ترجمة وتقديم: محمد الحموي


ضمن مشروع دار «سُلتْ» البريطانية التي انطلقت من كامبريدج عام 1999، صدر كتاب «أفضل قصائد الشعر البريطاني لعام 2014» وهو الأنطولوجيا الشعرية الرابعة التي بدأت الدار إصدارها سنوياً منذ عام 2011 إلى جانب أنطولوجياتها في القصة القصيرة. تأتي هذه الأنطولوجيا بتوطئة من الشاعر الاسكتلندي رودي لمسدن (1966) المشرف العام على الأنطولوجيات الشعرية في «سلت»، وانتقاء وتقديم الشاعر البريطاني مارك فورد (1962)، بالاشتراك مع الشاعر الشاب جون ستون (1983).
يعترف مارك فورد بالحيرة الشديدة التي لازمته أثناء تجميعه للشعر المنشور بين أيار (مايو) 2013 وأيار (مايو) 2014، ويعترف في النهاية بأنه وجد نفسه «كالسمكة التي تعجبها تخطيطات أو ألوان أو سرعة أسماك أخرى» لا أكثر، لافتاً إلى أن محررا كتب مثل هذه، ليس في النهاية إلا «طاغية يحاول تقديم ذائقته الشخصية على أنها انتقاء معقول ومنطقي للشعر».
تضم الأنطولوجيا التي جاءت في 170 صفحة من القطع المتوسط، قصائد لـ 66 شاعراً وشاعرة من مبدعي بريطانيا اليوم، تراوح تجاربهم بين الراسخ كـ «روث فاينلايت» مثلاً المولودة عام 1931 التي لها عشرات الكتب والدواوين، وفي رصيدها الكثير من الجوائز الأدبية المرموقة التي كان آخرها جائزة المجمع الملكي للأدب 2010، إلى جانب شعراء لم ينشروا بعد كتبهم الأولى مثل جاك أندروود المولود عام 1989. وقد جرى انتقاء القصائد من وفرة هائلة من المنشور الورقي والإلكتروني غير الرسمي (بالمعنى الأدبي العريض) الذي يمثل الصف الثاني من المشهد الشعري البريطاني اليوم، أي من المجلات والمدوناتلا من الكتب المنشورة أو التجارب المكتملة، وهو ما يُبقيها في طور التجريب المتوحش الذي يمثل بدوره شهقة إضافية أثناء اللهاث المحموم الذي ينتاب القارئ وهو يحدق مبهوراً بكل هذا الشعر.

في الحقيقة، حاولتُ أن أتهرب من تقديم هذا الكتاب إلى قارئ العربية ولم أنجح. لطالما اعتقدتُ بعدمية وصف سطر شعري واحد ووضعه في أي خانة تأويلية تُحيله على هذا المعنى المقصود أو ذاك، فما بالك بالتصدي لحشر كوكبة شعرية كاملة في حلق القارئ العربي، وخصوصاً بعد اعتراف مقدمها الشاعر فورد بمدى الظلم الذي لحق بالشعر على يديه هنا؟ المهمة مستحيلة أولاً وغير مستساغة ثانياً ولعلها، ثالثاً وأخيراً، تشبه زج طائر كناري في القفص مرة أخرى للتمكن من النظر إليه ووصف جماله (أو عدمه!)، إلا أن هذا شرٌّ لا بد منه في لحظتنا الكارثية هذه. بينما يطرّش دمنا صفحات الجرائد والمجلات والكتب والفيسبوك، يتقلب الشعر البريطاني المنتقى في هذه الأنطولوجيا الآسرة، على أرصفة العادي من الحياة وما يُصرف من أيامها، ويكتفي بتسجيل لحظات قلقه وفقده ولوعات خساراته في الحب والصداقة والعمل. يتفرغ على نحو شبه كامل لرصد العادي والعاري والخالي من الصنعة، ويسير خبط عشواء في أفق لم يُرْسم له من قبل أباطرة «القيمة» و«المعنى» و«الدلالة» .. والأبشع من كل ذلك: «الجمال». يعيش هذا الشعر اليوم أسطورة عاديّته المطلقة التي فشلت تجربة الحداثة الشعرية العربية (يصحّ القول إنها حملت لكنها أجهضت عنوةً) في تسجيله. فكيف يمكنك رصد العادي وأنت تعيش زمن «القادة» و«النكسات» و«الممانعات» و«التحالفات» وكل ذلك الموت الجهنمي؟ أنت ابن ذلك الخراب الفظيع ولا يمكن أن تكتب غير هذا. والشعر هنا، في المقابل، في هذه الأنطولوجيا ابن هذا المجتمع وهذه الطرق بالتفكير والعيش وتناول الأشياء والحياة بخفة أحياناً وبقسوة ضارية أحياناً أخرى. يتميز شعر البريطاني اليوم بما يتميز به العقل البريطاني من وحدة الموضوع ووضوحه في القصيدة الواحدة بينما نرزح نحن، في ذلك القسم الخائب والشاحب من العالم، تحت ثقل «اللغة» ونضيع في تلافيفها.
في ما يلي قصائد منتقاة لأصوات شعرية بريطانية من أجيال مختلفة جرى اختيارها في الأصل ضمن مشهد الشعر البريطاني للعام الذي ودّعناه للتوّ:


الطريقُ السريعُ
روْث فاينلايت (1931)
ولدتُ في عصرِ الطريقِ السريعِ
كلانا ولِدَ في عصرِ الطريقِ السريعِ.
كانَ يقولُ لي إنهُ يفرحُ عندما يراني أكتبُ في السيارة،
في مقعدِ المرافق.

كنا نقودُ السيارةَ على الطريقِ السريعِ ونذهبُ شمالاً
على الـ M1، كلُّ الطرقِ عبرَ فرنسا تقودنا جنوباً،
غربَ ناشفيل باتجاهِ سان دييغو، ثم
شرقاً مرةً أخُرى عبرَ القارةِ
إلى مونتوك بوينت قبلَ أنْ نعيدَ السيارة:
أنتَ تقودُ
أنا أقرأُ.
كنتُ انتبهُ أحياناً أنكَ أدرتَ رأسكَ جانباً،
لمجرد دقيقةٍ فقط
مغيّراً تحديقكَ بالطريق - نظرةٌ خاطفةٌ من عينيكَ
تراني أدونُ ملاحظاتي
ضحكتُ وقلت: هذا ما أرتهُ بالضبط - أنتَ تقودُ السيارة،
أنا أكتبُ، فلنفعل هذا إلى الأبد.
تضحكُ أنت وتوافقُ.
لكننا لم نفعل ذلك. كانَ علينا أن نقوم بأشياء أخرى
والآنَ يبدو الأمر مستحيلاً: أنتَ ميّت
وأنا في سيارةٍ يقودها شخصٌ آخر.

أحدِّقُ عبر زجاج السيارةِ إلى البعيد
بينما أبراجُ الطائراتِ ترسمُ خطوط جبروتها
عبر الحقولِ الخضراءِ والبنيةِ والصفراءِ اللونِ،
في مرجٍ من هضابٍ صغيرةٍ، أجماتٍ وجداولَ
علمتني أنتَ أنْ أفهمها - أحدقُ في البعيدِ كما لو أني بطول التحديق
سأجدُ النقطةَ حيثُ تجتمعُ نهايتيّ الطريق
وتتحدانْ.

■ ■ ■



مُسْتبيحةُ الخصوصية
ريتشارد إيفانز (1931)

في أولِ لقاءٍ لنا
استباحتْ زوجتي خصوصيتي.
وقَفَتْ بظلِّها المزعجِ أمامي وأصاختْ السمعَ إلى كل حرفٍ أنطقهُ
وعندما هربتُ، لحقتْ بي. أكملنا رقصةَ رومبا في كل المنزل
حتى حشرتني أمامَ البرادِ في الزاوية (لم تدعْ لي مكاناً آخر للهرب)
وحتى في حفلِ زفافنا بينما كنا نتبادلُ وعودَ الزواج
كانَ أنفها قريباً بشكلٍ فظيعٍ من أنفي ولم تتراجع
والآن أنا معتادٌ على تواجدها وتواجد أهلها وأصدقائها الذين لا يقلون ثقلَ ظلًّ عنها
لكني أشعرُ بتهديدٍ أقل
أشعرُ أننا
أقرب.

■ ■ ■



العائلة الأخرى
هانا لو (1983)

ينفخُ الولدُ فقاعاتٍ
في وجهِ الكاميرا التي في الحديقةِ
ذاتِ الأزهارِ الصفراء،
ثم تنفخها المرأةُ
ثم الولدُ
تتعثرُ أنتَ من وقفةٍ مصطنعةٍ،
يلامسُ خدُّكَ قبضةَ الولد،
بينما ذراعاه تتخبطانِ بجنونٍ،
أنتَ تصدُّ اللكماتِ التي لا تكتمل
ثم تتهاوى نحو الخلفِ على أطرافِ أصابعك
نحو بابِ المطبخِ.
حدثَ هذا منذ عدة سنوات،
المرأةُ قربَ المغسلة
في ثوبها البرتقالي،
يداها غائرتانِ في القواريرِ،
تنظرُ الآن إلى الرجلِ والولدِ وهما يتعاركان،
يعِّلمُ الرجلُ الولدَ كيفَ يكونُ رجلاً
بينما يستعيدُ الولدُ ضوءَ الفقاعات
في الطبقةِ العلوية
غرفةُ التخزينِ بورقِ جدرانها ذي الجسورِ والقطاراتِ الزرقاء
حيثُ استيقظَ باكراً ليجدَ بقعةَ ضوءٍ
على حافةِ الحائط الخشبيةِ مما جعلهُ يفكرُ
بالعصافيرِ أو باللهِ حتى سمعَ
صوتَ مفتاحكَ يجلجلُ في قفلِ الباب
والمرأةُ في الطبقةِ السفليةِ
ترتبُ الصحونَ وتفكرُ
في تلكَ الليلةِ عندما استيقظتْ
وكانَ القمرُ مشطوراً فوقَ السجادة
والمكانُ فارغٌ تقريباً
ولا تعرفُ أينَ تكونُ.
حدثَ هذا منذ سنواتٍ بعيدة
توقفتِ الكاميرا عن الدوران
لكننا كنا ندورُ نحو الخلفِ
صورةً صورةً
الولدُ، المرأةُ،
وأنتَ تقودُ سيارتكَ
لأميالٍ طيلةَ الليلِ
في جيبكَ نقودٌ
عائداً إلى المنزل
ومعكَ ما تعرفُ.

■ ■ ■



أمضي مع آيزك روزينبيرغ
كرستوفر مدلتون (1962)

تدنو الظهيرةُ
الهواءُ الآنَ ساخنٌ جداً
بينَ شجيراتِ القصبِ
النحيلِ والأخضر
تنداحُ تلكَ التغريدات
من فراخِ السنونو
تتواترُ، كلمسةِ الهواء
فوقَ الجلد
مباركةٌ، الكلمةُ الوحيدةُ التي تصفها
وهذا كل ما يعنيني
أمضي مع آيزك روزينبيرغ
منقباً عن القمامةِ في نهر السوم
قد أجدُ إنجيلاً
في ثيابِ رجلٍ ميتٍ
أمزِّقُ الصفحاتِ التي أريدها،
وأحملها معي
أينما مضيتْ.

■ ■ ■



أيلول 1939
جوليان ستانارد (1962)
تبدو لندن وادعةً
وفارغةً إلى حدٍّ ما
أظنُّ أننا سنكون على ما يرام
وأشعرُ بشيءٍ من السعادة
أطن أنهُ يجب أن نتزوج
أو أن تكونَ بيننا علاقةٌ ما
أظن أنه يجبُ أن نذهبَ في عطلة
إلى «ديفون» ربما بما أنه لا يمكننا أن نذهبَ إلى برلين!
ترى ماذا يقولون في Kurfustendamm؟
سأراسلُ هينريتش وسأقولُ
إنَّ هذه الحرب لن تُحْدِثَ أدنى فرق.
ما رأيكِ؟
أظن أنه يجبُ أن نتعرى
وأن نجعل من التعري عادتنا الجديدة
تعالي، دعيني أساعدك
أظن أنه علينا أن نذهب إلى فندق «ريتز»
وأن نصرفَ نقودنا ببذخ
أظن أنه يجب أن نتظاهر
بأنا لا نقوى على النوم
لأن العنادل لا تتركنا بحالنا
أظن أنه يجب أن نغني
سيكون هنالك دائماً «إنكلترا» من نوعٍ ما
وفقط عندما نفهم هذا
علينا أن نتوقفَ فجأةً
ونتظاهر بالإحراج
أظن أنه يجب أن نضربَ أفواهنا بالخوخ
حتى تتورم
أظن أنه يجب أن نستمع إلى موسيقى الجاز
وأن نتراقص على هذا النحو، هكذا
أظن أني سأرتدي تلك السترة
التي تجعلني أشعرُ بشيءٍ من الغرابة
أظن أنهُ يجب أن نذهب إلى ذلك المطعم
في شارع «دين». أظن أني سأرمي يديَّ عليكِ
وأني سأحضنك بقوةٍ أكثر مما اعتدتُ سابقاً
وهذا ما سيدفعكِ لتقولي لي:
توقف أرجوكَ، إنكَ تؤلمني!
أظن أنه علينا أن نستمع إلى الموسيقى عير الأثير
أظن أنه علينا أن نستلقي لساعاتٍ
في حقلٍ
وننظرَ إلى السماء.

■ ■ ■



مسدس تشيخوف
جوي كونوللي (1950)

من قطارٍ، تعبرُ كما تعبرُ كل الأشياء، ملفوفةً بثوانيها،
فوضويةً وبسيطةً كالعقدة
التي تنتظرُ من يحلَّها، تحتَ يافطةِ محطة قطارٍ سُمّيت مارسدين -
التي تشبهُ كُنية الحبيبة الأولى، قبل أن أفهمَ - كأني أقفُ هنا وحدي،
المرأةُ الغامضةُ التي تملأ وجهها العظام
بتسريحة الشعر القصيرة، والنقاط الحمراء الملفوفة ببياضها،
ترفعُ يدها لتستريح - ربما لبرهةٍ - على خدها. الحياةُ
بالنسبة لتشيخوف، ليستْ فظيعةً ولا سعيدةً
لكنها غريبةٌ، فريدةٌ، تمرُّ بسرعةٍ، جميلةٌ وبشعةٌ، بالنسبة لغيرهاردي
في هذا الكتاب الذي كنتُ أقرأهُ قبل أعبرَ وأن أرى حافة
تلك اليافطة المكتوب عليها مارسدين. الحياةُ هي كذلك
بالنسبةِ لي أيضاً.

■ ■ ■



مقْعَد
صوفي كولينز (1989)

أرتدي ثيابي كمن يذهب ليقْتُلَ أو يُجْرَحَ،
في كرسي القراءة، كأنَّ أحداً قد أنقذ حياتي، بتلاتٌ بيضاء
تتفتحُ على أطراف أصابعي.

كان باستطاعتها أن تتحدثَ إلى أشخاصٍ آخرين،
كذلك المراهق العبقري الهندي الأصل (ربما)

تمطرُ. تغيَّرَ الطقسُ. هذا ما سيحدث
السماءُ داكنة
يتهاوى الضوءُ خارج نافذتي على طائراتٍ من أحجار البناء الحمراء،
وأنا على وشك أن ألمحَ
والدها في مخيَّمات مولدوفا -
رجلٌ سهلُ التشتت
يستيقظُ أول الفجرِ، يجدُ كتاباً
يحترقُ.

■ ■ ■



حذاء أحمر
تود سويفت (1966)

أردتُ أن أمتلككِ لأني لم أستطعْ أن أصبحَ المرأةَ التي وددتُ أن أكونها، باستثناء
تلك اللحظات التي أرعبتني أكثر من امتلاككِ،
ولهذا جعلتكِ تقومين بتلك التصرفات، وأثناء كل ذلك كنتُ أشاهدُ الجمالَ
يرقصُ ويغيبُ عن نظري ويختفي، كل ذلك الوقت

وهذه هي لعبةُ الشاطر
عندما يحصل التلميذ على الجسد الذي يتحرَّقُ للحصول عليه
على هذا النحو يرسلُ الفنُّ الأساتذة ليرقصوا مع عبيدهم.

■ ■ ■



نهايات لكتاب الألعاب رقم 22
جون ستون (1983)

تُقْتَلُ وقتَ الصلاةِ. تصبحُ كلماتكَ
رطبةً. المدينةُ المنسية تنقلبُ رأساً على عقب. فرقةُ الأبطالِ تلكَ -
هؤلاء الذين ظنوا أنهم سيصلون في الوقتِ المناسب - كانوا على خطأ
الآن يصطحبونكَ إلى حافة الماء الهامسة. كنتَ أنت بلا إحساسٍ
لكن ثمة شيء ندعوه «نبيلاً بشكلٍ مبالغٍ به»، يا إيريث
ها قد تصاعد الضوءُ، تورَّمت الموسيقى
الفتى الذي يشدُّكَ نحو الأسفل، الفتى صاحب المزاج السيء - الآن
الآن تماماً يتوقف عن أن يكون حبيبكَ.

■ ■ ■



إسقاط النجوم
ميمي خالفاتي (1944)

كفأرٍ يبحثُ عن الجبنة، هكذا أقرأُ الروايات،
باحثةً عن الومضات. أحياناً تكون قليلةً
لكن كافية لأتابع القراءة: أحياناً أخرى، تكون الومضات نادرة
ومذهلة، صفحاتٌ بأكملها، مقاطع،
تُسْقِطُ ضوءَ النجومِ على الأرضِ. وفوقَ هذه الومضاتِ أتلعثمُ،
أحشرجُ جيئةً وذهاباً، أستنشقُ الهواءَ، أرفعُ أنفي للطقسِ،
ألصقهُ كي أشمَّ الشعلةَ، كي آخذَ نَفَساً آخر.
أنا على خطى عبقريٍّ لا يقلُّ وميضهُ المبهرُ
عن وميضِ الثلجِ، عن لمعانِ الضوءِ فوق رملِ الصحارى،
هو الذي يجلبُ لي السماءَ، بلونِ الحمَامِ، مع عدة نجومٍ،
مع أضواءُ «يالتا» التي تشبهُ الجواهر
تحتَ هذه الانعكاسات كلها وعبر الزمن والفضاءِ،
ما الذي يختلفُ علينا ونحنُ هنا في «سيفين دايلز»
حيثُ لا يسطعُ قطبُ الشمسِ سوى ست نقراتِ ساعاتٍ زرقاءَ
بما أنه نفسهُ النقرةُ السابعةُ أو
في «أبر ستريت» حيثُ أضواء الميلاد الزرقاء تحلّق حول طائرات لندن
كل جذعٍ غزالٌ أميريٌّ، كل غصنٍ قرنٌ يشبهُ النجوم.

■ ■ ■



رجلٌ حُرّ
سارة واردل (1969)

كُنْ سعيداً بروحِ المدينة، بالنبضِ
الذي يدفعُ الحشودَ نحو الأمَام، بالحيواتِ
التي تعبرُ لتلتقي من جديد، بكلِّ وجهٍ،
بابتسامتها، بعبوسها، بغنائهِ في القطار،
بالكنيست، بالمعبد، بالعرب والأفارقة
بالمستشفى، بالمدرسةِ، بصالةِ العرضِ، بالمتحف
كن سعيداً بالباراتِ والمحلات، بمواقفِ الباص، بسيارةِ الإسعافِ تلكَ،
بالعملِ والخُططِ، وبكل ما يأتي صدفةً من فوضى الهيب هوب، من رقصة الكوانتم
بالمعرفةِ، عندما نموتُ، تتابعُ لندن الحياةَ،
بعد ساعة الزحامِ، بعد أضواء الشوارعِ، بعد أضواء الإنذار، بعد النوادي التي توصدُ أبوابها،
كن فرحاً بأنشودةِ الطيرِ، بالطائراتِ، بكانسي الشوارع، بالـ «تيوب» الذي
يسيرُ إلى نهاية رحلتهِ ليبدأ من جديدٍ، بكل ما يأتي ويذهبُ،
بالمفتاحِ والبابْ.

■ ■ ■



مصبُّ النهر
مايكل بايلي (1941)

غرابةُ هذا المكان المتهلهلة
أمرٌ لا شكَّ فيه
كثيرون يكرهونه
وعلي أن أعترف
أنَّ له شيئاً يسببُ النفورَ،
كلُّ المكان هو عبارة عن وفرةٍ،
عن ظلامٍ
وعن ضوءٍ: الصوتُ المانحُ للحياةِ
الذي ينبعثُ من الحصّادةِ الميكانيكيةِ،
الماشية ترعى فوق العشبِ،
جمجمةُ الحصان أو قرونُ
الماشيةِ، تستلقي مغسولةً
فوق الرمل
والآن بينما يجزرُ المدُّ،
الضلوعُ الخضراءُ والسوداءُ
لحطامٍ نصفهُ مطمورٌ،
جذورُ أشجارٍ شبحيةٍ
تبْيَضُّ
لتلتحمَ إلى الأبد بالأمواج.