أحمد الملا


* صوت
سمعتُهُ في سكّة ضيّقة
في نواحي طفولتي،
تلفّتُّ ولم يكن تحت الليل
غيرُ هريرِهِ البعيد،
حملتُهُ معي
وتبعتُه
دحرجتُ ظلّي إلى ظلِّه؛ 
وركضا متعثّريْنِ في الخوف
سويّةً
حتى كبرا كتفاً بكتف.
لو لمحتُهُ مرّة
حرنْتُ عندَهُ
وانتهى بي هناك،
لكنّهُ وضعَ نباحَهُ على السطوح
وسعالَهُ خلف نواصي الطريق.
صرتُ أتحاشى أبوابَ الظلام
وأُعلِي من قرْعِ الطبولِ في صدري
وبعدما قطعتُ أشجارَ حياتي
لئلا يتخفَّى خلفها؛
ترك أزيزاً يدبُّ في رأسي
أزيزاً يُرهقني ويشوّشُ ما أراه
أفواهاً تتحرك ولا أعي القول
أرهفُ السمعَ بين الكلام العابر 
وأدقّق في الشفاه
لأقرأ ما تعسّر
لاحقاً عرفت أنّ صمتاً ثقيلاً
حط َّعليَّ
وأحنَى ظهري  
وليس من متّسعٍ لسواه
حملتُهُ 
مُذْ سمعتُهُ
ولم أعد أعرف
أين ينوي أن يكشفَ
عن أنيابِه.

عليك أن تدركَه


هناك خطأٌ ما
يجعلك تصحو فزِعاً
ومتأخّراً،
تحاول اللحاق قبل أن تتراكمَ أخطاء أخرى
وتعجز عن القيامِ من النوم.
هناك خطأ
يدفعُكَ للركض،
لتعجل على النهار
وتبحلق لاهثاً في الليل،
خطأٌ يشغلك عن التمهُّل
ويدفع يدك لتحمل أكثر من فكرةٍ معاً.
خطأ يربك خطاك
وتسرحُ ناسياً أين وضعتَ مفاتيح الأشياء
أو نظارةَ القراءة.
هناك دائماً
ما يُلهي ركبتك اليمنى لتصطدمَ بنفسِ الطاولة
كُمَّ ثوبِك ليعلق في مقبضِ الباب 
أو جملة تركتها في غير مكانها.
هناك خطأ ينتظرك
دائماً
يوحي أنك جئتَ متأخراً قليلاً
عن هذا العالم
وبجهدٍ صغير تستطيع اللحاق به،
هنا يكمن خطأٌ ما
وعليك أن تدركَهُ
قبل الفَوات.

على أرضٍ غريبة

تنبّهتُ إلى الرائحة متأخراً وشممتها جليّةً يوماً عن يوم، أحياناً أركض نحوها لئلا تنقطع، وكثيراً ما أغمضت عيني وتبعتها في الظلام.
 
رائحة مبهمة غفلت عنها أوّلَ الدرب، لكنها لم تعد تضيع عني.
أتقدّم كأنما يدُ نافذةٍ تشدّني إليها
تقودني في الليل وتجرّني من سريره.
 
يا ليتني
ما تأخرت.
أقتربُ منها برويّة وأنفاسي تختنق،
ألهث خلفها صاعداً لأجدها ملقاة على أرضٍ غريبة، متفسّخة، تأكلُ أطرافَها الهوام،
يا ليتني ما تأخرت؛
تلك جثتي
في انتظاري.

وترُ السهو

أكونُ حاضراً في الجانبِ الآخر من أغنيتِك
تجدينني في المسافةِ تلك
حيث يسهو وترُ الكمان.

تلك يداي تطوّقانِ الأرضَ حين تقفزين في الرقصة.

وعلى الطرفِ المقابل أردمُ  الفراغ
حيث تعبرينَ غافلةً
حُفَرَ الشارع.
لستُ مرئيّاً لك
تتلفّتين حتى كادت تدهسُك الطريقُ المتهوّرة
تبحثينَ عمّن شدَّ قميصَك.
تعودين إلى البيت وحيدة
لتجدي طعامَك ساخناً
والليلَ مُعدّاً بعنايةٍ للنوم.
وكثيراً ما ترفعينَ رأسَك
باحثةً من أين جاءت الكلمات
وهي مغمورةٌ في النسيان؛
من ذا الذي وضعها على طرف لسانك؟.

درّاجة هوائيّة

بمجرّد قولِها؛
أغمضْ عينيك
لن تطالَك سماء
ولن تمسَّ أرضاً.
"دراجة...
هوائية"
لا تملْ بثقلك
يمنةً ولا يسرة،
استقمْ واقفزْ بينهما،
تنقسمُ الجملة إلى نصفين،
ترفع قدماً بعد أخرى
وتدفعها؛
كلمةً في أثر أختها،
كأن تصعدُ تلاً
لتهبطَ منحدرَ الجهة الأخرى
بجناحين.
اصعدْ
دع الهواءَ ينحني
ويحملك.
دراجة هوائية،
ليس من الشِّعر
أن تقف.
عجلةٌ تدور،
يظهرُ الناس والشجر،
تعبرُ الموسيقى والظلال،
المشهد برمّتِه
خفيفٌ وبلا كلفة،
فقط
أن تطلقَ النَّفَس 
وتستعيدَه.
دراجة
هوائية؛
ليس من دونها
تلفّ الأرض؛
دائخةً حول نفسها
بلا علّة ولا معنى.
بقولك:
دراجة
هوائية؛
تضخّ الدم في الكون،
ويسقط عن كتفيك؛
المشي والوقوف،
الكلمات والمعنى،
السماء والأرض،
الزمن والمكان،
الغاية والطريق.

* شاعر سعودي