هل غادر خليل النعيمي البادية السورية حقاً؟ هجرته المبكّرة إلى باريس لم تحجب عنه مرابع طفولته الأولى التي ما انفك يعود إليها مدجّجاً بذاكرة متيقّظة تحتشد بمعجم فريد من المفردات البدوية التي يصهرها بمهارة في مختبر الفصحى، وإذا بها تقتحم نصّه الروائي لتتخذ مكانها اللائق في تحويل الشفوي المحلّي إلى خطاب سردي حميمي، يطيح بشبكة العلاقات اللغوية المألوفة ببلاغة مضادة تتواءم مع خشونة المكان الأول وسطوة الحنين في استعادة ما هو مفتقد وجحيمي ومنهوب في آنٍ. أسطرة ما هو سيروي وهامشي، ليست همّاً أساسياً لدى صاحب «القطيعة» بقدر عنايته بإعادة ترميم أمكنة لطالما بقيت مجهولة روائياً، رغم سحريتها التخييلية وقدرتها الخارقة على استقطاب مشهديات مدهشة، وتالياً، هتك محرماتها وأسرارها على الملأ.


هذه الطمأنينة في نبش المخبوء البدوي بوصفه نصّاً مهملاً، واحدة من رهانات خليل النعيمي الاستثنائية الذي بقي مواظباً على تدوينها بدأب، وإن أتت على تخوم السيرة الذاتية، أو ما يشبه الرثاء البدوي على ديار انطفأت مواقدها أو كادت، بفعل زوابع العجاج وعسف السلطات المتعاقبة. في روايته الجديدة «قصّاص الأثر» (المؤسسة العربية للدراسات- بيروت) يعزّز خليل النعيمي معجمه الصحراوي بدفقة إضافية، ولكن نحو الداخل، أو فحص عزلة الفرد في خلاء النفس والطبيعة، ومحاكمة الذات بضراوة، مسترجعاً سيرة شخص قرر الرحيل فجأة، بعد أن هجرته امرأته في الفراش بقولها «ابعد». هذه الكلمة السحرية، رغم قسوتها، ستفتح أمامه عتبة جديدة لحياته، حين تضعه حيال أسئلة فلسفية عميقة، لم يدركها قبلاً، ففي عمق الصحراء، سيحاكم حياته بجلاء، وستهبّ الأسئلة المؤجلة دفعة واحدة مثل زوبعة رمال، قبل أن تتكشّف عن وضوح الرؤية، لما آلت إليه حياته، بمشاركة ثعلب ظهر له في طريقة إلى النهر. تناوب الضوء والعتمة في الصحراء يضيء دربه المتعرّج بإجابات حاسمة لطالما كانت مبهمة، مقرراً عبور النهر إلى الضفة الأخرى، على خلفية رحلات خاطفة، كان قد رافق خلالها والده، في طفولته البعيدة. يوم من مكابدات النفس، و»كشف الظنون» في الخلاء، على أمل التطهّر من «أثقال الحياة اللامرئية»، والأرق والخوف، وبعزيمة صلبة على المشي كي لا يموت. إنه مثل متصوّفٍ زاهد يتدرّب على الدوران والشطح بموازاة حداء ذاتي متوتّر تتناهبه الريح الصحراوية، ووهم النجاة من الهلاك، وحيرته في الاشتباك مع التراب والنار والماء «من أجل إزالة سوء التفاهم مع نفسه، ومع تاريخه».

نبش المخبوء البدوي بوصفه نصّاً مهملاً، واحد من رهانات الكاتب الاستثنائية
بين تيه البدوي وحكمة الفيلسوف يشرّح صاحب «الخُلعاء» عزلة الكائن ومحاولته التخفّف مما أثقل جسده وروحه، مراكماً أسئلة وجودية في المقام الأول، لاستجلاء الصراع بين برزخي الشهوانية والإنشاد الصوفي، وممجّداً الذات في تحرّرها مما علق بها من «نفايات الخضوع»، وتدريبها بقسوة على «الحركة والصوت» بدلاً من «السكون والصمت»، وتالياً، التدرّب على كراهية الماضي المثقل بركامٍ خانق، والوقوف على عتبة «مغامرة الكلمات». عند هذا المنعطف من محاكمة الذات، تحتدم طبقة أخرى، أكثر عمقاً، في المواجهة بإزالة القشرة الصلبة لتاريخه الشخصي الذي كان هباءً، وما عليه إلا أن يمضغه ويلغيه، ليستبدله بمصيرٍ آخر، فها هو فجر الليلة التالية في الصحراء الشاسعة يبزغ، وما عليه إلا أن يكمل طريقه من دون أن يودّع أحداً، مستأنساً بظلّه، يجوس الوهاد المقفرة نحو النقيض، مبتهجاً بالفضاء السرمدي المحيط به. يتخفّف أخيراً من ثقل آثامه القديمة بسطوة الكلام، رغم الاسترجاعات الخاطفة لبعض تفاصيلها الآفلة، والمشبعة بالأسى والفقدان وخشونة العيش، وإحساسه بأن حياته كانت مرقّعة مثل «ثوبٍ مليء بالرقع والخبوب»، وهذا ما سوف يشجّعه على المضي قدماً، و»محو» كل ما سلف، نحو الماء، بوصفه عتبة النجاة النهائية. هذه المغامرة الشاقة لم ترفع منسوب الروحانية لديه، كما كنّا نتوقّع، إذ يقوّضها باشتهاءات متضاربة إلى جسد امرأته، حين يشير بلا مواربة قائلاً: «لا يختزن الجسد إلا تاريخه الإيروسي». المبارزة فوق رقعة شطرنج النفس لا تتوقف عن التناقضات الخادعة، ذهاباً وإياباً، كما أنها تحتشد تدريجاً بأفكار فلسفية يقلّبها فوق موقد الذاكرة، قبل أن يحيلها إلى رماد، مكملاً رحلته الغائمة المتأرجحة بين سيولة العاطفة وصرامة العقل، نحو أمكنة لطالما حلم بالذهاب إليها، متجاهلاً حالة الهشاشة التي أدركته في الطريق، حتى أنه فكّر في العودة إلى البيت، في غياب العلامات التي ترشده إلى جهة البوصلة الصحيحة. في نهاية رحلة المكابدات، سيصل النهر، ويدرك حافة الخلاص من «النتن الداخلي» بالاغتسال «اغتسال النَفْس» أولاً، والجسد ثانياً، وسيخاطب نفسه وهو يقف عند ضفة النهر «المآسي هي التي تلوّث الجسد والروح وليس غبار الصحراء النقي».
حالما يقطع الضفّة بصحبة امرأة أغوته بالعبور معه، حتى يستعيد شهوانيته مرّة أخرى، قبل أن يغفو على العشب لتلدغه أفعى، فيما يصل موكب «قصّاص الأثر» متأخراً، برفقة زوجة الرجل للبحث عن الغائب، وكأن سرّ الموت يتمثّل في إغواء امرأة، مهما طال البعاد أو التيه.