جليل حيدر (1945) واحدٌ من أبرز الأصوات الستينيّة في الشعر العراقيّ الحديث. ظلّ السؤال عن مدينته يجرحه ويلاحقه حتّى قبل أن يكتب في مقطع من نصّ «ديكتاتورية نفسي»: «كيف أحملُ بغدادَ مطعونةً في القصيدهْ/ كيف أسجُنُها في دمي/ وأمرّغُ حبري على عثرات جديدة؟...». صخبُ جيله وإعجابه بالثورات الطلابيّة في العالم خلال ستينيات القرن الماضي، أفضيا إلى هذا النسق من كتابات الرفض والاحتجاج، لتتمظهر في هويّة فنيّة جديدة. هوية كانت تنتظرها، ضمن أقدار العراق المُلتهبة، مطحنة السياسة والانقلابات الدمويّة، ليتفرّق جمع الشعراء والفنّانين ممّن آمنوا باللايقين وحركات التحرّر. وكانت بيروت ــ بعد عقد من الزمن ــ محطّته التالية، تحقّق هناك وبمواصلته الكتابة والعمل ضمن صفوف «الجبهة الوطنيّة» مضمون مقولة قديمة له: «كنت أحمل أسطورة الرافدين في محيط من السلاح والفنون...». آخر محطّات صاحب «قصائد الضدّ» مجموعته الشعرية الأولى (1974)، كانت استوكهولم التي وصلها عام 1989، مواصلاً إصدار نتاجاته الشعريّة وترجمة نماذج من الشعر السويديّ، ليصدر عام 1999 كتابه المشترك مع هنري دياب «بورتريه للملائكة: الشعر السويديّ الحديث»، أنثولوجيا مترجمة عن السويديّة (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر).


«كلمات» التقى جليل حيدر في زيارته الأخيرة لبغداد، فكان هذا الحوار:

■ لنبدأ من مقالك الاحتجاجيّ الأخير المنشور في صحيفة «العالم» البغداديّة، هل كنت تتوقع أن يغدو العراق جنّة لأحلام افترضتها في ما سبق؟
ـــ ليست مسألة توقّع. هناك حبّ لبغداد التي وجدتها مزيَّفة ومنتهكة من كل الذين يوسّخون وجهها ويدمّرون سمعتها كغزاة ومحتلين، فالذين يبرّرون كرههم لبغداد بدافع دينيّ وتفكير شعبوي مريض، يحيلون هذا الكره إلى أبي جعفر المنصور الذي اضطهد الشيعة العلوية من آل البيت، ويضيفون كرههم إلى شارع الرشيد وهو من أهمّ معالم بغداد؛ لأنه باسم هارون الرشيد، قاتل الإمام موسى الكاظم. هذا ونحن في الألفية الثالثة؟!

هناك من قست عليه الظروف تاريخيّاً من بين فقراء سكنوا أطراف العاصمة، وتنادى بعض مثقفيهم حتّى اليوم للاتكاء على مقولة الدكتور علي الوردي عن الأفندية، أي تلك الطبقة من المتعلّمين والمتمدنين سكنة بغداد؛ كي يميّزوا تمييزاً طبقيّاً بين بغداد وثقافتها ومدنيتها وبين مرجعياتهم الريفيّة والعشائريّة والطائفيّة.
إنّني أفتقد الجمال والتحضّر والنزهات والسينمات وشارع أبي نواس الذي كان قبلة المتنزّهين والعوائل والسكارى، حيث المقاهي والبارات وجنّة الطرب. إلقِ نظرة الآن على أبي نواس، ستجده معتقلاً بمواقف السيطرات الأمنيّة وبالأرصفة ذات الحجر التركيّ وبالضفتين الحجريتين لنهر دجلة وانعدام تام للحياة المدنيّة في هذا الشارع.

■ لكنّك هنا تغفل حيوات أخرى ومبادرات لشباب وناشطين يتوزّعون بين شارع المتنبي وفي المقاهي البسيطة، ربّما يعيد نشاطهم شيئاً من الروح القديمة للمدينة؟
ـــ الشيء الوحيد الذي أنقذني من الظلمة هو تحرّك الشباب برغم قلّته أو صغر حجمه، وأيضاً جمعة المتنبي حيث الأصدقاء والكتب. لولا ذلك لأطلقت خيالي بقتل كلّ هؤلاء الذين جاؤوا يحكموننا في زمن الغفلة والانحطاط.

■ على ذكر من جاء يحكمنا، ألم تكن تتوقع النتيجة التي نحن فيها على أيدي «أحزاب الخارج»، هل انتظرتم الديموقراطية من هؤلاء فعلاً؟
ـــ لم يعوّل أحد من المثقفين في الخارج على اجتماعاتهم ولقاءاتهم، وبالأخصّ «مؤتمر فيينا» 1992؛ لأن تأريخهم ارتبط بوزارة الخارجية الأميركيّة والتبريرات الذرائعيّة والوضعيّة، بحجة قراءة الوضع الدوليّ ضمن سياقاته الجديدة بعد فشل التجربة السوفياتيّة.
■ ثمّة من يقول إنّ ظلال الصراع التاريخيّ بين إيران وتركيا حاضرة اليوم في المنطقة بصورة أخرى؟
ـــ في كتابه «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث»، يطرح ستيفن لونكريك مسألة الصراع الصفوي العثماني الذي لا تزال بقاياه تعكس ظلالها على أرضنا، إنّما تجاوزنا مثل هذا الصراع بمراحل حين أصبحت تركيا موالية للتدخّل الأميركيّ، أي أنّ الصراع المُدعى الآن بين أميركا وإيران هو من اختراعات السياسة الأميركيّة وإصراراتها على تحويل المنطقة إلى ثكنة عسكريّة تابعة لها.

■ كيف تفهم اللحظة الداعشيّة حالياً؟
ـــ سياسياً، داعش صناعة أميركيّة بامتياز. وثقافيّاً، تجد جذورها في التاريخ الإسلاميّ بدءاً من الحرق وقطع الرؤوس وسبي النساء وغزو العوالم الأخرى، ويتمثّل حاضراً في الثقافة الوهابيّة السعوديّة. والمثال الجديد الآن قضية جلد المدوّن السعوديّ رائف بدوي والاضطهاد الكليّ للنساء باعتبارهن كائنات أدنى.

■ مثقفو اليسار ممّن تعبّرون عن غضبكم واستيائكم، هل خيّبكم الحزب الشيوعيّ العراقيّ أم أنّكم من خيّبه؟
ـــ لقد سئمت من الخوض في اللغو السياسيّ الذي أصبح مكشوفاً، الحزب أو الأحزاب جميعاً خيّبت آمال المثقفين. مثلاً إنّ كلاً من الشيوعيّ والبعثيّ تذرّع بفكرة الانتماء ليجد أجوبة ودفاعات عن تعسّفه ورفضه للتنوّع الخارج عن ذائقته الأيديولوجيّة، فهو ينظر إلى الشاعر بوصفه بوقاً لتلك القناعات وكتابع لخطوته ورؤيته متقارباً مع سياقاته. حين ذاك فقط، يمتلك الشاعر التابع الحظوة اللائقة بالولد المطيع، السوي، القانع بمدخراته التراثيّة وتقاليده... الشيوعيّ بالإرث الستاليني والواقعيّة الاشتراكيّة الوصفيّة، والبعثيّ بالوحدة والتراث العصبيّ الدموي «أمجاد يا عرب أمجاد». وكان الضغط السياسيّ الأدبيّ باتجاه جعل الأدب موالياً للأيديولوجيا متبعاً نجمة الهداية، وفي عدم خروج أي ولد عاق عن الطريق هنا أو هناك، بين معسكرين متساويين في الخصومة، وعلى الشاعر أن يختار ويعبّر عن هذا الاختيار بتحويل النصّ إلى شهادة إثبات شخصيّة. هذا كان واضحاً بالنسبة لي ولأصدقاء عديدين ممّن غادروا تجربة الأحزاب وانكسرت راياتهم تحت هذا الحصار المريع.

■ ثقافيّاً، ما الذي بقي من جيل الستينيات وجذوته في العراق؟
ـــ ثقافة الاحتجاج والتمرّد هي جذوة الحريّة التي بدأها جيل الستينيات في العراق، ولا تزال تعلّقاتها موجودة في الشعر العراقيّ ونقده وترجماته، مع أن هذا الجيل الذي ينظر إلى الحريّة بمقاس واحد هو العبث باللغة والصورة الشعريّة والذهاب إلى مدى أبعد في الاحتجاج، لكنّه يقصر عن المعرفة الحقيقيّة لجذوة الشعر ولتاريخه ومعنى القصيدة. الشعر لون وعلم وفلسفة ومعرفة بتاريخ الشعر في العراق أولاً، ثم في المحيط والمساحة التاريخيّة العربيّة وبؤر الالتهاب في العالم.


ثقافة الاحتجاج والتمرّد هي جذوة الحريّة التي بدأها جيل الستينيات في العراق، ولا تزال تعلّقاتها موجودة في الشعر العراقيّ ونقده وترجماته

نعرف أبو نواس قبل ألن غينسبرغ وفرلنغيتي وأودن وبودلير. نعرف المتنبي وابن سكرة الهاشمي ودعبل قبل أن نعرف فيليب لاركن وبوب ديلان وهوبكنز. المعنى عندما تختار أن تكون شاعراً، عليك أن تقرأ تاريخك الشعريّ في المحيط وفي آخر القارات. المشكلة عند أصدقائنا هنا في العراق أنّهم يكتبون بكثرة ويقرأون قليلاً.
مشكلة الستينيات الشعريّة هي الحريّة في الكتابة. وكان الصديق الشاعر فاضل العزاوي مايسترو هذا الجيل، وقد خرجنا كلّنا من تجربة ومحنة عراقيّة كبرى في انقلاب شباط الأسود 1963، التي دعتنا إلى التفكير بأرواحنا وثقافتنا والجرح الكبير في حياتنا. هناك اجتمع المتخالفون وتفرّدوا بجمهورياتهم الشخصيّة خارج ثُكن المعتقد والانتماء والتحزّب.
■ قصائدك الأولى ــ جمهوريتك الشخصيّة، بقيت ضمن ملامح وأجواء الكتابة الستينيّة...
ـــ حين أزعم أنّني من جيل الستينيات، فإنّني أعني تحديداً جيل الغضب والاحتجاج على المجزرة، أنا من أبناء تلك المحنة الكبرى في تاريخنا الحديث عندما جاء الانقلابيون بروح همجيّة في شباط 1963 ليبدأ حصاد الدم في الشوارع قتلاً واغتصاباً واعتقالات، وحيث البيان رقم «13» المشؤوم الذي ألقي في الإذاعة بإبادة الشيوعيّين، وكان ذاك يعني القتل في الأزقّة والحارات والبيوت لكلّ اليسار والديموقراطيّين، وأعتقد أنّ جيل الستينيات هم ورثة ذاك الدم وتلك المأساة.

■ لكنّ «قصائد الضدّ» لم تخرج عن لحظة حداثة الروّاد الأوائل.
ـــ تاريخ الشعر العربيّ متنوّع منذ العصر الإسلاميّ الأوّل والأموي والعباسي، خرجت أوزان مختلفة للشعر المتداول، أبو العتاهية مثلاً، بعدها الموشحات وشعر الدوبيت، وفي العصر العباسي المتأخّر كان النتاج الشكليّ والخروج عن مسطرة الوزن والقافية على يد أبو القاسم الكوفي المشهور باسم «ابن الخلفة»، والذي لم يعترف به النقّاد كشاعر جديد ثمّ وضعوا نتاجه ضمن كتابة الإخوانيات، يقول: «أيّها اللّائم في الحبّ، دَع اللوم عن الصَّبّ، ولو تلمس من شوقك هذا العضدَ المبرم، والساعد المعصم والكفّ التي قد شاكلت أنملها أقلام ياقوتْ، فكمْ أصبح ذو اللبِّ من الحبّ بها حيران مبهوتْ...». يعتني النقّاد العراقيون والعرب بالإطار الشكليّ للقصيدة، هذا الإطار الذي يحتكمون إليه بين الكلاسيكي (العمودي) والشعر الحرّ (التفعيلة) وقصيدة النثر التي لم يتفق أحد من النقّاد على ماهيتها، بدءاً من سوزان برنار وقبلها متمثّلة عند حسين مردان التي سماها «النثر المركّز»، في حين هي موجودة فعليّاً في شعر الستينيات، عند فاضل العزاوي، وعبد الرحمن طهمازي، وجليل حيدر، وصلاح فائق، وسركون بولص، ومؤيّد الراوي، والعديد من الشعراء الذين مرّوا ولم يبقَ لهم أثر.

■ ديوانك «دائماً... لكن هناك»، هل يمكن عدّه الانتقالة الحاسمة صوب كتابة قصيدة النثر؟
ـــ منذ «قصائد الضدّ» كنت أكتب قصيدة النثر، لكنّها حذفت لأسباب رقابيّة مع ستّ قصائد وتغيير اسم إحدى القصائد المعنونة «جليل حيدر» إلى «لغة المرآة». أفكّر الآن بإعادة طباعة «قصائد الضدّ» كما هي. نشرت بعض قصائد النثر في مجلّة «مواقف» سنة 1970، وفي ديوان «صفير خاصّ» تجد أيضاً جذوراً لهذه القصيدة، مروراً بكتاب «طائر الشاكّو ماكّو» والقصيدة المشهورة بالعنوان نفسه، وهي قصيدة نثر مركّزة اشتهرت انتهاءً بـ«دائماً... لكن هناك». ليس للشعر وصف شكليّ، لكنّني اكتشفت ضمن تجربتي أنّ اتّباع الوزن سيخلخل الصورة ومساق التفكير في القصيدة. هناك عيوب كبيرة في قصيدة التفعيلة، لأنّك ستتبع الإيقاع الذي سيأخذك إلى زوائد تتوافق مع سياقاته لكنها تختلف جذريّاً مع العالم الذي تريد بناءه في القصيدة، أي كيف تقرأ الشاعر من دون عالم. واللغة هي عضو ذهنيّ ينسب إلى الجسد بمفهوم نعوم تشومسكي، ولغتي حرّة لا تخضع لضغوط القالب الموسيقي الخارجيّ.

■ تقول في قصيدة «طائر الشاكّو ماكّو»: «أي طفل هو الآن عابراً دمع الكآبة؟/ أي طفل قطفَ منه حياته كلّ يوم/ وفي كلّ منعطف/ دون أن يقبض تحيّته أو وداعه؟/ هُوَ/ ذا/ يُخرج لسانه هارباً إلى أقصى الهزائم/ مختفياً في التلهّف/ صارخاً: شاكّو ماكّو؟...». حظيت هذه القصيدة بحضور أكثر في الأذهان، كيف تقرأ سياق ولادتها؟
ـــ في بيروت، كنت محرجاً من اللغو السياسيّ الذي ينصبّ من أحزاب يساريّة وصحف بالمجان، فاحتميت بإرثنا العراقيّ كعودة المحبّ إلى حبيبته والمُبعد إلى أرضه. وفي الكثرة كنت أُحسّ وحدتي أتلمّسها وسط ذلك الفيضان من الأيديولوجيا والانحيازات بدوافع مختلفة، فعدت إلى «طائر الشاكّو ماكّو»، وطائري الحرّ الصريح الذي يرى من فوق ما لا يراه الذين تصغر مرآتهم في سطوة حاضر يتملّكهم. أنا طائر الشاكّو الماكّو المُعذّب الرائي المحبّ المشاكس الخطر الذي يقول ما لم يجرؤ أن يقوله الجالسون على السطح.

■ بعد بغداد، كانت بيروت هي المستقرّ، ثمّ صارت دمشق القدر الحتمي، أي مساحة في الذاكرة وأي قول عن هاتين العاصمتين العربيتين؟
ـــ بعد ما سُمّي بالنصر وهو الهزيمة في بيروت، واعتقالي بعد الخروج منها عام 1982 على أيدي الإسرائيليّين ثم تسليمي إلى «الكتائب اللبنانيّة»، وكنت ضمن الحزب الشيوعيّ اللبناني، كانت دمشق الوجهة التالية. في بيروت، الشعراء، الحوار الثقافيّ، الخمر، ومحبّة النقد. في الشام، النقاهة، وحيوية الحضور، وصورة بغداد بمقاهيها وخمّاراتها وأصدقائنا والنساء الجميلات والدبيب الشعريّ في مفاصل كينوناتنا المُترنحة على حنين الماضي.

■ إذا كانت اللغة تعبيراً كيانيّاً يرتبط بالهويّة وبالمحيط، فأي عوائد اكتسبها النصّ الشعري لدى الإقامة في السويد والنطق بلغتها؟
ـــ في دراسته كتب الناقد فاضل ثامر عن القَرين الشعريّ في تجربتي، هذا القرين ليس له مكان ربّما في غرفتي أو في بار، إنّما تكوّنت علاقة هذا القرين عندما هاجرت إلى السويد بأناقة فائقة لكنّها مجروحة بالألم، حيث تأنّقت المعاناة بين صخب ودمويّة التاريخ العراقيّ ونعومة الوعي بمحمولاته الإنسانيّة في السويد. إنّ عصبيّة النصّ الأولي تنعّمت في السويد؛ لأنّك في ثقافة أخرى لا يمكن أن تكتب ضمن محمول متخلّف مرضي إزاء حياة متحرّرة تحترم الطبيعة وتحبّ الإنسان وتبجّل الروح.
في العربيّة وأنا ترجمت «بورتريه للملائكة»، اكتشفت أنّ في لغتنا استدعاءات وتكرارات لا تحتملها اللغات الأوروبيّة، بمعنى أنّنا نتوجّه في السويديّة إلى المعنى والمجاز والاستعارة من دون تكرار المترادفات. ذاك أعانني على تطوير لغتي بين هاتين اللغتين، العربيّة والسويديّة، حيث كيف أنقل لغة غونّار إيكيلوف إلى العربيّة، وغونار الذي ترجم الشعر الفرنسيّ السوريالي إلى السويديّة، وعندما قرأ «ترجمان الأشواق» لمحيي الدين بن عربي، كتب ثلاثيته المعروفة «ديوان أمير أميجيون» و«حكاية فاطمة» و«دليل العالم السفلي»، وقال إنّه متأثّر بالثقافة الإسلاميّة، وأكثر من ذلك حينما قال: «الآن بدأت أفهم وأكتب الشعر». الشاعر في أي لغة من لغات العالم، لم يهبط بباراشيت أو بالون، إنّما هو وريث ثقافة العالم الكليّة.

■ اليوم، أيّهما أقرب إلى قصيدتك، روح مجرّب يرسّخ التأصيل في نصّه، أم عقل صانع ينقّب في مساحة خاصّة ومبتكرة يذهب إليها ساعة مواجهة «الورقة البيضاء» كما ينوّه عنها بورخس؟
ـــ نقّاد الشعر القدامى كانوا يميّزون بين القصيدة التي تخرج من القلب وبين القصيدة التي يعمل فيها التفكير والصور والتجديد. كانوا يسمّون هذا النوع من الكتابة بـ«الصنعة»، كما في شعر أبي تمام، و«الصنعة» هنا تعني الخبرة والتراكم المعرفيّ الذي يرافق الشاعر على مدى تجربته في الكتابة. والتجريب جزء مهم في وعي الشاعر وخبرته نحو تطوير القصيدة والنهوض بها إلى مدَيَات فلسفيّة وحلميّة، مؤكّدة معاينتها للحياة بعيون مختلفة. التجديد في القصيدة يبدأ مع وعي الشاعر بلغته الخاصّة، أي أنّ لغتنا الأولى الاجتماعيّة نستمدها من العائلة والشارع والمدرسة. عندما يكتب الشاعر يبدأ بإزاحة جزء من هذه اللغة وتطوير لغته باستمرار، وكلّما أنتج مفرداته وصوره، ازداد تخلّيه عن اللغة العامّة السائدة وهكذا حتّى يصل إلى عالمه الخاصّ في الكتابة.

■ جوهر بناء القصيدة لديك، لغة خاصّة أم عموم مستلزمات التشكّل الفنيّ المختلف؟
ـــ بناء القصيدة لغوي مصدره الصورة، إنّني معني تماماً بالصورة في الشعر وفي التناقضات بين العوالم، حيث تأتي قصيدتي صِداميّة تتحرّش بالواقع تقلبه وتعيد كتابته وفق حلمٍ خاصّ.

■ بمعنى أنّ «طائر الشاكّو ماكّو» كانت تعبيراً حلميّاً؟
ـــ هذه القصيدة استعادة لعالم نفتقده، إذْ بنيت هناك هذا العالم باعتبار أني أعرفه بدقّة وهو عالم من الحلم.

■ هناك كلام كثير عن تراجع الشعر، قبالة تقدّم الرواية، هل نسلّم به فعلاً؟
ـــ نحن شعوب تستورد كلّ شيء من الملابس إلى المنتجات الأوروبيّة إلى القول. أي مصطلح يظهر في أوروبا يتبنّاه الإعلام عندنا بتفاصيله. في الستينيات، كانت شائعة كلمة «الحظيرة»، تطلق في الفنّ وفي النقد، في حين هي مفردة أوروبيّة لها زمانها ومكانها، أما دلالاتها العربيّة في الترجمة فهي مأوى الحيوانات. إنّ مقولة ازدهار الرواية وانحسار الشعر هي بالضبط التسويق الإعلاميّ لدور النشر الأوروبيّة التي تصنع كتّاباً وكتباً بدوافع تجاريّة تسويقيّة. ماكينة الإعلام العربيّ تردّد بببغاوية هذا الازدهار مقابل ذلك الانحسار. كتب الكثير عن عصر الرواية، وهذا الادّعاء نتاج أحد الكتّاب الأوروبيّين وتلقى الوسط الثقافيّ العربيّ هذا الزعم وتداوله. الحياة من دون شعر مثل كأس عرق توما من دون ثلج ومثل دجاج مشوي على الفحم من دون ثوم، مثل فيروز من دون صباح ولا قهوة. أوّل نطق للإنسان على هذا الكوكب كان شعراً وأول نداءات الطبيعة هو شعر من إيقاع المطر إلى رقصة الريح إلى بياض الفجر. عد معي: جلجامش، سافو، أنخيدوانا...

■ إلى أي درجة تهتمّ بشكل الكتاب الشعريّ وإخراجه؟
ـــ أهتمّ كثيراً بالعنوان وبالغلاف؛ لأنّهما يعكسان ضوء المرايا في النص. في «قصائد الضدّ» كان الغلاف والرسوم الداخليّة للتشكيليّ الرائع صلاح جياد، وفي «صفير خاصّ» الغلاف للمبدع الراحل رافع الناصري، وفي «شخص بين الشرفة والطريق» بطاقة معرض للفنّان ضياء العزاوي، أمّا «طائر الشاكّو ماكّو» فأنا من صمّم غلافه. أهتمّ وأعتني بالعناوين وبالأغلفة؛ لأنّني أحبّ عملي وأحبّ أن يكون كما القصيدة مميّزة، وأن تكون الصورة النهائيّة للكتاب تليق بي.

■ ما صحة الزعم بأنّ مواقع التواصل الاجتماعي زعزعت الكثير من المعايير الأدبيّة السائدة لعقود؟
ـــ ضمن لعبة الفوضى الخلاقة، اعتقد بعض الجهلة أنّ الثقافة عُرضة لتكون فوضى أخرى، استنساخاً لأفكار أخرى، سرقات، واستنتاجات تخضع لسلطة التحكّم باللعب السياسيّة والماديّة. كم أحداً يعرف رولان بارت ويتمثّله في مقالات وكتب لم يقرأها غيره ويدّعي أنّه سيميولوجي أو بنيوي أو تفكيكي، مع أنّ أكثرهم لا يتقن لغة غير لغته التي تحتاج إلى إعادة وتصحيح.

■ هل من أوهام يوفرها الفيسبوك للشعر والشعراء؟
ـــ ليست أوهاماً، وأنا مع النشر وإشاعة الشعر في كلّ مكان وفي كلّ الأصوات والألوان. لا أحد يحتكر الشعر، والفيسبوك محطّة للقراءة وليست للتقييم، لأنّه كتابة ودراسة وحوار.

■ كيف يتهجّى الشاعر خلاص العراق؟
ـــ لا خلاص لوطني إلا بكنس كلّ هذه الطبقة السياسيّة التي هبطت علينا من السماء وجاءت بها أميركا، ورميها إلى أقرب حاوية للزبالة في التاريخ.

■ ومستقبل العراق ثقافياً؟
ـــ لا نملك دولة، إنّما تحكمنا سلطات وميليشيات أصبح اهتمامها شراء أسماء ونتاجات الكتّاب والفنّانين في محاولة لكسب الرضى بمنحهم ألواحاً أو دروعاً تكريميّة، وإبعادهم عن التفكير النقديّ ومطالبات الحريّة والتغيير. ولنا أمثال عديدة من مقتل المفكّر قاسم عبد الأمير عجام إلى الباحث كامل شياع، إلى قافلة صحافيّين وفنّانين تعرّضوا لاعتداءات واغتيل بعضهم. لكن مقابل ذلك، يبقى صدى الاحتجاج الجذوة الروحيّة التي ستؤسّس تياراً مستقبليّاً وخاصّة أنصار التيار المدنيّ من كتّاب وفنّانين.