على الصفحة يمثل بالنسبة إلى دو بوشيه الشوق إلى استعادة العلاقة الضائعة مع العالم. هذه البياضات ليست فراغات ولكنها مكان لواقع نابض متحرك يفتح القصيدة على الخارج كمشهد مفتوح على الدوام.
لعل في رد دو بوشيه على سؤال ألين فانستين (في حوار له عام 2000 بباريس): "غالباً ما تعطي قصائدك انطباعاً، وبلا قصد، بأن مشّاءً أو أحداً على الطريق هو من كتبها". ما يوضح معنى جمالية الكتابة في نصوصه: "أجل، تلك هي علاقة كلمة بأخرى. الجمل نفسها ليست ثابتة، والكلمات في حراك أو تحول. كانت هناك وبلا شك علاقة بين هذه الحركة الجسدية وما قد يحدث لكلمة أو أخرى حين أكتبها. حتى اليوم وإن كنت قليل المشي أو أقل بكثير مما كنت عليه، فأنا إذا كتبتُ جملة فإن الكلمات نفسها تتحرك، وتمشي، وتغادر مكانها الأول..". ومن ثم يصبح الكلام عليها متعذراً كما يقول هنري مالديني: من يقدم على الكلام على هذا العمل سينتهي حتماً إلى المستحيل. إذ سنقع في الخيانة في أول مزلق فلا يمكننا الكلام عليه إلا بلغته هو. ليست هذه اللغة صعبة أو مغلقة ولكنها مكثفة لا تطاوع أي مرجعية أو مقارنة للطريقة التي تنحل بها كلمات دو بوشيه وتفرض بها نفسها. إذ تجعل من المتعذر الوصول بسهولة إلى المعنى وهذا لا يعني أنها مغلقة على نفسها أو على كنه ما، وإنما هي نفسها كتابة تلاحق المعنى وتترك العمق مفتوحاً دائماً كطريقة جديدة في منح العالم معنى آخر.
هذه الكتابة تتجاور وتتنافذ مع أعمال أخرى لشعراء ورسامين كانوا أصدقاء لدو بوشيه كما في أعمال ألبيرتو جياكوميتي، وآنتوني تابييس، وبيار تال كوات. فقد ساهم دو بوشيه من جهته بتجريديته الشعرية في استخلاص عناصر من مشاهد الطبيعة لم تكن كما هي للتأمل كمشهد وإنما كبيئة مكانية للحركة حيث يغرق فيها الجسد بكليته. وإذا كان قد كتب عن جياكوميتي "الذي لا يلتفت إلينا"، فقد كتب أيضاً عن شعراء أحبهم وصادقهم كنصه "شساعة ريفيردي" الذي كان يستقصي أعماله في رسائله لأمه في عامه الأخير (1947) في أميركا. وبالمثل ترجم دو بوشيه شعر بول سيلان الذي كان يشعره بالالتصاق الذاتي بالنفس: "أقترب من نفسي، أنا اللغة". دون أن ننسى مساهمته مع آخرين (دوبان، جاكوتيه، سيلان، بونفوا) في تأسيس مجلة " إيفيمير" بين عامي 1967 و1973.
ومرة أخرى يجيب آندري دو بوشيه على سؤال ألين فانستين: لماذا تقول بأنك لم تعد تكتب قصائد اليوم؟ "لأنني لم أعد أكتب أبداً أو بالأحرى أكتب أقل. (...) لم أسعَ أبداً وراء كتابة قصيدة. كان في جيبي دائماً دفتر أسجل عليه الأشياء التي تراودني دون البحث عنها. لم تعد تلك الأشياء في معظمها تأتي إلي الآن في صورة كلمات. إن لم يأت الشعر، لا أبحث عنه. لذلك وبهذا المعنى، أنا أكتب أقل. وقد ننجح في العيش دون كتابة. أن أكتب لم يكن أبداً بالنسبة إلي سبباً في الوجود».
الرسائل التي ننشرها هنا لمناسبة ذكراه الـ 15 جاءت ضمن كتاب عنه بعنوان «آندري دو بوشيه، فضاء الشعر، فضاء الرسم». في معرض خاص للوحات ورسومات فنانين ارتبط بهم عمل دو بوشيه الشعري بالإضافة إلى نصوص لم تنشر من قبل:

يجمع بين كتابة صارمة
ومسارات المكان محققاً نوعاً من التواشج الحي بالعالم

■ إيف بونفوا
(فالسينت، 23 سبتمبر)
عزيزي أندري
إذا كنتُ لم أكتب إليك منذ شهر يوليو، فليس لأنك لم تخطر ببالي. على العكس تماماً، فمن بين غايات هذا البيت الذي صار له شكل أوسع هذا الموسم، أمنيتي في أن أستقطبك إليه. وهو من الوساعة بما يجعله يكفي للمساكنة الطويلة. ثم إن ما حواليه من أمكنة جذاب حقاً. وبالرغم من أنه بهذا الإتقان فإن كل تحفّز أحياناً يخبو بشكل ذريع. لكننا مع ذلك نتعلم كيف نتغلب على الرغبة في الإتقان أيضاً.
تقتادني هذه الملاحظة إلى مساهمتي الممكنة في العدد الجديد من «ايفيمير». لقد أرسل إلي جاك قبل عشرة أيام الفهرس المحتمل. واستنتجتُ أنه حتى في حال عدم مساهمة بيار ليريس بترجماته عن بلايك، فإن مقالي عن باشو، الخ، سيكون طويلاً، لذلك أفضّل أن أرسل إليك في الأيام القليلة القادمة ، بعض القصائد، أو بالأحرى أجزاء (من قصيدة طويلة) كنت قد تقدّمت كثيراً في كتابتها هذا الصّيف.
سنعود مع ذلك إلى باريس وسنكون هناك في الثامن من أكتوبر. لكني قبل ذلك سأوافيك بالبريد. إن كان لازماً أن نضع عبارة على ظهر الغلاف، فما رأيك في هذا الإقتباس الشهير ربما (لا أدري) لدون (جون): «بقدر ما البحر عميق في السكون بقدر ما هو أعمق في الأعاصير». وجدته أو أني في الواقع عثرت عليه ثانية عند بليث. وقد قرأت هذا الصيف أيضاً الطبعة الإنكليزية لـ «الطريق الضيق الى الشمال القصي». هذا العنوان يكشف كفاية عن الاختلافات مع سيفرت، إنها اختلافات كثيرة دون أن أعرف مَن منهما المُحِق غالباً. بشكل عام، اختصر سيفرت كثيراً (سوى أن هذه الملاحظة لا معنى لها في منظور الأخلاقيات). سآتيك بالكتاب الذي يتضمن أربع حكايات عن رحلة باشو.
الطقس جميل، بعد أسابيع من الريح والأمطار الباردة، كما أني لم أعد أعمل بالمطلق، منجذباً أكثر إلى الخارج... حيث نجمع الفطر من روابي الجرف. ونبني جداراً كبيراً يتحمل الرطوبة.
أراك قريبا، أندري،
صديقك إيف
ساهم بتجريديته الشعرية في استخلاص عناصر من مشاهد الطبيعة التي يغرق فيها الجسد

■ جاك دوبان
(20 ديسمبر 1970)
عزيزي أندري
سأسافر غداً إلى سانت بول ومن ثم سأذهب مباشرة إلى أرديش حتى الرابع من يناير. لقد تلقى لوي-رونيه نصاً بالغ الروعة من بلانشو. والذي لم أستطع أن أستنسخ منه سوى نسخة واحدة تركتها بعد قراءتها لميشال ليريس. تستطيع أن تطلبها بعد عودتك قريباً كما أظن من لوي -رونيه. كلانا يعتقد أنه من الضروري أن ننشره في العدد القادم: كان ينقصنا نص لكاتب معاصر. وقد سلّمته للتحرير ربحاً للوقت. وهو يتلاءم تماماً مع المحتويات. لم يفهم بنادور أنك كنت تريد أشرطة الصور. سيرسلها إليك. يمكنك إذا عدتَ قبلي الى باريس من التأكد مع بريجيت بأن كل شيء على ما يرام. وبخاصة رسومات ت س. كل النصوص قد حرّرت وكذلك التصحيحات المرفقة الى الكتّاب.
سأكلّم مايغ بهدوء في بيته بسانت بول عن الأعداد الثلاثة لعام 71 (لكن الأشياء دائما سيئة). ومن ثم سيكون لدينا في العدد 17 كوليريدج، و7 الى 8 صفحات لآرتو عن كوليريدج (هي في حوزة لوي رونيه)، ثم نص لميشو، ونص لإيف عن موندريان وكتابات نثرية، وكذلك رسومات مودريان، وأتمنى إنهاء نص أو سلسلة قصائد. فماذا عنك؟
أرسل إليك نصاً عن إسبانيا كنت قد حررته رفقة ميشال ليريس ومناضل في النجدة الحمراء. أعرف أنه لا يبدو مقنعاً، كما أني لا أثق أبداً في قائمة الموقعين. إنه سهل ومضحك. لكني سأعود من إسبانيا وأعرف بأن أصدقاءنا ينتظرون منا إشارة، وأن لذلك معنى بالنسبة إليهم.
لك مني مشاعر الصداقة والمودة، أندري ، لعام 1971 ولأعوام ستأتي…

■ بول سيلان
(الأحد، 5 يناير 1969)
إنها لحظات عالية عزيزي أندري، تلك التي أمضيتها والتي سأمضيها أيضا بفضل «... الذي لا يلتفت إلينا» - [...] هكذا أشعر بأنني حيّ ومدينٌ للشعر مجددأً.
كلمة أخرى، عزيزي أندري، كي أقول لك وأكرر أنه نادراً ما وجدتني في حياتي في مواجهة مع قصيدة أكثر كثافة كـ «رجل العربة». فهناك في عمق ذاكرتي قريباً من الوقائع الكبرى التي (بفضله أيضاً) تلتمّ وتتجمّع، أخذ يعمل ولا زال في تأبيد الزّخم الشعري.
بول

■ لوي رونيه دي فوريه
(الأربعاء 23 - 7- 1969)
عزيزي أندري
لقد سعدنا كثيراً بوجودك بيننا لبضعة أيام، وآسف من جهتي وبكل المعاني أني لم أكن مُرضياً دائماً بصورة كافية: هناك أولاً هذا الفشل الجسماني الذريع الذي لا أعرف كيف أفسّره، لكن الأخطر هو الشعور المؤلم بما يشبه الحماقة التي تجتاحني عاماً بعد عام، بكل ما يصاحبه من فوضى وكسل وخواء في الفكر، لم يبق لي سوى ما يكفي من الكبرياء لإخفائه، مضطراً كي أستعيد نفسي بعيداً عن السّوء، كارهاً بشكل مرضي تقريباً كل ما يقاوم في داخلي وفي عمق تفكيري للخلاص بالعمل، فقد لا يكون لهذا أهمية كبرى لو لم أشك أنه بعد فترة طويلة قد يؤثر ولو قليلاً على علاقات الصداقة التي أتمسك بها أكثر من كل شيء آخر، والتي بفضلها أشعر بأني انتهيت الى حياة كانت أو ينبغي أن تكون حياتي.
اسمح لي مع ذلك أن أعترف لك بطريقة ملتوية في هذه الرسالة بأنني حقاً مريض - مريض مرتين بالرغبة وبالخوف من الضياع. وعلي أن أخبرك بأنني لا أظنني في هذه الحال قادراً على الترجمة الملائمة لهذا النص الذي أرسلت إلي نسخةً منه. ولا يعني بطبيعة الحال أني لا أبالي ولكني لا أشعر بأنه من الممكن أو من الواجب أن أترجمه: وهذا ينسحب على نصوص أخرى كذلك، لا أملك تفسيراً واضحاً لذلك لكن هذا العجز حقيقي وأرجو ألا تعاتبني على تراجعي.
كل ما في هذا العدد العاشر يبدو لي رائعاً، وخاصة نص كولين الذي قرأته مرة واحدة على عجل. ثم نص بلانشو بكل بهائه.
أمضينا ليلة أمس.. وكانت ليلة مرعدة تحت السقف نشاهد الخطوات الأولى على القمر والتي كان لصورها المنقولة جمال غريب وقديم في الوقت نفسه.
لك منا معاني الصداقة
لوي-رونيه

■ بوريس باسترناك
(14 جويلية 1958)

العزيز جداً دو بوشيه،
حين يضيء شعاع من الشمس نهاراً عبر الحديقة الظليلة أو من عتمات الغابة، أتذكرك في كل مرة يحرقني فيها ويفتنني. أتذكر بأنني كنت طوال الأسبوع أريد أن أكتب إليك ولم أفعل. بسبب منك «في الحرارة... أندهش بسبب الهواء الذي يعمي...»، وبسبب سطور «قبل أن يصبح بياض الشمس قريباً أكثر من يدك... من النهار الذي يلمع ليكاشفني هنا... قبل أن تجف السماء...»، بسبب كل ما قيل عن الجدار وفي صفحات «على شفير المنجل ...»، وأيضاً بسبب آخر من تلك الأسباب التي تقرّبنا بشدّة. بالنسبة إليّ «الصيف في المدينة» ليس وحسب مصدراً للشعر، أو لحسٍّ صوفي بالمدينة، وإنما هو «......» تصور لموضوع في ذاته، شيء شديد الخصوصية بالنسبة إلى القرن التاسع عشر، وجزئياً بالنسبة لعصرنا. كما كانت مثلاً المنافسات، والحروب الصليبية، والبلدات الصغيرة في العصور الوسطى. أقول «صيف في المدينة» وإذا بي أستحضر للتو كل فن التصوير الانطباعي الفرنسي، بلزاك، فلوبير، الإخوة غونكور، وبول فرلين بخاصة. السكك الحديدية، سواد الفحم، وظلال الأشجار الداكنة تسقط خارجا من الشوارع داخل البيوت، درف النوافذ المتفحمة، أسلاك التليغراف، آلات البيانو، والخطوط السوداء المتوازية على ورق الكتابة الخماسية للموسيقى. ثم وجود شوبان، لنَقُلْ، بين سكان كثيرين لهذه المدينة، الذي يعرف هو نفسه كيف يصبح الوثيقة الحيّة لكل هذا، ليعبّر عن معنىً حي، ناطق وباكٍ أفضل وأكثر وضوحاً مما يستطيع فن التصوير. ثم السعادة العظمى والعجيبة: وجود كائن يسمى امرأة، والذي إليه، إن لم يكن الله، يعود الفضل من أجل هذه المدينة، من أجل هذه الحجارة والليالي والأشجار، لأجل هذه الأشياء الحسية الرائعة. يفترض أن دراستي للسيرة الذاتية، التي ستكون بمثابة مقدمة لمجموعة شعرية، قد ظهرت في صورة منشور صغير، تحت عنوان مفتعل، طويل وركيك، لم يكن من اختراعي ويتضمن ذكريات عن صداقتي وقطيعتي مع ماياكوفسكي، والذي هاجمته إيلزا تريوليه في مجلة «لاتر فرانسيز» (الآداب الفرنسية). فأي حقيقة إذن هناك؟ اسأل أصدقاءنا المشتركين إن كانوا على علم بشيء منه. أحبك وأهب نفسي كلياً بإخلاص لك ولزوجتك.

■ فيليب جاكوتيه
(غرينيان، 27 يناير)
عزيزي أندري
لقد أثّرت فيّ رسالتك كثيراً، فشكراً لك، إذ كثيراً ما أتذكرك متسائلاً كيف هي أيامك الآن. لاتموبيت La Tempête جاءتني على الأقل بإشراقة من عملك، قرأته دفعة واحدة بكثير من الإعجاب بما حققته، وآسف مرة ثانية لعدم إلحاحي على دعوتك بشدة الى هولدرلين.
إنني أستطيع الآن أن أكتب: وإذا أصبح لدي شيء لمركور (التي تحسنت بوضوح)، فسأوافيك به.
ثق بكل صداقتي
فيليب جاكوتيه

■ بيار ريفيردي
(14 - 3 - 1950)
(......) كل ما أخبرتني به عن حالتك الداخلية ابتداء من «إنني أحس وكأني أتخبّط بين اليقظة و النعاس» - هو تقريباً وعلى نحوٍ ما وصفٌ لحال كنتُ أنا عليها في مثل عمرك، ولوقت طويل في ما بعد. دعني أقول، بأنها حال تبعث على السرور، لأنه بفضل الشعور بالملل، أو ما أسميه بالقلق الذي يأتي من هذا الإحساس بالنعاس، والالتباس والتشوش، والذي ينبغي الخروج منه ونحن بصدد الكتابة. كي نكشف بوضوح ونحدد بدقة ونضع أمامنا أو بجانبنا شيئاً واضحاً، ونهائياً، لا يقبل التعويض على العموم - فعل يمكننا السيطرة عليه في ما بعد. إن عملاً مكتملاً ليس في الحقيقة شيئا آخر سوى مجموعة أفعال جيدة أو سيئة. لذلك فإن الحضور والسيطرة ليسا دائماً مُرْضِيَيْن. ولأننا نحكم على أنفسنا ببرود وقسوة، فيكون ذلك مؤلماً أحياناً. وأكثر من ذلك أن الواقع حيث جرت هذه الأفعال، والمادة التي تغذّت منها لم يعد لهما وجود. إننا ننظر وراءنا إلى هذه الأعمال الشعرية وكأنها صور من عهد الشباب، بل كذكريات استبسال قديم لم نعد قادرين عليه. إنه شيء محزن حقاً، لكنه الثمن الذي علينا أن ندفعه لما نسميه بالعمل الشعري. ما كنت أريد أن أفصح لك عنه بخاصة هو الوضوح الذي يأتي في أعقاب هذه الحال الغامضة والأكثر خصباً للإبداع الشعري - والتي لم تكن سوى وسيلة مكاشفة مني لنفسي، ولم أكن أملك غيرها - تسِمُ نهاية ذلك الزخم والحافز على الكتابة بذلك المعنى. في الواقع، ما إن ندرك حدودنا وطبيعة الرصيد الذي حققناه، ونحكم عليه بالضعف، لا يعود هناك من سبب للاستمرار في أن نستمدّ من مصادر شحيحة. لأنه، كما ترى، وفي الشعر بخاصة، وكما كنتُ أقول دائماً، أن العمل في الشعر شيء بسيط ولا يغني رصيدنا كثيراً، بل يستنفده. ما يهم في هذا الفن، هو ما نحمله في داخلنا من مجهول، وما لا نتوقعه على الدوام، طالما نحن نكتب ولا نصل إلى معرفة إلا بالكتابة. لذلك علينا أن نبذل أقصى جهودنا للكتابة، مستسلمين، ونحن بعمر الشباب وكل ما فينا لايزال بِكراً، وهائلاً ولا شكل له. وسيكون لنا ما يكفي من الوقت للحكم عليه لاحقاً بكل بوضوح. هذا ما توصلتُ إليه وأنا أغبط نفسي بما إنني لا زلت أحظى بهذا الامتياز العظيم في التمتع بالتفكير والحكم، والمعرفة بحسب التجربة، وأن أحتفظ بصلتي بالفن من وجهه الآخر. من حسن حظي أنني كنت دائماً شغوفاً بعلم الجمال، وإذا كان هذا الشغف حين كنت أكتب قصائدي، قد وجّهني ومنعني من أن أترك شعوري الإنساني طليقاً، والذي كنت أجد له تدفقاً في نفسي، لفائدة شكل ليس خالصاً إلا وهمياً - على الأقل الآن، يسمح لي هذا الهاجس الدائم بالتمتّع بعمل كنتُ قد تعلمت منه كثيراً كيف أعرف نفسي والذي لم أعد أشعر مطلقاً بالحاجة إلى ممارسته. أتمثّل من جديد كل منعطفات المتاهة بشكل معاكس، وأتتبّع بعيني أولئك الذين يسلكونها بدورهم بمعنى المكاشفة.