ياسر عبد اللطيف *

يركب يونس المترو من محطة التحرير «أنور السادات» في نهايات صيف عام 1998، وقد قطع المسافة من باب اللوق وحتى التحرير ركضاً بمثانة تكاد تنفجر من امتلائها. وبعد أن يتبول في مرحاض موظفي المحطة ذي الرائحة القوية. يقف في قطار الحادية عشرة والنصف في زحام خانق. الوجوه كابية والروائح لا تحتمل، ورائحة المرحاض لا تزال تتلكأ داخل نخاشيشه مع رائحة عرق الركاب وصرير الحديد على الحديد.

تذكر عبارة لغالب هلسا من رواية «الروائيون»، كان يقول: «خارج السجن تذكرني رائحة المراحيض العامة برائحة السجن وداخل السجن تذكرني رائحته برائحة المراحيض العامة». وإذ يتوقف المترو في محطة دار السلام، يسمع يونس عبد الباسط حمودة يغني: «بين القصرين شفت الحلوين ولا حدش منهم كلمني...»، بينما هو مهصور في الزحام داخل الثعبان المعدني العملاق الذي يتلوى صاعداً نحو جنوب المدينة. هنا يبدأ الصعيد... صَعَدَ صعيداً فهو مترو صاعد في اتجاه حلوان.
ينزل من المترو في محطة «وادي حوف» عام 2013، ويقرر أن يتخذ طريقاً أطول للعودة إلى البيت. يتساءل من أين استقله، ومحطة السادات مغلقة منذ أشهر... هل من سعد زغلول متخذاً شارع «الفلكي» طريقاً من «باب اللوق» وحتى «بيت الأمة» و«الضريح»، وقد مرّ به صبيّان مُبرشمان في ظلام منطقة «حوش الوزارات» ولم يطمئنه المخبرون المتناثرون بالمنطقة القريبة من قلعة «الداخلية»، أم أنه ركب من «جمال عبد الناصر» مروراً من شامبليون فعبد الخالق ثروت فنقابة المحامين. يمر بعد نزوله بدكاكين ساهرة، ومصاصة أعواد قصب تحترق، بعد أن تتخمر روائحها في دخان ثقيل. تراب تدفعه هبات رياح ليلية مع وهج العصف المحترق يمشي. هنا يقبع صديقه القديم محمد أجزخانة وقد استحال حطاماً، رآه في أول الليل عام 98 وهو يخرج وقد تجهّز لوعود السهرة، فيما استعد الآخر بكل حواسه اليَقِظة لالتهام الشارع بعابريه وغباره ودخان عصف القصب الممصوص، وها هو ثانيةً كامناً يتصيّد الليل بالزجاجات الفارغة والجهاز المعطل... أعطنا خبز كفافنا ومخدراتنا يا الله! يصيح من على كرسيه المتحرك، ويقول إن روح مغني الروك المتنيّح قد تلبّسته منذ فارقت جسده في مانهاتن لتأتيه هنا في «وادي حوف» حيث مصنع النصر للسيارات لم يعد يصنع سيارات «نصر» منذ الستينيات المجيدة، ومشروع سيارة وبيجامة لكلّ برجوازي صغير.
نشأ ذلك الحيّ محاكاةً لحيّ المعادي، ونشأ بجواره حيّ حدائق حلوان ليحاكيه، وهكذا أخذت البيوت تصطف كقطع الدومينو من «المعصرة» وحتى «حلوان الحمامات» وقد قامت جامعة فيما يليه تستقطب آلاف البنات المحجبات ببنطلونات الجينز وقمصان «الكرينا» الملتصقة من بوليستر الصين، بترول السعودية يعود منسوجات صناعية. هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا.
قرص صلب في ذهنه قد أصيب في صلابته نفسها بخدش عميق، راح يكرر الهاجس نفسه إلى ما لا نهاية كلما توقفت الإبرة الضوئية عند الخدش في الأسطوانة، تقرأ التلف كمعلومة أتت من بئر شيطانية تتحلق حولها وجوه المتآمرين بابتسامات خضراء كعفن على سطح اللبن أو طحلب على وجه بركة آسنة. أعطنا خبز كفافنا ومخدراتنا يا الله.
يُشعل أجزخانة سيجارةً ويسعل، ويصل صوت سعاله لأذني يونس بينما هو يبتعد. فيمرق تُك تُك متهالك يطن بموسيقى عنيفة وتنبض أضواؤه الخلفية مع ضربات الموسيقى. وعندما يحاذيه، يسمع من داخله صوت عبد الباسط حمودة يكمل الجملة التي بدأها من سنوات «طب أصدق مين واكدّب مين.. يا اللي انت مجرب طمّني...» حتى يبتعد التُك تُك ويرجع صوت السعال، ويتصاعد، فيما تلوح في الخلفية المداخن السامقة لمصنع أسمنت المعصرة كأشباح تتقاطع ظلالها في ضوء القمر الذي ينير سماء الجيزة على الضفة الأخرى من النهر، وأبعد، في الأفق الأحمر مداخن مصاهر مصانع الحديد والصلب وأفرانه العالية، ويتكأكأ النصر للسيارات ككلب أجرب في الضفة الشرقية للمترو، ويسير النيل عكس اتجاه العربات التي تقعقع صاعدةً الصعيد نحو نقطة النهاية.
* شاعر وروائي مصري