عبدالهادي سعدون *

كان ذلك ليلاً، في وقت متأخر، ربما قطعت تذكرة دخول صالة السينما في حفلة الواحدة فجراً أو قبل ذلك بقليل. ما أتذكره هو أنها كانت الحفلة الأخيرة لذلك اليوم. قررت أن أمضي وحدي، لم أدعُ أحداً ولا حتى صديقتي العاشقة لأفلام الإسباني بيدرو المظفر، التي تركتها في شقتي غاطة في نومها. كان شيء ما قد دعاني للخروج مشياً من البيت، في ذلك الجو الماطر، قاطعاً جادة غران بيا، مروراً بساحة إسبانيا، قبل أن أدلف في الشوارع الخلفية للبارات المنتشرة هناك، التي تسمى الكهوف، تشبهاً أو تيمناً بالإنسان قبل آلاف السنين.

بين هذه الكهوف الغاصة بالناس، هناك سينما صغيرة، قطعت لنفسي تذكرة في الصف الأخير، وانتظرت لمدة قليلة في أحد البارات المجاورة لشرب بيرة قبل دخولي لرؤية فيلم بيدرو المظفر المعنون «التربية السيئة». كنت أرتشف من كأسي متأملاً من زاويتي اللافتة الكبيرة التي تعلن عن الفيلم، في تلك اللحظة أحسست بها تمسّني بدفعة خفيفة وتهرول خارجة من البار. كانت تلك الفتاة نفسها التي لمحت وجهها المنمش حال دخولي وابتسمت لي دون مناسبة. اقتربت مني واصطدمت بي بشكل قصدي. فكرت بكل شيء إلا أنها تكون قد سرقتني. ولكني رأيتها تخرج من البار مهرولة. رأيت الآخرين يراقبونني بعيون حائرة وسمعت أكثر من واحد منهم يقول لي: لا تتركها تهرب.. لقد سرقت محفظتك! الحقيقة أن شعوراً غريباً لم يطرأ علي سابقاً أبقاني هادئاً بلا حراك. التحرك الوحيد كان ليدي وهي تقرب الكأس من فمي لأعاود الشرب. كان الجميع في وجوم، استغراب أو ربما فضول أكبر. حتماً فكروا في حالتي، وظنوا أنّ بي مسّاً من الجنون، حتى سمعت تعليق واحد منهم (بالطبع لم أعلق على أية كلمة) قائلاً بما يشبه إكمال جملة سبق أن تداولها معهم: لا بد أنه واحد آخر من أولئك! لم التفت إليه ولم أسأل عن أي شيء يقصد، ولا منْ هم أولئك الذين حشرني بينهم. تركت قطعة نقدية على الطاولة ثمن البيرة، زررت معطفي وخرجت دون أن أرفع عيني.
قرب السينما مددت يدي إلى جيب بنطلوني الخلفي لأتأكد للمرة الأولى من اختفاء محفظتي حقاً.
بقيت خمس دقائق على بدء الفيلم، اكتشفت أنني قد وضعت بطاقة دخول السينما في صفحة كتاب حملته معي، اقتربت من البوابة وقررت الدخول لرؤية الفيلم. بحساب بسيط فكرت أن أبلغ الشرطة صباح اليوم التالي، طالما أن الوقت متأخر ولن يجديني نفعاً الآن، ثم إن أقصى شيء سأخسره القليل من النقود، بطاقات تعارف وهويتي الشخصية. محوتُ من ذهني كل ما جرى قبل دقائق وركزت انتباهي على تفاصيل الفيلم.
في الصالة لم نكن سوى أفراد لا نتعدى أصابع اليد الواحدة. اتخذ كل منا مكانه في زاوية بعيدة عن مقاعد الآخرين. مر الفيلم وكنت أتابع تفاصيله بلا مبالاة. الحقيقة أنني يجب أن أعترف بأنني لم أتابع الفيلم إطلاقاً، حتى إنني بعد كل هذه السنين لا أتذكر ما دار في الفيلم. وسط الضوء الخافت للصالة، طرأ لخاطري أنني قد مررت بهذا الحادث في سنوات ماضية، الفرق أنني اليوم في مدريد والحادثة القديمة حصلت معي في بغداد، لكن رد فعلي في بغداد كان مختلفاً تماماً.
عندما اقترب مني السارق (كان رجلاً لا امرأة) وأنا قرب سينما أطلس، ظننت أنه قد ضل طريقه ولا بد أنه يقترب ليسألني عن مكان معين، ولكن حالما أصبح في مواجهتي شعرت بيده تمثل ما يشبه سكيناً ليشكني بها في رقبتي. بتأثير الضربة انحنيت وكدت أسقط، عندها أدخل الحرامي يده في جيب بنطلوني الخلفي وحمل محفظتي وجرى مهرولاً في الشوارع الخلفية لبغداد القديمة. مترنحاً قمت على قدمي وأحسست بأكثر من واحد يساعدني ويجري معي للحاق بالسارق. كنا نركض في البداية أكثر من خمسة، تكاثروا لعشرة، قبل أن أشعر بنفسي وكأنني محاط بكل ناس الشارع.
جريت في أكثر من شارع فرعي واتجاه ولم أعثر على أي أثر له، حتى وجدت نفسي من جديد أمام صالة السينما. جلست عند البوابة لأسترجع أنفاسي، ثم شعرت بحركة أقدام أخرى تعود. ظننتهم أولئك الذين حاولوا مساعدتي، ولكنني لم أنتبه لأي وجه أعرفه. الأقدام تسارعت وهي تدخل صالة العرض حيث لم يبق سوى دقائق على بدء الفيلم. رآني مراقب الصالة وسألني إن كنت أنوي الدخول، فالفلم قد ابتدأ. نظرت إليه، اتكأت على ساعدي ونهضت للدخول دون ان أفكر بأية عاقبة معينة. كنت قد قررت الدخول وحسب.
مثلما حدث معي في بغداد (نسيت حتى عنوان الفيلم) لم أعد أذكر شيئاً من فيلم المظفر ولا تفاصيل ما جرى لي بعدها. خرجت من صالة العرض ومضيت في طريقي ما بين مقاهي الكهوف مرة أخرى. دخلت واحداً منها لأشرب كأسي الأخيرة قبل عودتي للبيت. وقفت قرب الطاولة وطلبت بيرة. كان البار هادئاً ولم أر أحداً قربي. بعد لحظات سمعت أصواتاً من الزاوية البعيدة، لمحت شخصين يتناجيان، ربما عاشقان في منتصف الليل يرغبان بالعزلة والكأس. مضيت بتأملاتي وكأسي حتى سمعت صوت امرأة تقترب من الطاولة وتطلب من النادل شيئاً ما. التفت ورأيتها.
كانت هي نفسها، الفتاة التي سرقت محفظتي. ركزت على وجهها المنمش وحزرت أنها لا تتعدى العشرين، بملابس هيبية وعشرات الثقوب في أذنيها محلاة بحلق مختلف الألوان. أدركتْ أنني أنظر لها فابتسمت لي وغضت النظر. كنت ما أزال أنظر إليها بتركيز، حينذاك انتبهت لتبدل في ملامح وجهها وعودتها للنظر بوجهي. بقينا ننظر لبعضنا دون أي تحرك ولكنني بدون كلمات أفهمتها ما لم أقله سابقاً. لم تغمض عينيها ولا جاءت بحركة، بل العكس، اقتربت أكثر مني وأشارت لي دون أية كلمة أن أدعوها لكأس على حسابي. أشرت للنادل الذي وضع كأس بيرة كبيرة أمامها. ودون انتظار، رفعت كأسها وجرعته دفعة واحدة. مسحت فمها ورأيت تعابير امتنان على وجهها. وضعتْ الكأس الفارغة على الطاولة، زررتْ معطفها وهمت بتركي. لكنها توقفت للحظة وعادت للخلف. اقتربت مني وكنت أظن أنها ستحدثني ولكنها مرت من جانبي، مسّتني بنفس طريقتها الأولى، أو هذا ما شعرت به وخرجت من البار دون أن تركض حتى اختفت عن نظري. لمحت في الزاوية الرجل المرافق لها ما زال ينتظر.
لم أتحرك وبقيت ماسكاً كأسي.
لم تمض سوى دقائق حتى كنت قد عدت في طريقي مروراً بساحة إسبانيا، قاطعاً جادة غران بيا لأصل شقتي وأنام بكل طمأنينة حتى ساعة استيقاظي على صوت صاحبتي.
كانت قد نهضت قبلي، غسلت وأفطرت وعندما حانت ساعة خروجها للعمل، سألتني أن أُقرضها بعض النقود لشراء الغداء عندما تعود ظهراً. فتحت عيني ورأيتها تلوح لي بورقة نقدية وهي تخبرني: سحبتها من محفظتك، لم يبق لدي وقت، علي الإسراع للوصول إلى محل عملي. ثم انحنت وقبلتني وخرجت.
درت برأسي إلى حيث أشارت صاحبتي، ووجدت ما يشبه محفظتي على الكرسي فوق بنطلون الليلة الماضية الذي رميت به على الكرسي. ليس هذا مجال لتخمين أي خدعة. كانت محفظتي نفسها.
في بغداد لم أحظ بنهاية مشابهة بالطبع. لا أعرف منْ ذكر لي عن تلك الأشياء المرعبة التي تحدث لنا دون أن نفقه تعليلاً مناسباً لها.
لم ألمس المحفظة ليومين، بقيت مرمية في مكانها، وكنت كلما دخلت غرفة النوم، أتأملها كمذنب ينتظر القصاص.
* قاص ومترجم عراقي